مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بصفين
13 paragraphs · vol. 4, p. 101
- vol. 4, p. 101
قال أبو مخنف وغيره: قاتل عبيد الله بن عمر بصفين حتى حمي القتال؛ وذلك في آخر أيامهم، فقتله هانئ بن الخطاب، ويقال: مجرز بن الصحصح من بني تيم الله بن ثعلبة. ويقال حريث بن جابر الحنفي، وأخذ سيفه ذو الوشاح - وكان سيف عمر بن الخطاب - فلما ولّي معاوية أخذ السيف من قاتله ورده على آل عمر.
-
حدثنا أبو خيثمة وأحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا جويرية بن أسماء، حدثني سعيد بن أبي عروبة:
عن قتادة قال: استحرّ القتل في صفين بأهل اليمن، وقد كان عليّ عبأ ربيعة لليمن وكانت ربيعة قوما أدركهم الإسلام وهم أهل حروب، فكانوا يصفّون صفين فيقاتل صف ويقف صف، فإذا ملوا القتال وقف هؤلاء وقاتل هؤلاء، وكانت اليمن تحمل بأجمعها فأفنيت اليمن يومئذ، فقال معاوية لأصحابه: من لربيعة؟ فقال عبيد الله بن عمر بن الخطاب: أنا لهم إن أعطيتني ما أسالك. قال: سل. قال: الغمامة تصرفها معي - وهي
vol. 4, p. 102كتيبة معاوية كان يقال لها: الغمامة والخضراء والشهباء - فقال: [معاوية للغمامة] : انصرفوا معه. فمال عبيد الله إلى فسطاطه ومعه امرأته بحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني، فدعا بدرع فظاهرها على درعه، قالت: ما هذا يا بن عمر؟ قال: عبأني معاوية لقومك في الغمامة فما ظنك؟ قالت: ظنّي أنهم سيدعوني أيّما منك. فلم ينشب أن قتل.
-
فلما كان العشي وتراجع الناس أقبلت بحرية على بغل لها وعليها خميصة سوداء ومعها غلمة لها حتى انتهت إلى ربيعة فسلمت ثم قالت:
يا معشر ربيعة لا يخزي الله هذه الوجوه، فو الله ما كنت أحب أن تخزى.
قالوا: من أنت؟ قالت: أنا بحرية. قالوا: بنت هانئ بن قبيصة؟ قالت: نعم. قالوا: مرحبا وأهلا بسيدة نسائنا وابنة سيدنا ما حاجتك؟ قالت: جيفة عبيد الله بن عمر، قالوا: قد أذنا لك فيها وأشاروا إلى الناحية التي صرع فيها، وكانت الريح هاجت عليهم عند زوال الشمس فقلعت أوتاد أبينتهم، فإذا رجل من بني حنيفة قد أوثق طنبا من أطناب خبائه برجل ابن عمر، وإذا هو مسلوب فلما رأته رمت بخميصها عليه، وأمرت غلمانها فحفروا له ثم أجنته وانصرفت وأنشدت قول كعب بن جعيل فيه:
ألا إنما تبكي العيون لفارس … بصفين أجلت خيله وهو واقف
تركن عبيد الله بالقاع مسندا … تمجّ دما منه العروق النوازف
قال أبو مخنف: لما قتل عبيد الله بن عمر بصفين كلم نساؤه معاوية في جثته فأمر فبذلت فيها لربيعة عشرة آلاف درهم، فاستأمروا عليّا فقال:
لا ولكن هبوها لابنة هانئ بن قبيصة. ففعلوا.
