[مقتل محمد بن أبى بكر]
12 paragraphs · vol. 4, p. 170
- vol. 4, p. 170
والوهن ما لا انتفاع بهم معه، فإن كانت لك بمصر حاجة فأمدّني بالأموال والرجال.
-
فكتب إليه يأمره بالتحرز والاحتراس، وإذكاء العيون وجمع شيعته إليه، وأن يندب كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف السكوني - وهو الذي ضرب عثمان بن عفان بعمود على رأسه - إلى عدوه، ويعلمه انه باعث إليه بالرجال على كل صعب وذلول، فإن الله قد يعزّ أقل الفئتين بالحق، ويذل أكثرهما بالباطل.
-
وخطب عليّ أهل الكوفة ودعاهم إلى إغاثة محمد بن أبي بكر ومن معه من أهل مصر، فتقاعدوا ثم انتدب منهم جنيد أنفذهم إلى مصر؛ مع كعب بن مالك الهمداني، فلم يبلغوا حتى أتى عليا مقتل محمد بن أبي بكر، فردهم من بعض الطريق وخطب فقال:
«الحمد لله الذي ابتلاني بمن لا يطيعني إذا أمرت، ولا يجيبني إذا دعوت» . في كلام له.
-
وكتب معاوية إلى محمد ابن أبي بكر كتابا يأمره فيه بالتنّحي والاعتزال. وشخص عمرو بن العاص من قبل معاوية في ستة آلاف ضمهم إليه، فلما دنا من مصر؛ كتب إلى ابن أبي بكر: «ان تنح عني بدمك فإني أكره أن يصيبك مني ظفر، وقد صحّ عندي ووضح لي أن أهل البلد قد شنأوك ورفضوا رأيك وندموا على اتباعك» . فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية وعمرو جواب كتابيهما بالتكذيب لهما فيما ادعيا لو ترك إجابتهما إلى ما أرادا، وعزم على لقاء عمرو، فقدم كنانة بن بشر - وهو التجيبي نسب إلى تجيب بنت ثوبان بن سليم من مذحج وهي أم ولد أشرس بن شبيب بن
vol. 4, p. 171السكون - وضمّ إليه زهاء ألفي رجل، وأتبعه في مثل أولئك، وورد عمرو فسرح الكتائب إليه كتيبة بعد كتيبة، وجعل كنانة يستقدم فلا يلقى كتيبة إلا صبر على قتالها فيمن معه، حتى جاء معاوية بن حديج بن جفنة بن قتير السكوني في الدهم فأحيط بكنانة ومن معه من خلفهم وأمامهم، فأصيبوا ونزل كنانة فجالد بسيفه حتى قتل، وأقبل الجيش نحو محمد بن أبي بكر فتفرق عنه أصحابه حتى بقي وما معه أحد، فلما رأى ذلك خرج متعجلا فمضى على الطريق حتى انتهى إلى خربة فآوى إليها، وجاء عمرو فدخل القصر، وخرج ابن حديج في طلب ابن أبي بكر، فانتهى إلى أعلاج من القبط على قارعة الطريق فسألهم هل مرّ بهم أحد ينكرونه ويستريبون به؟ فقال أحدهم: لا والله ولكني دخلت تلك الخربة فوجدت فيها رجلا جالسا فقال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة، فانطلقوا يركضون دوابهم حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا، فأقبلوا به نحو الفسطاط، ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو وكان معه فقال: أيقتل أخي صبرا؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عن قتله. فبعث إليه عمرو أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال: قتلتم كنانة بن بشر وهو ابن عمي وأخليّ عن محمد، هيهات هيهات.
-
واستسقي محمد ماء فقال له ابن حديج: منعتم عثمان أن يشرب حتى قتلتموه صائما فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك ظمآن حتى يلقاك الله بالحميم والغساق. فقال له: ليس هذا إليك لا أم لك، أما والله لو أن سيفي في يدي ما بلغتم بي هذا - وكان ألقى سيفه ليختلط بالناس فلا يعرف - فقال معاوية بن حديج: إني قاتلك بعثمان الخليفة المظلوم،
vol. 4, p. 172فقال محمد: إن عثمان عمل بالجور، وترك حكم الكتاب فنقمنا ذلك عليه، فقدمه فقتله وجعله في جوف حمار وحرقه بالنار.
