وأما عبد الله بن عباس بن عبد المطلب فولد
137 paragraphs · vol. 5, p. 93
Page 2 of 4
- vol. 5, p. 114
وحدّثني سليمان، حدثنا الحجاج الرصافي عن أبيه، قال: كان هشام بن عبد الملك بالرصافة (١) قاعدا في منظرة له فرفع له ركب، فقال يا غلام: ائتني بخبر هؤلاء، فمضى بعض من كان بين يديه حتى تلقاهم فقال: من أنتم؟ قالوا: هذا محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأخوته، قال: فما أقدمكم؟ قالوا: قدمنا نشكو إلى أمير المؤمنين حالنا وديننا، فرجع إلى هشام فأخبره، فقال: ارجع فقل لمحمد ارجع من حيث جئت وانتظر أن يقضي دينك ودين أخوتك ابن الحارثية - يعني أبا العباس - فقال محمد بن علي: قل لأمير المؤمنين إن كان الأمر صائرا إلى ابن الحارثية فما عليك أن يكون لكم عنده يد، وإلاّ يكن ذلك فعلام تحرمنا فضلك وصلتك وعائدتك! فقال هشام للرسول: قل له ما قلت لك وازعجهم حتى يرجعوا عودهم على بدئهم، فقال محمد: دعونا لنريح فقد نصبنا وتعبنا، فابلغوا قولهم هشاما فأذن لهم فأراحوا، فلما جن عليهم الليل أتى محمدا بعض
vol. 5, p. 115جلساء هشام يعرض عليه مالا فلم يقبله، وسأله عن ابن الحارثية فأراه أبا العباس وهو صبي ثم رجع الى الشراة وقال: اللهم ان هذا بعينك.
قالوا: وكانت لمحمد بن علي بالحميمة خمسمائة شجرة، فكان يصلي تحت كل شجرة ركعتين، وتوفي محمّد في سنة أربع وعشرين ومائة.
- vol. 5, p. 117
[وأما داود بن علي]
-
فيكنى أبا سليمان، وكان لسنا خطيبا، ولي مكة والمدينة لأبي العباس، وأقطعه قطائع، وهو كان المتكلم يوم استخلف أبو العباس.
-
وكان داود في أيام بني أمية مع خالد بن عبد الله القسري، وكان خالد مكرما له، ولما قدم داود مكة واليا عليها قام خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
والله ما قمنا إلاّ لإحياء الكتاب والسنة والعمل بالحق والعدل، وربّ هذه البنية، ووضع يده على الكعبة، لا نهيج منكم أحدا إلاّ أن يحدث بعد يومه هذا حدثا، أمن الأسود والأبيض، ممّن لم يأت بعد هذا اليوم سوءا ولم يحاول لأمرنا نقضا ولا علينا بغيا، ما بال الوحوش والطير تأمن في حرم الله ويخاف من أمنّاه على سالف ما كان منه؟
-
حدّثني المدائني عن إسحاق بن عيسى بن علي قال: ولم يكن منّا من يرتجل الكلام ويبلغ حاجته في الخطب إلاّ المنصور، وداود بن علي، فلما رقي داود منبر الكوفة، حين ظهر أبو العباس بالكوفة وقام دونه على المنبر ليخطب، خفنا أن يتكلم بحلاوة لسانه وتصاريف لفظه ولطف حيلته فيدعو
vol. 5, p. 118إلى نفسه، وليس بوقت خلاف، فتكلم في بيعة أبي العباس وبلغ له ما كنا نريد.
-
وحدّثني أبو مسعود الكوفي، حدّثني أبو الحسن إسحاق بن عيسى قال: لما أراد أبو العباس قتل أبي سلمة الداعية لميله إلى آل أبي طالب قال له داود: لا تتولّ قتله فيحتجّ عليك أبو مسلم بذلك، ولكن اكتب اليه فليوجّه من يقتله، ففعل، فكان ذلك أصوب رأي، ومدحه ابن هرمة وفيه يقول:
داود داود لا تفلت حبائله … واشدد يديك بباقي الودّ وصّال (١)
-
في أبيات.