- vol. 4, p. 103
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي عن النعمان بن راشد، عن الزهري قال:
لما بلغ معاوية أمر طلحة والزبير ومن معهما؛ دعا أهل الشام إلى القتال على الشورى والطلب بدم عثمان، فبايعوه أميرا غير خليفة، وخرج علي فاقتتلوا بصفين قتالا لم يكن في الإسلام مثله قط، فقتل من أهل الشام عبيد الله بن عمر، وذو الكلاع وحوشب وحابس بن سعد الطائي. وقتل من أهل العراق عمار، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، وابنا بديل الخزاعي، وخزيمة بن ثابت، وابن التيهان. فلما خاف أهل الشام ظهور القوم عليهم قال عمرو لمعاوية: - وهو على القتال-: هل أنت مطيع في أمر أشير به؟ مر رجلا فلينشر المصحف، ثم يقول: يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله، ندعوكم إلى ما بين فاتحته وخاتمته، فإنك إن تفعل ذلك يختلفوا، ولا يزدد أهل الشام إلا اجتماعا وطاعة. فأمر رجلا من أهل الشام يقال له: ابن لهية فنادى بذلك، فاختلف أهل العراق فقالت طائفة منهم كرهت القتال: أجبنا إلى كتاب الله. وقالت طائفة: ألسنا على كتاب الله وبيعتنا وطلب الحق فإن كانت ها هنا شبهة أو شك فلم قاتلنا؟ فوقعت الخصومة بين أهل العراق، فلما رأى عليّ ما فيه أصحابه، وما عرض لهم من الخلاف والتنازع، ورأى وهنهم وكراهة من كره منهم القتال، قارب معاوية فيما دعا إليه فقال: قبلنا كتاب الله، نحن بيننا وبينكم كتاب الله، فقال معاوية تختارون منكم رجلا ونختار منا رجلا. فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، واختار أهل العراق أبا موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وكتبوا بينهم كتابا أن يحكما بكتاب الله والسنة الجامعة غير المفرقة.
- vol. 4, p. 104
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير، عن جويرية، عن يحيى بن سعيد:
عن عتبة قال: تنازلنا بصفين فاقتتلنا بها أيّاما فكثرت القتلى بيننا وعقرت الخيل، فبعث علي إلي عمرو: إن القتلى قد كثروا، فأمسك حتى يدفن الجميع قتلاهم. فأجابه (١) : فاختلط بعض القوم ببعض حتى كانوا هكذا:- وشبك بين أصابعه - وكان الرجل من أصحاب علي يشدّ فيقتل في عسكره فيستخرج منه، وكان عمرو يجلس بباب خندقه فلا يخفى عليه قتيل من الفريقين، فمر عليه برجل من أصحاب علي قد قتل في عسكر معاوية فبكى عمرو وقال: لقد كان مجتهدا، فكم من رجل أخشن في أمر الله قد قتل يرى عليّ ومعاوية أنهما بريئان من دمه.
-
وحدثني عمر بن بكير، عن الهيثم بن عدي، حدثني ابن عياش الهمداني قال:
قال معاوية لعمرو: أتذكر إذ غشيك ابن أبي طالب فاتّقيته بسوءتك؟ فقال إني رأيت الموت مقبلا إليّ معه فاتقيته كما رأيت، وكان ورعا فصرفه عنّي حياؤه ولكنّي أذكرك حين دعاك للمبارزة، فقلصت شفتك، ورعدت فرائصك وامتقع لونك.
-
حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:
ان أهل الشام لما رفعوا المصاحف يوم صفين فركن إلى ذلك من ركن؛ كان الأشتر يقاتل أشدّ قتال؛ حتى بعث إليه علي مرة أو مرتين يعزم عليه لينصرفن، فقال: أحين طمعت بالنصر والظفر انصرف؟ فقال الذين
vol. 4, p. 105أحبوا الموادعة لعلي: أنت تأمره بالحرب، فبعث إليه بعزيمة مؤكدة فكفّ وقال: خدعتم والله.
-
حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال:
سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث أن الأحنف بن قيس قال لعلي - حين أراد أن يحكم أبا موسى-: إنّك تبعث رجلا من أهل القرى، رقيق الشغر، قريب القعر، فابعثني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك من هذا الأمر بحيث أنت. فقال له ابن عباس: دعنا يا أحنف فإنا أعلم بأمرنا منك.
-
حدثني أبو خيثمة، وأحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان قال: سار علي إلى معاوية بن أبي سفيان، وسار معاوية إلى علي حتى نزلا بصفين، وخلف علي على الكوفة أبا مسعود الأنصاري، فمكثوا بصفين ما شاء الله، ثم إن عبد الله وعبد الرحمن ابني بديل بن ورقاء دخلا على علي فقالا: حتى متى لا تقاتل القوم؟ فقال علي: لا تعجلا. فقال عبد الله بن بديل: ما تنتظر بهم ومعك أهل البصائر والقرآن؟ فقال: اهدأ أبا علقمة. قال: إني أرى أن تقاتل القوم وتتركنا نبيتّهم. فقال: يا أبا علقمة لا تبيّت القوم ولا تدفّف على جريحهم ولا تطلب هاربهم.
