أمر العباس بن عبد المطلب بن هاشم وولده

69 paragraphs · vol. 5, p. 7

Page 2 of 2

  1. حدثني الحسين بن علي بن الأسود، حدثني يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين قال: أمر عمر بقلع الميازيب التي تصبّ في المسجد، فأتاه العباس فقال: أرأيت لو أتاك عم موسى عليه السلام مسلما ما كنت تصنع به؟ قال كنت أفعل به كذا، فذكر إعظاما وإجلالا واسعا، قال: فأنا عم محمد ﷺ ، قال: اذهب فاصنع ما شئت.

    vol. 5, p. 19
  2. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن عكرمة، أن العباس كان يأمره فتوضع مائدته في السفر فيأكل من حضره ومن مرّ به ثم يلقي فضلها للطير والسباع.

  3. حدثني عبد الله بن صالح عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن ابن المسيب قال: لقد جاء الاسلام وان

    vol. 5, p. 20جفنة العباس لتدور على فقراء بني هاشم وإنّ سوطه وقدّه معه لسفهائهم، يطعم الجائع ويؤدّب السفيه، وقال الزهري: هذا والله السّؤدد.

    قال إبراهيم بن علي بن هرمة:

    وكانت لعباس ثلاث يعدّها … اذا ما شتاء الناس أصبح اشهبا

    فسلسلة تنهى الظلوم وجفنة … تباح فيكسوها السنام المرعّبا

    وحلّة عصب ما تزال معدة … لعار ضريك ثوبه قد تهبّبا (١)

  4. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن رجل من أهل المدينة قال: كنت عند الحسين بن علي فأتاه رجل فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من عند عبد الله بن عباس فأطعم طعامه وأيطب كلامه، فقال الحسين: إن أباه كان سيد قريش غير مدافع، وإن رسول الله ﷺ قال: «يا بني هاشم أطعموا الطعام وأيطبوا الكلام» ، فأخذها والله العباس وولده.

  5. حدثني أبو حسان الزيادي، حدثنا موسى بن داود عن الحكم بن المنذر عن عمر النخعي عن أبي جعفر قال: أقبل العباس بن عبد المطلب وعليه حلّة وهو أبيض له ضفيرتان، فلما رآه النبي ﷺ تبسّم، فقال له:

    يا رسول الله ممّ تبسّمت؟ قال: «من جمالك يا عم» ، قال: وما الجمال في الرجل بأبي أنت وأمي قال: «اللسان» . قال أبو جعفر، يقول: أعجب من بيانك ولسنك (٢) .

  6. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك العير فإنه ليس بينك وبينها كبير شيء، فناداه العباس: انها لا تصلح لك، فقال رسول الله ﷺ : «ولم؟» قال: لأن الله وعدك احدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك. قال أحمد بن ابراهيم: وفي حديث آخر مثله، فقال رسول الله: «صدق عمي» .

    vol. 5, p. 21
  7. وحدثني أحمد بن ابراهيم، حدثنا ابو داود الطيالسي عن شعبة عن عمرو بن مرة عن ذكوان عن صهيب مولى العباس قال: أرسلني العباس إلى عثمان بن عفان أدعوه، فأتيته وهو يغدّي الناس، فلما فرغ أتاه فقال: افلح الوجه يا أبا الفضل، فقال: ووجهك يا أمير المؤمنين، ثم قال عثمان: أتاني رسولك وأنا أغدّي الناس فما زدت حين غدّيتهم على أن أتيتك، وذكر كلاما.

  8. حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع ولا أعلمه ألاّ عن ابن عمر، أن العباس استأذن رسول الله ﷺ في المبيت بمكة ليالي منى فأذن له.

  9. حدثني بعض أصحابنا عن الزبير بن بكار عن ساعدة بن عبيد الله عن داود بن عطاء عن موسى بن عبيدة الرّبذي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، ان النبي ﷺ قال: «اللهم إن عمي العباس حاطني بمكة من أهل الشرك وأخذ لي البيعة على الأنصار ونصرني في الاسلام، اللهم فاحفظه وحطه واحفظ ذريته من كل مكروه» .

  10. وحدثني هشام بن عمّار قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: قرئ علينا كتاب أبي جعفر أمير المؤمنين يذكر فيه سابقة جده العباس فقال فيه:

    ومن ذلك أنه جهز في جيش العسرة بثمانين ألف درهم.

    vol. 5, p. 22
  11. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله، أن غلاما للعباس بن عبد المطلب يقال له كلاب قدم على رسول الله ﷺ المدينة بألطاف بعث بها إليه عمّه العباس، وكان رسول الله ﷺ قد شكا القيام على رجليه، وكان كلاب نجارا مجيدا، فأمره فعمل له منبره من أثل (١) الغابة درجتين ومقعدا وذلك قبل فتح مكة.