قالوا: ولما بلغ داود قتل ابن هبيرة وقتل مروان وهو بالحجاز التقط قوما من بني أميّة فقتلهم ببطن مرّ (٢) ، ووجّه [أبا] حماد إبراهيم بن حسان الأبرص إلى المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة وهو باليمامة فقتله، ويقال بل بعث به إليه من العراق، وتوفي داود بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائة فولي مكانه موسى بن داود ثم صرف، وولّى أبو العباس مكانه زياد بن عبيد الله الحارثي، وسيب بني داود ببغداد نسب إلى بني داود بن علي.
-
حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عياش، قال: قدم داود بن علي وزيد بن علي، ومحمد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب على خالد القسري وهو بالعراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فلما ولي يوسف بن عمر كتب إلى هشام بخبرهم، وكتب يذكر أن خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف درهم، ثم ردّ الأرض عليه. فكتب هشام إلى عامله
vol. 5, p. 119بالمدينة أن يشخصهم إليه ففعل، فسألهم هشام عما كتب به يوسف فأقروا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك، وأنكر زيد أمر الأرض، وحلفوا فصدّقهم، وقال هشام لداود، أنت أصدق من ابن النصرانية (١) فصر إلى يوسف فأكذبه في وجهه، قال ابن هرمة في شعر له يمدح داود:
اروع لا يخلف العدات ولا … يمنع منه نواله العلل
لكنّه سابغ عطيّته … يدرك منه السؤّال ما سألوا
يسبق بالفعل ظنّ صاحبه … ويذهب الرّيث عرفه العجل
حلّ من المجد والمكارم في … في خير محلّ يحله رجل (٢)
- vol. 5, p. 121
[وأما عيسى بن علي]
-
ويكنى أبا العباس، فإن أمير المؤمنين أبا العباس ولاه فارس، فلما قدمها وجد بها محمد بن الأشعث الخزاعي من قبل أبي مسلم، وجّهه من خراسان، فلم يسلّمها وأراد قتله: ثم أحلفه أن لا يلي عملا أبدا، ولا يتقلد سيفا، إلا لغزو، وكان عيسى أثيرا عند أبي العباس وأبي جعفر، ونهر عيسى وقطيعة عيسى ببغداد عند فرضة الرّكاب إلى واسط والبصرة ينسبان إليه، وقصر عيسى معروف، وفيه توفي إسحاق بن عيسى، ثم نزلته أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور، ثم صار بعدها لولد أمير المؤمنين المأمون.
-
سمعت إبراهيم بن السندي بن شاهك يحدث عن أبيه، قال: ولأني المنصور الشرقيّة ببغداد فمر بي عيسى بن علي، فقمت إليه فقبّلت يده، فقال: يا سندي أقلل الضرب وأطل الحبس، وأهن السبال في الشفاعات، ففعلت ما أمرني به، فكنت محمودا عند المنصور (١) .
- vol. 5, p. 123
[وأما سليمان بن علي]
-
ويكنى أبا أيوب، فإنه كان مقدّما عند أبي العباس وأبي جعفر، وولي البصرة وكور دجلة والأهواز والبحرين وعمان للمنصور بعد أبي العباس، وكان كريما جوادا مرّ برجل قد حمل عشر ديات، فهو يسأل فيها فأمر له بها كلها، وسمع وهو في سطح له نسوة كنّ يغزلن في سطح لهنّ بقربه يقلن ليت الأمير اطلع علينا فأغنانا، فقام فجعل يدور في قصره فجمع حليا من ذهب وفضة وجوهر وصير ذلك في منديل، ثم أمر فالقي إليهن فماتت إحداهن فرحا، ويقال إنه أخبر بقول النسوة ففعل ذلك.
-
وكانت له بالبصرة آثار جميلة، كان الناس بها يستعذبون الماء من الأبلة حتى قدم سليمان بن علي فاتخذ المغيثة وضرب مسناتها على البطيحة وسكّر القندل (١) فعذب ماء أهل البصرة، وأنفق على المغيثة ألف ألف درهم حتى استخرجها من بطن البطيحة، وبنى مساجد كثيرة فقال الشاعر:
vol. 5, p. 124كم من يتيم ومسكين وأرملة … جبرته بعد فقر يا سليمان
ومسجد خرب لله تعمره … فيه كهول وأشياخ وشبّان
واحتفر الحوض الذي في رحبة بني هاشم، واتخذ منارا بين البصرة ومكة، فقال الراجز:
إن الأمير قد بنى المنارا … واضحة يهدي بها السفارا
وجرى وادي العقيق بالبصرة فأخرب دورا من دور العتيك، فدفع إلى جرير بن حازم مائة ألف درهم، فعمر بها ما خرب من دورهم.