-
ثم إن القوم اقتتلوا بعد ذلك بيومين فحرض معاوية أصحابه وهو يقول: فدى لكم أبي وأمي شدوا فإن عليا يزعم أنه لاحق لكم في هذا الفيء ومعاوية يتمثل في ذلك بقول ابن الأطنابة:
vol. 4, p. 106وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي
ومحمد بن عمرو بن العاص أمامه يقاتل أشد قتال وهو يقول: يا أمير المؤمنين إلزم ظهري، وكان أشد الناس مع معاوية، وقال عمرو لابنه عبد الله: أقسمت عليك لتأخذن الراية ثم لتلتزمنّها أبدا، فكثرت القتلى وطفق معاوية يقول لعمرو: الأرض الأرض أبا عبد الله، ثم رجع بعض القوم.
قال: وقال: عياض بن خليفة: خرجت أطوف في القتلى فإذا رجل معه إداوة مملوءة ماءا، وإذا رجل آخر مرمّل بالدماء يقول: أنا عبد الرحمن بن حنبل حليف بني جمح - وكان من أهل اليمن - اقرأوا على أمير المؤمنين السّلام وقولوا له: الغلبة لمن جعل القتلى منه بظهر أي غيبهم، ما تبغى يا عياض؟ قال: قلت: أبتغي أصحابي: أخي، وابن بديل، قال: هيهات قتل أولئك أمس أول النهار، فعرضت عليه الماء الذي مع الرجل في الإداوة، فقال: سلني عمّا شئت قبل أن تسقيني فإني إذا شربت مت. قال: فسألته عما بدا لي ثم سقيته، فما عدا أن شرب حتى مات، وأتيت عليا فأخبرته بما قال فقال: صدق، وأذن في الناس بالخروج وأمرهم أن يجعل القتلى منهم بظهر، وغيب قتلاه حتى لا يرى رجل منهم.
-
ثم اقتتلوا قتالا شديدا حتى قيل: انكشف معاوية وأقبل ابن لّهية معه مصحف بين أذني فرس وأقبل ناس معهم المصاحف بين أيديهم على خيلهم في رماحهم قد نشروها يقولون: بيننا وبينكم ما فيها. فقام فقال: قد قبلت ودعا بعضهم بعضا إلى أن يحكم بينهم حكمان، فزعموا أنهم دعوا إلى رجلين من الأنصار: عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس بن ثابت، فقيل
vol. 4, p. 107لمعاوية: أجعلت أنصاريين، والله ليحكمان عليك فقال معاوية: عمرو، وقال علي: أبو موسى الأشعري، وتراضيا بذلك، وكتبا كتابا وأشهدا فيه من كل جند عشرة، وتمثل علي عليه السلام :
واعجبا من أي يوميّ أفرّ … أيوم لم يقدر أم يوم قدر (١)
وقال معاوية رحمه الله :
ثكلتك أمك إن تعطمط (٢) … بحرهم
زبد غواربه وبحرك ساجي
وحدثني وهب بن بقية، حدثنا يزيد بن هارون، عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز، قال: عابوا على عليّ تحكيم الحكمين فقال علي:
جعل الله في طائر حكمين، ولا أحكم أنا في دماء المسلمين حكمين؟
-
وحدثني أبو زكريّا يحيى بن معين، حدثنا عبد الله بن نمير، أنبأنا الأعمش، أنبأنا أبو صالح قال: قال علي: يا أبا موسى أحكم ولو في حزّ عنقي.
وقال أبو موسى الفروي: سمعت ابن نمير يقول: لو حكموا بحكم القرآن نظروا أيّ الفئتين أبغى.
-
وحدثني المدائني، عن عامر بن الأسود، وإسماعيل بن عياش، عن أبي غالب الجزري، قال: لما صار الناس إلى الحكومة وأن يختاروا رجلين، قال معاوية: قد رضيت عمرو بن العاص. وقال علي: قد رضيت عبد الله بن العباس، فقال الأشعث: ابن عباس وأنت سواء لا يرضى القوم. قال:
فأختار الأشتر، قال: إذا والله يعيدها جذعة وهل نحن إلا في بليّة الأشتر،