-
فلما بلغ ذلك عائشة - رضي الله تعالى عنها - جزعت عليه، وقبضت عياله وولده إليها، ولم تأكل مذ ذاك شواءا حتى توفيت، ولم تعثر قط إلا قالت: تعس معاوية بن حديج.
-
وفي بعض رواية الواقدي: ان كنانة بن بشر قتل يوم الدار، وذلك باطل.
قالوا: وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان: «إنا لقينا محمد بن أبي بكر، وكنانة بن بشر وهما في جموع أهل مصر؛ فدعوناهم إلى الهدى والتنبه فغمطوا الحق، وتهوكوا في الضلال فجاهدناهم واستنصرنا الله عليهم، فضرب الله وجوههم وأدبارهم ومنحنا أكتافهم فقتل الله محمد بن أبي بكر؛ وكنانة بن بشر، وأماثل من كان معهما، والحمد لله رب العالمين.
-
والسّلام».
-
وبلغ عليا مقتل ابن أبي بكر؛ فخطب الناس فقال: «ألا إن محمد ابن أبي بكر رحمه الله قتل، وتغلب ابن النابغة - يعني عمرو بن العاص - على مصر، فعند الله نحتسب محمدا، فقد كان ممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء» . فتكلم بكلام كثير وبخ فيه أصحابه واستبطأهم وقال لهم:
«دعوتكم إلى غياث أصحابكم بمصر مذ بضع وخمسون ليلة فجرجرتم جرجرة البعير الأسرّ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في الجهاد ولا اكتساب الأجر في المعاد، ثم خرج إليه منكم جنيد ضعيف ﴿كَأَنَّما
vol. 4, p. 173يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (١) .
-
وقيل لعلي: لشدّ ما جزعت على ابن أبي بكر؟ ! فقال: «رحم الله محمدا انه كان غلاما حدثا، ولقد أردت تولية مصر، هاشم بن عتبة ولو وليّته إياها ما خلا لهم العرصة، بلا ذمّ لمحمد، فقد كان لي ربيبا وكان لبني أخي جعفر أخا، وكنت أعده ولدا» .
-
وكانت أم عبد الله بن جعفر أسماء بنت عميس فخلف عليها أبو بكر، ثم علي رضي الله تعالى عنهما، وكان محمد ربيب علي رضي الله تعالى عنهما.
-
وحدثني زهير بن حرب - أبو خيثمة - وأحمد بن إبراهيم الدورقي، قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه جرير بن حازم قال سمعت محمد بن سيرين قال: بعث علي قيس بن سعد بن عبادة أميرا على مصر، فكتب إليه معاوية وعمرو بن العاص كتابا أغلظا فيه وشتماه فكتب إليهما بكتاب لطيف قاربهما فيه، فكتبا إليه يذكران شرفه وفضله، فكتب إليهما بمثل جوابه كتابهما الأول، فقالا: إنا لا نطيق مكر قيس بن سعد، ولكنا نمكر به عند عليّ، فبعثا بكتابه الأول إلى علي فلما قرأه قال أهل الكوفة:
غدر والله قيس فاعزله. فقال عليّ: ويحكم أنا أعلم بقيس إنه والله ما غدر ولكنها إحدى فعلاته. قالوا: فإنا لا نرضى حتى تعزله. فعزله وبعث مكانه محمد بن أبي بكر، فلما قدم عليه قال: إن معاوية وعمرو سيمكران بك، فإذا كتبا إليك بكذا فاكتب بكذا، فإذا فعلا كذا فافعل كذا ولا تخالف ما آمرك به فإن خالفته قتلت.
قالوا: وكتب علي إلى عبد الله بن عباس بمقتل محمد بن أبي بكر