  12. وحدثنا وهب بن بقيّة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبي النضر قال: لما كثر المسلمون على عهد عمر ضاق بهم المسجد، فاشترى عمر ما حوله من الدور إلاّ دار العباس وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل إن المسجد قد ضاق وقد ابتعت ما حوله من المنازل لأوسّع بها على المسلمين مسجدهم إلاّ دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فإما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال، وإما أن أخطك خطة حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تتصدق بها على المسلمين فتوسّع بها مسجدهم، فقال العباس: لا ولا واحدة منها، فقال عمر:

    أنت أعلم، اذهب فلن أعرض لك في دارك، قال العباس: أما إذا قلت هذا فإني قد تصدّقت بها على المسلمين، فخطّ له عمر داره التي هي له اليوم، وبناها من مال المسلمين.

  13. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن دحية بن خليفة الكلبي قال: أهديت إلى النبي ﷺ زبيبا وتينا من الشام فقال: «اللهم أدخل عليّ أحبّ أهلي إليك» ، فدخل العباس فقال: «ها هنا يا عمّ، دونك فكل» .

    vol. 5, p. 23
  14. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما صار أمر السقاية والرفادة لبني عبد مناف بن قصي اقترعوا فخرج سهم هاشم فولي ذلك وقام به، فلما مات هاشم بغزّة قام بأمر السقاية والرفادة بعده بوصية منه المطلب بن عبد مناف أخوه، ثم لما مات المطلب قام بذلك عبد المطلب بن هاشم ثم ابنه الزبير بن عبد المطلب بن عبد مناف ثم أبو طالب بن عبد المطلب؛ ثم إن أبا طالب أمعر (١) واختلّت حاله فعجز عن القيام بأمر السقاية والرفادة فاستسلف من أخيه العباس بن عبد المطلب للنفقة على ذلك عشرة آلاف درهم، فلما كان العام المقبل سأله سلف خمسة عشر ألف درهم، أو قال اربعة عشر ألف درهم، فقال له العباس: انك لن تقضيني ما لي عليك فأنا أعطيك ما سألت على أنك إن لم تؤدّ إليّ مالي كله في قابل فأمر هذه المكرمة من السقاية والرفادة إليّ دونك والمال لك، فأجابه إلى ذلك، فلما كان الموسم من العام المقبل ازداد أبو طالب عجزا وضعفا لقلة ذات يده فلم تمكنه النفقة ولم يقض العباس ماله، فصارت السقاية والرفادة إليه، وكان للعباس كرم بالطائف يؤتى بزبيبه فينبذ في السقاية، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة أخذ مفتاح الكعبة وهمّ بدفعه إلى العباس، فنزلت

    vol. 5, p. 24﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (١) فأقرّ السقاية والرّفادة في يد العباس وأقرّ الحجابة في يد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وقال رسول الله ﷺ حين فتح مكة: «ألا إني قد وضعت كل مأثرة ومكرمة كانت في الجاهلية تحت قدمي إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاج» .

  15. وحدثني علي الأثرم عن أبي عبيدة قال: قام العباس بالسقاية والرفادة، ثم قام بذلك عبد الله بن عباس ثم علي بن عبد الله ثم محمد بن علي ثم داود بن علي، ثم سليمان بن علي، ثم عيسى بن علي، فلما استخلف أمير المؤمنين أبو جعفر قال: انكم تقلدون هذا الامر مواليكم فموالي أمير المؤمنين أحقّ بالقيام به، فولّى السقاية ونفقات البيت مولى له يقال له زربى، وجعلت الرفادة من بيت المال.

  16. المدائني عن ابن جعدبة قال: دخل عثمان بن عفان على العباس رضي الله تعالى عنهما، وكان العباس خال أمه أروى بنت كريز فقال: يا خال أوصني، فقال: أوصيك بسلامة القلب، وترك مصانعة الرجال في الحق، وحفظ اللسان، فإنك متى تفعل ذلك ترض ربك وتصلح لك رعيتك.

  17. المدائني عن ابن جعدبة عن محمد بن علي بن عبد الله، أن العباس قال لعبد الله بن العباس: يا بنيّ إن الله قد بلّغك شرف الدنيا فاطلب شرف الآخرة، واملك هواك واحرز لسانك إلاّ مما لك.

  18. حدثني عمر بن حماد بن أبي حنيفة عن محمد بن الفضيل بن غزوان عن زكريا بن عطية عن أبيه قال: أخذ كعب الأحبار بيد العباس وقال: اختبئها لي عندك للشفاعة، فقال: وهل لي شفاعة؟ قال: نعم ليس أحد من أفاضل أهل النبي يسلم إلاّ كانت له شفاعة.

    vol. 5, p. 25
  19. حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، حدثنا يحيى بن آدم عن أبي أسامة وعبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عروة بن الزبير قال: أخذ العباس بيد رسول الله ﷺ حين وافاه السبعون من الأنصار بالعقبة فجعل يأخذ لرسول الله البيعة ويعتقدها عليهم ويشترط له، قال عروة: وذلك في غرّة الاسلام وأوله وليس يعبد الله علانية.