-
وكتب عبد الله بن حسن بن حسن بن علي إلى سليمان يستميحه، فأرسل إليه بألف دينار وأمر كاتبه غسّان بن عبد الحميد أن يكتب إليه فيعلمه أنّ البقيا عليه وعلى نفسه منعته من أن يزيده.
وقال سفيان بن عيينة: كلّم سليمان في أهل عسقلان فأمر لهم بثلاثين ألفا، فيقال إنه سليمان بن علي ويقال إنه سليمان بن عبد الملك.
-
وقدم سليمان بن علي واليا على البصرة والحجاج بن أرطاة يلي قضاءها فعزله، وولّى عباد بن منصور، ثم عزله وولّى سوّار بن عبد الله فاستعفى فأعفاه وأعاد عبادا وفيه يقول الشاعر:
ألا أيها القاضي … الذي الجور له عاده
أعادوك لكي تقضي … لمعروف بحمّاده
وكان سليمان أول من قدّم الصّلاة قبل الخطبة في العيد من عمّال أبي العباس فضجّ الناس وقالوا: ذهبت السنّة.
قالوا: وكان سليمان حليما رفيقا لم يعرض لمن كان بالبصرة من بني أميّة فلم يسلموا في بلد سلامتهم بالبصرة، وكتب أبو العباس إلى سليمان بن
vol. 5, p. 125علي في قبض أموال بني زياد بن أبي سفيان، فأرسل إلى مسلمة بن محارب بن سلم بن زياد وغيره: إن أمير المؤمنين كتب إليّ في قبض كل خضراء وبيضاء لكم، فإني [إن] كتبت أني لم أجد لكم خضراء ولا بيضاء لم آمن أن يأتيكم من يقبض ذلك، فإن احببتم فحدّوا لي من أموالكم شيئا ظاهرا أقطع به عنّي قالته وسوء ظنه، فحدّوا له ثماني مائة جريب أظهروها فقبضها، ولما صار عبد الله بن علي إلى سليمان رأى رجلا على بغل أو برذون فاره وله سرج نظيف، ولجامه محلّى، فقال: من هذا؟ قال له سليمان: هذا سلم بن حرب بن زياد، فقال: أو قد بقي من آل زياد مثل هذا؟ فقال سليمان:
نعم لم أجد إليهم سبيلا، منعني منهم الحق، قال: اما والله لئن بقيت لهم لأبيدنّهم، فبلغ ذلك سلما فهرب عن البصرة فلم يدخلها حتى شخص بعبد الله عنها.
قالوا: وقدم الحكم، ومحمد، وعمر بنو الصلت بن يوسف بن عمر البصرة فنزلوا في بني سعد مستخفين، فظهرت لهم هيئة في لباسهم ومطعمهم، فحسدهم بعض جيرانهم أصحاب الدار التي نزلوها فسعوا بهم إلى سليمان بن علي، فأرسل إليهم من أتاه بهم في ستر، فقال: من أنتم؟ فانتسبوا له، فقال: يا بني اخي كان ينبغي لكم إذ اخترتم هذه الناحية أن تستخفوا في الزطّ والأندغار، وإلا ففي عبد القيس أو بني راسب، ثم أطلقهم.
