أمر الحكمين وما كان منهما

12 paragraphs · vol. 4, p. 117

  1. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن وهب، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان قال: لما تقاضوا وانصرفوا إلى بلادهم مكثوا بقية السنة التي اقتتلوا فيها بصفين؛ حتى إذا كان شهر رمضان من سنة ست - أو سبع - وثلاثين، خرج عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص ومعهما من جندهما من أحبّا، وكان ابن عباس قاضي علي - أو قال: خليفة علي - حتى نزلا بتدمر شهرا يتراجعان ويكتبان إلى صاحبيهما، ويكتب صاحباهما إليهما حتى دخلا في السنة المقبلة، ثم تحولا من تدمر إلى دومة الجندل فأقاموا بها شهرا، ثم تحولا من دومة الجندل إلى أذرح (١) ؛ وكتبا إلى صاحبيهما ومن أرادا من الناس، وأنفذا إلى عليّ كتابا مع معن بن يزيد بن الأخنس السلمي، وجاء معاوية للميعاد؛ في رجال أهل الشام فيهم عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وحبيب بن مسلمة.

    vol. 4, p. 117
  2. وكتبوا إلى ناس من أهل المدينة منهم: سعيد بن زيد بن عمرو بن

    vol. 4, p. 118نفيل، فأبى أن يخرج إليهم، فكتبوا إلى سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الأرقم الزهري، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. ويقال إن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أتاهم من غير أن يكتب إليه.

  3. وأتاهم أبو جهم بن حذيفة وهم بأذرح، ورجع الرسول الموجّه إلى علي ولم يقدم علي معه. وقال سعد بن أبي وقاص: أنا أحق الناس بهذا الأمر لم أشرك في دم عثمان، ولم أحضر شيئا ما من هذه الأمور الفتنة.

    وقال ابن الزبير لابن عمر: اشدد لي ضبعك فإن الناس لم يختلفوا فيك. ولم يشك الناس في ابن عمر، وكان أبو موسى الأشعري مع ابن عباس (١) .

  4. فتحاور الحكمان في أمرهما فدعا أبو موسى إلى عبد الرحمن بن الأسود ابن عبد يغوث الزهري فاختلفا، فقال عمرو: هل لك في أمر لا نختلف معه؟ قال: وما هو؟ قال: يجعل أيّنا ولاه صاحبه الأمر إلى من رأى، وعليه عهد الله وميثاقه ليجهدنّ للمسلمين. قال أبو موسى: نعم. قال عمرو: ذاك إليك بعهد الله وميثاقه؟ قال أبو موسى: لا. قال عمرو:

    فهو إلي بذلك. قال أبو موسى: قد أعطيتك إيّاه، قال عمرو: نعم قد قبلت. ثم ندم أبو موسى فقال: ألا تدري ما مثلك يا عمرو؟ مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا. يقول: إنك لا تنظر لدين ولا ترعى الذي حملت من الأمانة والعهد. فقال عمرو: مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن جعلت الأمر إليّ أبيت، وإن جعلته إليك أبيت.

  5. ثم خلا عمرو بعبد الله بن عمر فقال له: اجتمع أمر الناس عليك وأنت أحقهم بهذا الأمر، فإن عليا قد تخلف عنا، وترك ما افترقنا عليه، ولا بد للناس من إمام يلي أمورهم ويحوطهم ويقاتل من ورائهم.

    فقال ابن عمر: ما أنا بالذي أقاتل الناس فتؤمرّوني عليهم، ولا حاجة لي في الإمرة، فزعموا أن عمرا قال له: أتجعلني على مصر؟ فقال: والله لو وليت من الأمر شيئا ما استعملتك على شيء.

    قال: وأقبل معاوية حين خلا عمرو بابن عمر ليبايعه فقال له رجل بالباب: لا تعجل فإنهما قد اختلفا؛ وابن عمر يأباها. فرجع معاوية فلما أبى ابن عمر أن يقبلها تفرق الناس ورجعوا إلى أرضيهم ورجع أبو موسى إلى مكة ولم يلحق بعلي، وانصرف معاوية ولم يبايع له، وكان تفرق الناس والحكمين عن أذرح في شعبان، فقال كعب بن جعيل التغلبي:

    كأنّ أبا موسى عشية أذرح … يطيف بلقمان الحكيم يواربه

    ولما التقينا في تراث محمد … علت بابن هند في قريش مضاربه

    وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني أبو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال:

    سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن نافع قال: لما اجتمعوا بدومة الجندل قال عمرو لابن عمر: إنا قد رأينا أن نبايعك فهل لك أن نعطيك مالا وتدعها لمن هو أحرص عليها منك؟ فوثب ابن عمر مغضبا، فأخذ ابن الزبير بثوبه فجلس وقال: ويحك يا عمرو بعت آخرتك بدنياك، إني والله لا أعطي عليها مالا، ولا أقبل عليها مالا، ولا أقبلها إلا عن رضى جميع الناس.

    vol. 4, p. 119
  6. حدثني أبو خيثمة، حدثنا وهب، عن جويرية بن اسماء.

    vol. 4, p. 120
  7. عن نافع، أن ابن عمر شهد مجتمعهم بأذرح للحكومة وأنّ عمرا قال له: ما تجعل لي أن صرفتها إليك؟ قال: لا أجعل لك والله شيئا ولا أقبلها حتى لا يختلف عليّ فيها اثنان.

  8. حدثنا علي بن محمد المدائني، عن محمد بن صالح، عن محمد بن السائب الكلبي قال:

    قدم علي الكوفة من صفين لعشر ليال بقين من شهر ربيع الأول، فأقام ستة أشهر يجبي المال ويبعث العمال وينظر في أمور الناس، فبينا هو على ذلك والخوارج مقيمون على انكار الحكومة، إذ قدم عليه معن بن يزيد بن الأخنس السلمي من قبل معاوية فقال له: إن معاوية قد وفى فينبغي لك أن تفي كما وفى. فبعث علي عبد الله بن عباس وأربعمائة وأبا موسى معهم فكان ابن عباس يصلي بهم ويلي أمورهم، وكان أبو موسى الحكم، فنزلوا دومة الجندل، وحضرهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الأسود الزهري، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأبو الجهم بن حذيفة العدوي، والمغيرة بن شعبة الثقفي وكان معتزلا لأول الأمر. والثبت أن سعدا لم يحضر، وقد حرص ابنه عمر أن يشخص فلم يفعل.

  9. المدائني عن أبي الفضل التنوخي، عمن سمع ميمون بن مهران يحدث عمر بن عبد العزيز، قال:

    لما أهل شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، خرج معاوية من دمشق في أربعمائة حتى نزل دومة الجندل، وسرح يزيد بن الحرّ العبسي إلى علي يعلمه

    vol. 4, p. 121نزوله دومة الجندل، ويسأله الوفاء، فأتى عليا فحثه على الشخوص وقال:

    إن في حضورك هذا الأمر صلاحا ووضعا للحرب واطفاء للنائرة. فقال علي: يا بن الحر، إني آخذ بأنفاس هؤلاء فإن تركتهم وغبت عنهم كانت الفتنة في هذا المصر أعظم من الحرب بينهم وبين أهل الشام، ولكني أسرح أبا موسى، فقد رضيه الناس، وأسرح ابن عباس، فهو يقوم مقامي، ولن أغيب عما حضره، ففعل ذلك فبعث إلى ابن عباس فأقدمه من البصرة، وأقدم أبا موسى، وكان توجه إلى بعض النواحي فقدما عليه فوجههما في خيل وأقام.

  10. حدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده محمد بن السائب والشرقي بن القطامي قالا: سمعنا الناس يتحدثون بأن ابن عباس خلا بعلي حين أراد أن يبعث أبا موسى فقال: إني أخاف أن يخدع معاوية وعمرو أبا موسى، فابعثني حكما ولا تبعثه ولا تلتفت إلى قول الأشعث وغيره ممن اختاره فأبى، فلما كان من أمر أبي موسى وخديعة عمرو له ما كان، قال علي: لله درّ ابن عباس إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق.

  11. وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ، عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي وائل قال:

    قال سهل بن حنيف الأنصاري بصفين حين حكّم الحكمان:

    ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا لأمر إلا أسهل بنا إلى ما نعرفه، إلا أمرنا هذا.

  12. وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف لوط بن يحيى، وعن عوانة في اسنادهما قالوا: لما قدم علي الكوفة وقد فارقته المحكمة - وهم الخوارج - وثب إليه شيعته فقالوا: بيعتك في أعناقنا فنحن أولياء من واليت