  20. حدثني علي بن حماد بن كثير، حدثنا الحزامي عن محمد بن طلحة عن اسحاق بن إبراهيم الأنصاري عن أبيه قال: لما قدم صفوان بن أمية الجمحي على رسول الله ﷺ قال له: «على من نزلت يا أبا وهب» ؟ قال:

    على عمك العباس، قال: «نزلت على أشدّ قريش لقريش حبّا» .

  21. المدائني عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قريش رؤساء الناس وليس منهم أحد يدخل في أمر إلا دخل معه فيه طائفة، فلما طعن عمر أمر صهيبا أن يصلي بالناس ويطعمهم ثلاثة أيام حتى يجتمعوا على رجل من الستّة، فلما وضعت الموائد كفّ الناس عن الطعام، فقال العباس: أيها الناس إن رسول الله ﷺ قبض فأكلنا بعده وشربنا، وتوفي أبو بكر فأكلنا بعده وشربنا، وإنه لا بدّ من الأكل، فأكل وأكل الناس، قال: فعرفت قول عمر.

  22. ومن حديث الواقدي وغيره، إن الله فتح على نبيه ﷺ خيبر، وكان الحجاج بن علاط السّلمي قدم من غارة له يوم خيبر فأسلم وأستأذن رسول الله ﷺ في إتيان مكة ليأخذ مالا له هناك عند زوجته أم شيبة بنت عمير أخت مصعب بن عمير العبدري، فأذن له رسول الله ﷺ في ذلك، فقدم مكة وأهلها لا يعلمون بخبر خيبر ولا بإسلامه، فقال لقريش متقربا إليها: إن محمدا قد أسر ونكب أصحابه، فلما بلغ العباس ذلك اشتد عليه وغمّه فخرج مدلّها حتى لقي الحجاج في خلوة فسأله عن الخبر، فقال: اكتم عليّ فداك أبي وأمي جميع ما أقول لك ثلاثا حتى آخذ مالي عند زوجتي ثم أظهر الأمر، إني قد أسلمت وإن رسول الله قد ظفر، وجئتك وهو عروس بابنة ملك خيبر، فسرّي عنه؛ فلما مضت ثلاثة أيام وخرج الحجاج يريد رسول الله ﷺ ، غدا العباس على قريش وعليه حلّة خزّ مصبوغة وهو متعطّر فوقف على باب أم شيبة فقال: أين الحجاج؟ قالت: خرج يبتاع ممّا غنم أهل خيبر من محمد وأصحابه، فقال: ذاك والله الباطل، لقد خلص ماله، وإنك لا تحلّين له حتى تتبعي دينه، فقالت: صدقت والثواقب، ثم أتى قريشا فقالوا: ما هذا التجلد يا أبا الفضل؟ فأخبرهم الخبر فسيء بهم واكتأبوا وجعل بعضهم يصدّق وبعضهم يكذّب، حتى ورد عليهم الخبر بعد يومين أو ثلاثة أيام، وذلك في سنة سبع.

    vol. 5, p. 26
  23. حدثني الوليد بن صالح عن ابراهيم بن سعد عن محمد بن اسحاق بن يسار عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس.

  24. وعن محمد بن اسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت في منامها - قبل قدوم ضمضم بن عمرو

    vol. 5, p. 27الغفاري مكة برسالة أبي سفيان، حين استأجره وأرسله إلى قريش، يعلمها طلب رسول الله ﷺ العير التي قدم بها أبو سفيان من الشام ويأمرها بالخروج لمنعها والذبّ عنها بثلاثة أيام - كأنّ راكبا أقبل على بعيره حتى وقف بالأبطح ثم قال بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فمثل به بعيره فوق الكعبة ثم صرخ بمثل ذلك، ثم مثل به بعيره فوق أبي قبيس فصرخ بمثل ذلك، ثم أخذ صخره فأرسلها فأقبلت تهوي حتى ارفضّت فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته منها فلقة، فقال لها العباس: اكتمي رؤياك يا أخت، وخرج فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان له صديقا ونديما مع أبي سفيان بن حرب، فذكر له الرؤيا فأخبر بها الوليد أباه عتبة، ففشا الحديث حتى جعلت قريش تقول:

    امضوا بنا إلى الوليد بن عتبة نسأله عن رؤيا عمّه محمد، ولقي أبو جهل العباس فقال: يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النّبية! أما رضيتم ان يتنبأ رجالكم حتى تنبّت نساؤكم! والله لئن مضت ثلاثة أيام ولم يكن لهذه الرؤيا تأويل لنكتبنّ عليكم كتابا أنكم اكذب العرب. قال العباس:

    فانكرت الرؤيا، ثم لم يلبث ان جاء ضمضم وقد جدع أنف بعيره وحوّل رحله وشقّ قميصه وهو يقول: اللطيمة اللطيمة، أموالكم أموالكم، فقد عرض لها محمد، الغوث الغوث! فتجهز الناس سراعا، وخاف العباس على نفسه فخرج معهم ليوري بذلك عليهم، وأطعم مع المطعمين تجلدا، وأظهر انه داخل فيما دخلوا فيه لئلا يقال انه مسلم فيصيبوه بشرّ. وقالت عاتكة بعد بدر:

    vol. 5, p. 28ألم تكن الرؤيا بحقّ أتاكم … بتأويلها فلّ من القوم هارب

    أتى فأتاكم باليقين الذي رأى … بعينيه ما تفري السيوف القواضب

    فقلتم، ولم اكذب، كذبت وانّما … يكذّبني بالصدق من هو كاذب

    وسمعت أن العباس قال لأبي جهل، حين قال لنكتبن عليكم كتابا أنكم أكذب العرب: يا مصفّر استه، أنت أولى منّا بالكذب (١) .

  25. وأنشدني بعض قريش شعرا ذكر أنه قاله ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويقال غيره:

    يا قوم كيف رأيتم … تأويل رؤيا عاتكه

    قلتم لها يا آفكه … جهلا وما هي آفكه

    حتى بدا تأويلها … بكداء غير متاركه

    خصّت وعمّت معشرا … أرحامهم متشابكه

    هلكوا ببدر كلهم … فابكوا النفوس الهالكه

    قالوا: ولما كانت عمرة القضاء، وقدم رسول الله ﷺ مكة، زوّجه العباس ميمونة بنت الحارث اخت امرأته أمّ الفضل لبابة بنت الحارث.

  26. حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الله بن صالح المصري عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة قال: خرج العباس من مكة مجاهرا باسلامه فلقي النبي ﷺ بذي الحليفة وهو يريد مكة، فأمره أن يمضي ثقله إلى المدينة ويكون هو معه وقال: «هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوّتي آخر نبوة» .

  27. وقد روي أنه لقي النبي ﷺ بالسّقيا فلم يفارقه حتى دخل معه مكة ففتحها، ثم انصرف معه إلى المدينة. وكان العباس وهب رسول الله ﷺ غلامه أبا رافع، ورسول الله بمكة، فلمّا قدم على رسول الله ﷺ بشّر أبو رافع رسول الله بقدومه معلنا لإسلامه فأعتقه.

    vol. 5, p. 29
  28. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي السائب المخزومي عن أبيه قال: كان العباس أكرم قريش: له ثوب لعاريهم، وجفنة لجائعهم، ومقطرة لجاهلهم؛ وكان في الجاهلية نديما لأبي سفيان، فجاور رجل من بني سليم رجلا لم يحمد جواره، فقال له عباس بن مرداس السلمي:

    إن كان جارك لم تنفعك ذمّته … حتى سقيت بكاس الذلّ أنفاسا

    فأت القباب فكن من أهلها سددا … تلقى ابن حرب وتلقى المرء عباسا

    قرمي قريش وحلاّ في ذوائبها … بالمجد والحزم ما حازا وما ساسا

    ساقي الحجيج وهذا ما جد أنف … والمجد يورث أخماسا وأسداسا (١)

  29. وحدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أبي أبيض بضّا رجل الشعر (٢) ، حسن اللحية في رقة، تام القامة رحب الجبهة أهدب الأشفار، أو قال اوطف، أقنى الأنف عظيم العينين سهل الخدين بادنا جسيما، وكان قبل أن تكبر سنّه ذا ضفيرتين، وكفّ بصره قبل موته بخمس سنين، وقد كان خضب ثم ترك الخضاب.

    vol. 5, p. 30وقال الواقدي وغيره: توفي العباس في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وكان معتدل القناة، ودفن بالمدينة بالبقيع، وصلى عليه عثمان بن عفان، وكان يقول حين نشب الناس في أمر عثمان:

    اللهم اسبق بي أمرا لا أحبّ أن أدركه.

    قالوا: ونزل في حفرة العباس: علي بن أبي طالب، وعبد الله وعبيد الله ابنا العباس، والحسن والحسين ابنا علي، وقثم بن العباس، ويقال إن عثمان بن عفان نزل في قبره، وقال عبد الله بن العباس: لقد كنا محتاجين إلى نزول أكثر منّا لبدنه وعظمه.