[الأحنف بن قيس]
127 paragraphs · vol. 13, p. 310
Page 4 of 4
- vol. 13, p. 341
العمري عن الهيثم بن عدي قال: أشرف رجل على الأحنف، وهو يعالج طبيخا في قدر صغيرة، وهو يحش تحتها فقال:
قدر ككفّ القرد لا مستعيرها … يعار ولا مرتابها يتدسّم
فبلغ ذلك الأحنف فقال: رحمه الله لو شاء قال أحسن من هذا.
قالوا: وقال شاعر للأحنف: رحمه الله لو شاء قال أحسن من هذا.
قالوا: وقال شاعر الأحنف:
إنا أتينا أبا بحر وقد جعلت … أيدي سرابيلنا تندى من النّجد
vol. 13, p. 342ولا نرى سيدا يوفى بسيدنا … إذا تلبّس وعث الأرض بالجدد
ألقى المراسي واشتدت عوارضه … لما رأى سوءة تهدي إلى اللبد
ويقال اللبد وهو قول الكلبي واللبد من بني عبيد.
-
المدائني وغيره أن ابن أبي عصيفير الثقفي حبس في مال عليه، يقال ان مبلغه مائة ألف درهم، وبلغه أن مصعبا قد أقبل يريد الكوفة ومعه الأحنف، فوجه إلى الأحنف من يلقاه وأقام له النزل حتى ورد الكوفة ومعه الأحنف، فوجه إلى الأحنف من يلقاه وأقام له النزل حتى ورد الكوفة ثم أنزله في دار ابن أبي عصيفير، فقال الأحنف: فأين أخونا لا نراه فقد برّ وأكرم فقيل: هو محبوس بمال عليه، فكلم مصعبا فيه، فوهب المال له، ووهب الأحنف مثله، فصرفه الأحنف إلى ابن أبي عصيفير.
-
حدثني عبد الله بن صالح عن أبي زبيد عبثر أن الأحنف دخل الكوفة فاستطابها وقال: اللهم إن حضر أجلي فاجعله بالكوفة، فإن تربتها كالكافور، فمات بها ودفن، ومات في دار ابن أبي عصيفير.
قالوا: ولما حضرت الأحنف الوفاة قال: لا تند بني نادب، ولا تبكني باكية، وعجلوا اخراجي، ولا تؤذنوا بي أحدا، فلما مات آذنوا المصعب لتقدمه إليهم في ذلك، فأمر صاحب شرطته أن يأخذ بأفواه السكك فلا يدع امرأة تخرج فانتفجت امرأة على حدج (١) لها على دابة، وكانت من بني عبيد وجعل تقول:
قل لأميري مصعب إنني … سأندب المدفون بالقاع
أندبه بالحقّ لا أتلي … بخير ما ينعى به الناعي
الأحنف الخير ابن قيس … أبا بحر إذا ما قصّر الساعي
vol. 13, p. 343فقال مصعب: دعوها. فلما دفن وقفت على قبره فقالت: أيها الناس إنكم خول الله في بلاده، وشهوده على عباده، وإنا قائلون خيرا، ومثنون حسنا، أنشد الله رجلا إن قلت حقا إلا صدقني، وإن قلت باطلا إلا كذبني، ثم عددت حلمه، وفعله فقالوا: صدقت.
وقال المصعب وهو في جنازة الأحنف يمشي أمامها متسلبا: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات سيد العرب. فقال رجل من بكر بن وائل: حاشى الأمير.
-
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الأحنف قال مصعب:
اليوم مات الزبير، وجعل يسترجع.
-
المدائني عن ابراهيم بن يزيد الأسيدي قال: أخبرني من شهد جنازة الأحنف قال: رأيت المصعب في الجنازة وقد ألقى عطافه وحمل مقدم السرير يسترجع ويقول: اليوم مات الحلم، وذهب الوفاء.
-
المدائني عن أبي اليقظان عن وضاح بن خيثمة قال: مروا بجنازة الأحنف على شيخ من بني أسد مسنّ لا يقدر على النهوض، فقال الشيخ إنا لله هو أمس سيدنا، واليوم جنازة يهدى إلى حفرته.
قالوا: وورد البصرة بوفاة الأحنف رجل من بني يشكر، فقال رجل من بني سعد:
أمات ولم تبك السماء لفقده … ولا الأرض أو تبدو والكواكب في الظهر
كذبت إذن ما أمسكت بطن حامل … جنينا ولا أضحى على الأرض من شعر
ولما أتيت اليشكري وجدته … بأمر أبي بحر بن قيس أخا خبر
وصلى عليه مصعب، وولي دفنه، ووقف فترحم عليه، ودمعت عينه.
- vol. 13, p. 344
وحدثني عبد الله بن صالح عن أشياخه قالوا: لما سوّي التراب على الأحنف والناس محزونون قالت امرأة من بني تميم يقال لها أسماء بنت حصن من بني منقر، فقالت: إني معزيتكم عن أبي بحر أعظم الله أجوركم فيه، ثم قالت: رحمة الله عليك من مجنّ في جنن، إنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله الذي فجعنا بفقدك، وابتلانا بفراقك أن يغفر لك يوم حشرك، وأن يفسح لك في قبرك، وأن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشاد دليلك، ثم التفتت إلى الناس فقالت: إن أولياء الله في بلاده شهوده على عباده، وإنا قائلون حقا ومثنون صدقا فإنه لأهل لحسن النثا (١) وطيب الثناء، وأما والذي جعله من أجله في عدة، ومن الفناء إلى مدة، ومن عمره إلى نهاية وفي المضمار إلى غاية لقد عاش حميدا رشيدا، ومات فقيدا سعيدا، ولقد كان عظيم السلم، بسيط الحلم، رفيع العماد، وارى الزناد، منيع الحريم، سليم الأديم، ولقد كان في المحافل شريفا، وعلى الأرامل عطوفا، وعن الفحشاء عفيفا ومن الناس قريبا، وفيهم غريبا، وإن كان لمسوّدا، وإلى الخلفاء موفدا، وإن كانوا لقوله لسامعين ولرأيه متّبعين، ثم قعدت فقال من حضر: ما رأينا كاليوم امرأة أبلغ منها في قولها، ولا أصدق في وصفها.