-
حدّثني عمر بن شبّة عن محمد بن عبيد بن عمر، وأخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال: قال لي عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان: جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن منتشر الاموال، فكنت
vol. 5, p. 126لا أكون في قبيلة إلا شهر أمري، فلما رأيت ذلك عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي؛ قال: فأرسل إليّ أن القني على باب الأمير سليمان بن علي، فانتهيت اليه فاذا عليه طيلسان مطبق جديد وسراويل وشي مسدولة، فقلت: يا سبحان الله ما تصنع الحداثة، أهذا لبس هذا اليوم؟ فقال:
لا ولكنه ليس عندي ثوب إلا وهو أشهر ممّا ترى، قال: فأعطيته طيلساني وأخذت طيلسانه وشمرت سراويله إلى ركبتيه، قال فدخل على سليمان ثم خرج مسرورا، فقلت له: حدثني بما جرى، فقال: دخلت على أكرم الناس وأحلمهم وأنبلهم، فلما وصلت اليه ولم يرني قط قلت: أصلح الله الامير لفظتني البلاد إليك، ودلّني فضلك عليك فإمّا قبلتني غانما أو رددتني سالما، قال: ومن أنت؟ فانتسبت له، فقال: مرحبا بك، اقعد فتكلّم آمنا، ثم أقبل علي فقال: حاجتك يا بن اخي، قلت: إن الحرم اللائي أنت أقرب الناس إليهن معنا وأنت أولى الناس بهن بعدنا، وقد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه. قال: فبكى ثم قال: يا بن أخي يحقن الله دمك ويحفظك في حرمك، ويوفر عليك مالك، ولو أمكنني ذلك في جميع أهلك لفعلت، فكن متواريا كظاهر ولتأتني رقاعك في حوائجك وأمورك، قال: فكنت والله أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه وعمّه.
قال: فلما فرغ من حديثه رددت عليه طيلسانه، فقال: مهلا فإن ثيابنا إن فارقتنا لم ترجع إلينا.
وقال عبد الله بن علي لسليمان: اخرج بنا إلى بعض المتنزهات، فخرجا ومعهما حميد الطويل، فمّرا بمنزل عطاء السليمي فدخلوا عليه فلم يزل يعظهم حتى بكى سليمان وأمر بما حمل معه من الطعام أن يتصدق به على
vol. 5, p. 127فقراء الخريبة، وانصرف، فجعل عبد الله بن علي يقول: ما لنا ولعطاء السّليمي.
-
وحدثت أن سليمان بن علي أعتق خلقا، كان يعتق في كل عشية عرفة مائة نسمة، فهم متفرقون بالبصرة، فإذا كانت كتب لعطاء: اكتبوا في الموالي، وكانوا يشترون له في سائر السنة فإذا كان ذلك اليوم أعتقهم، ويقال إنه أنفق في الموسم في صلات قريش والأنصار وسائر الناس في الصّدقات خمسة آلاف ألف درهم، ويقال ألف ألف درهم. وتوفي في سنة أثنتين وأربعين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة وصلى عليه عبد الصمد بن علي.
وقال أبو نخيلة (١) في سليمان بن علي:
جاورت بالبصرة قرما ماجدا … أمسى لسادات الرجال سائدا
بنو علي فرّجوا الشدائدا … أكرم بهم وبعليّ والدا
يا خير خلق مقدما وصافدا
في أبيات. وقال أبو القوافي الاعرابي يمدح سليمان في أرجوزة طويلة:
يطلبن بالمدح عجالا شرّبا … جدوى سليمان فلا مستجدبا
خير قريش من قريش منصبا … وخيرها خالا وعمّا وأبا
وخير ذي قربى لمن تقربا
ومدحه رؤبه وغيره.
قالوا: وكان المنصور جعل لسليمان جميع ما يجتبي من عمله، فكان يقسم في السنة أموالا عظاما.
- vol. 5, p. 128
فولد سليمان بن علي: جعفرا، ومحمدا، وابراهيم، وهارون، وموسى، وعليّا، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم، وعيسى، وعبد الله، واسحاق، لأمهات شتى. وكان له بنات منهن: عائشة بنت سليمان تزوجها عبد الوهاب بن إبراهيم الامام، ومنهن زينب بنت سليمان تزوجها محمد بن إبراهيم الامام. وكان جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي لأم الحسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وولي عبد الرحمن بن سليمان - ويكنى أبا الفضل - للرشيد السّند. وولي عبد الله بن سليمان - ويكنى ابا العباس - للمهدي اليمن، وفيه يقول الشاعر:
قل لعبد الله يا حلف الندى … وربيع الناس في قحط الزمن
أشرقت بغداد لما جئتها … واقشعّرت حزنا أرض اليمن
وولي إسحاق بن سليمان - ويكنى ابا يعقوب - المدينة، والبصرة، والسّند، ومصر لهارون الرشيد، وولي حمص، وأرمينية لمحمد بن الرشيد.
