[المحكمة]

13 paragraphs · vol. 4, p. 110

  1. قالوا: فلما كتبت القضية خرج بها الأشعث ليقرأها على الناس فمر بها على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية - وهي أمّه وأبوه حدير أحد بني ربيعة بن حنظلة - وهو أخو مرداس بن أدية - وأدية محاربية - فقال عروة:

    أتحكّمون في أمر الله الرجال؟ أشرط أوثق من كتاب الله وشرطه، أكنتم في شكّ حين قاتلتم؟ لا حكم إلا الله - وهو أول من حكم - ثم اعترض للأشعث - وهو على بغلة له - ففاته، فضرب بسيفه عجز البغلة، ويقال:

    إن أول من حكم يزيد بن عاصم المحاربي، وقال البرك الصريمي - من بني تميم، ثم من بني مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة-:

    أتريدون حكما أقرب عهدا. نحكم في أطراف الأسنة، ثم شدّ عروة بسيفه فضرب عجز دابة الأشعث بن قيس، فغضب للأشعث قومه، فمشى إليه الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، ومعقل بن قيس، ومسعر بن فدكي العنبري، وشبث بن ربعي في جماعة من بني تميم، واعتذروا إليه، فرضي وصفح، وكان سيف عروة أول سيف شهر في التحكيم.

    vol. 4, p. 110
  2. وقيل لعلي: إن الأشتر لم يرض بالصحيفة، ولم ير إلا قتال القوم، فقال: ولا أنا والله رضيت ولن يصلح الرجوع بعد الكتاب.

  3. المدائني، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس قال: قلت لعلي: أتقاضي معاوية على أن يحكم حكمان؟ فقال: ما أصنع أنا مضطهد.

  4. المدائني عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: ما دعا عليا إلى الحكمين؟ فقال: إن أهل العراق ملّوا السيف وجزعوا منه جزعا لم يجزعه أهل الشام، واختلفوا بينهم، فخاف عليّ لمّا رأى

    vol. 4, p. 111من وهنهم أن ينكشفوا ويتفرقوا عنه، فمال إلى القضية، مع أنه أخذ بكتاب الله حين أمر بالحكمين في الصيد والشقاق ولو كان معه من يصبر على السيف لكان الفتح قريبا.

    وقال أبو مخنف: كان الكتاب يوم الجمعة في صفر، والأجل لشهر رمضان على رأس ثمانية أشهر إلى أن يلتقي الحكمان.

  5. ثم إن الناس دفنوا قتلاهم، وأطلق علي ومعاوية من كان في أيديهما من الأسرى وارتحلوا بعد يومين من القضية، فسلك علي طريقه التي بدا فيها؛ حتى أتى هيت وصندودا، وصار إلى الكوفة في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين.

  6. حدثني علي بن المغيرة، الأثرم، حدثنا أبو عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: كتبت القضية بين علي ومعاوية يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين، فأتى رجل من بني يشكر عليا فقال:

    يا علي ارتددت بعد إيمان، وشككت بعد يقين، اللهم إني أبرأ إليك من صحيفتهم وما فيها. فطعن رجلا من أصحاب علي فقتله، وشدّ عليه رجل من همدان فقتله فقال بعض شعرائهم:

    ما كان أغنى اليشكري عن التي … يصلى بها حرّا من النار حاميا

    عشية يدعو والرماح تنوشه … خلعت عليا باديا ومعاويا

    حدثني بكر بن الهيثم، عن أبي نعيم، عن الحسن بن صالح، عن عبد الله بن حسن قال: قال علي للحكمين: أو تحكما بما في كتاب الله لي، وإلا تحكما بما في كتاب الله فلا حكم لكما.

  7. حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثنا ابن كناسة الأسدي عن

  8. إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي قال:
  9. لما اجتمع علي ومعاوية على أن يحكّما رجلين اختلف الناس على عليّ فكان عظمهم وجمهورهم مقرين بالتحكيم راضين به، وكانت فرقة منهم - وهم زهاء أربعة آلاف من ذوي بصائرهم والعباد منهم - منكرة للحكومة، وكانت فرقة منهم وهم قليل متوقفين، فأتت الفرقة المنكرة عليا فقالوا: عد إلى الحرب - وكان علي يحبّ ذلك - فقال الذين رضوا بالتحكيم: والله ما دعانا القوم إلا إلى حق وإنصاف وعدل، وكان الأشعث بن قيس وأهل اليمن أشدهم مخالفة لمن دعا إلى الحرب، فقال علي للذين دعوا إلى الحرب: يا قوم قد ترون خلاف أصحابكم وأنتم قليل في كثير، ولئن عدتم إلى الحرب ليكوننّ أشدّ عليكم من أهل الشام، فإذا اجتمعوا وأهل الشام عليكم أفنوكم، والله ما رضيت ما كان ولا هويته، ولكني ملت إلى الجمهور منكم خوفا عليكم. ثم أنشد:

    وما أنا إلا من غزية إن غوت … غويت وإن ترشد غزية أرشد

    ففارقوه ومضى بعضهم إلى الكوفة قبل كتاب القضية، وأقام الباقون معه على إنكارهم التحكيم ناقمين عليه يقولون: لعلّه يتوب ويراجع، فلما كتبت القضية خرج بها الأشعث فقال عروة بن حدير: يا أشعث ما هذه الدنية؟ أشرط أوثق من شرط الله؟ واعترضه بسيف فضرب عجز بغلته وحكم فغضب للأشعث أهل اليمن حتى مشى الأحنف، وجارية بن قدامة، ومعقل بن قيس، وشبث بن ربعي، ووجوه تميم إليهم فرضوا وصفحوا.

  10. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير حدثنا

    vol. 4, p. 113الأسود بن شيبان قال سمعت الحسن يقول - وذكر الفتنة-: إن القوم نعسوا نعسة في دينهم.

  11. وحدثنا عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن جدّه قال: كان زياد ابن الأشهب بن ورد الجعدي أتى عليا بعد مقتل عثمان وبيعة الناس عليا ليدخل بينه وبين معاوية، فيقال: إنه أجابه إلى الصلح على أن يوليه فلما نقض طلحة والزبير نقض معهما فقال الجعدي بعد ذلك:

    مقام زياد عند باب ابن هاشم … يريد صلاحا بينكم وتقربا

    وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه عن جده عن العريان بن الهيثم قال: كان الهيثم عثمانيا، وكان شبث بن ربعي علويا فلما مرض شبث بن ربعي مرضه الذي مات فيه؛ بعثني إليه فقلت له: أبي يقرئك السّلام ويقول لك: كيف تجدك؟ - قال: وكان أبي يعيب عليه مشهده يوم صفين كثيرا - فقال: أنا في آخر يوم من الدنيا، فاقرئ أباك السّلام وقل له: إني لم أندم على قتال معاوية يوم صفين، ولقد قاتلت بالسلاح كله إلا الهراوة والحجر، قال: فأتيت أبي فأخبرته، ومات شبث فقال أبي:

    إنّي اليوم وإن أملي لي … لقليل العمر من بعد شبث

    عاش تسعين خريفا همّه … جمع ما يكسب من غير خبث

    غير جان في تميم سنة … تنكس الرأس ولا عهدا نكث

    ولقد زلّ هواه زلّة … يوم صفين فأخطا وحنث

    فلعل الله أن يرحمه … بقيام الليل والصوم اللهث

    وتقى كان عليها دائما … وبكاء ودعاء في الملث (١)

    vol. 4, p. 114وقال أبو مخنف في إسناده: خرج الناس إلى صفين وهم أحباء متوادون، ورجعوا وهم أعداء متباغضون يضطربون بالسياط، يقول الخوارج: أدهنتم في أمر الله وحكمتم في كتابه، وفارقتم الجماعة. ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وجماعتنا، فغم عليا تباغضهم واختلافهم فجعل ينشد:

    لقد عثرت عثرة لا أعتذر … سوف أكيس بعدها واستمرّ

    وأجمع الأمر الشتيت المنتشر (١) …

  12. فلما دخل علي الكوفة في شهر ربيع الأول لم يدخلوا معه وأتوا حروراء فنزلوها، وقد كانوا تتامّوا اثنا عشر ألفا، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، والأمر بعد شورى، والبيعة لله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فسموا الحرورية لمصيرهم إلى حروراء، وعسكر علي بالنخيلة فيمن أطاعه، وكان شبث قد مال إلى الحرورية؛ ثم آب فرجع إلى علي عليه السلام .

  13. وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان: أن عليا لما كتب كتاب القضية نفروا من ذلك، فحكم من حكم منهم، ثم افترقوا ثلاث فرق: فرجعت فرقة منهم إلى أمصارهم ومنازلهم الأولى فأقاموا بها، فكان ممن رجع الأحنف، وشبث بن ربعي، وأبو بلال مرداس بن أديه، وابن الكواء، بعد أن ناشدهم علي وقال: اصبروا على هذه القضية فإن رأيتموني قابلا الدنية فعند ذلك

    vol. 4, p. 115ففارقوني فرجعوا (١) إلى العراق إلى منازلهم، وأقامت الفرقة الثانية وقالوا:

    لا نعجل حتى ننظر إلى ما يصير شأنه، ومضت الفرقة التي شهدت على علي وأصحابه بالشرك؛ وهم أهل النهروان الذين قاتلوه.