-
وأمّا محمد بن سليمان - ويكنى أبا عبد الله - فإنه ولي الكوفة والبصرة لأبي جعفر المنصور، وكان عليها قبله سلم بن قتيبة، فكتب إليه في هدم دور من خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، فكتب إليه يسأله الصّفح عنهم، فقال: لو كتبت اليه في شربة ماء لراجعني، فعزله وولّى محمدا مكانه. ثم ولي: البصرة، وكور دجلة، وفارس، والأهواز، واليمامة، وعمان والبحرين للمهدي، ولموسى، وهارون ومات وهو ابن احدى وخمسين سنة.
vol. 5, p. 129قال عبد الله بن صالح المقرئ: ولي محمد بن سليمان الكوفة لأبي جعفر فولى شرطته المساور بن سوّار الجرميّ، واستخلف المساور زهدما، فقال الشاعر:
قل للمساور إن زهدم جائر … فخف الاله وأعفنا من زهدم
ما أن يبالي ويحه من لامه … من خلق ربك كلهم في الدرهم
وحدّثني أبو محمد التوزي النحوي، حدّثني أبو عبيدة عن أبي سفيان بن العلاء قال: كنا بالكوفة مع محمد بن سليمان، فسأل عن إبراهيم النخعي أعربيّ هو أم مولى؟ فاختلفوا عليه فيه، فأرسل إلى عرفاء النخع فأتوه بديوانهم فوجد في الديوان مولى.
وقال التوزي: وقد سألت ابن الكلبي عنه فقال: هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، ويكنى أبا عمران وكان أعور.
-
وحدّثني عبد الله بن صالح العجلي عن أبي زبيد عبثر قال: ولّى أبو جعفر محمد بن سليمان بن علي الكوفة بمشورة عيسى بن علي، فشهدت جماعة من أهل السوق على عبد الكريم بن نويره - وهو ابن أبي العوجاء الذهلي - أنه رأى عدلا قد كتب عليه صاحبه آية الكرسي فقال له: لم كتبت هذا؟ قال:
لئلا يسرق، فقال عبد الكريم: فقد رأينا مصحفا سرق، وشهد عليه انه صلى فقيل له: أنت لا تؤمن بما جاء به فلم تصلي؟ فقال: هي عادة الجسد (١) ، وسنة البلد، وإرضاء الأهل والولد. فأمر بحبسه، فكلم فيه
vol. 5, p. 130فقال: أذكرتموني أمره ودعا به فضرب عنقه، قال عبثر: فزعموا أنه لما أيقن بالقتل قال: لئن قتلتموني لقد وضعت في احاديثكم أربعة آلاف حديث.
قال عبد الله بن صالح: وأنكر المنصور على محمد بن سليمان قتله ابن أبي العوجاء من غير مؤامرة له وقال: أيقتل رجل من العرب بغير علمي، وأغضبه ذلك. وكان معن بن زائدة يشكو فعل محمد بن سليمان إلى المنصور ويقول: قتل رجلا بريئا مما قرف به، وإنما قتله لأنه قال: انا تلميذ الحسن، فقال: «تلميذ» من قول الزنادقة. وبعث المنصور إلى عيسى بن علي فقال له: أيقتل محمد بن سليمان رجلا بشهادة قوم رعاع لا يدرى من هم؟ لقد هممت أن أقيده به، فقال له عيسى: إن محمدا قتله على زندقة هو ينسب إليها، فإن كان قتله صوابا فهو لك وإن كان خطأ فهو على محمد، والله لئن عذلت محمدا على ما صنع ليذهبن بالثناء والذكر ولترجعنّ القالة من العامة عليك، وقد كان المنصور أمر بعزل محمد وكتبت الكتب، فدعا بها فمزقت، وقال لعيسى: أغررتني من هذا الغلام.
وقال أبو اليقظان: أتى أبو الزحف بن عطاء بن الخطفي محمد بن سليمان فأمره أن ينشده وهو سكران فقال:
يا بن سليمان أقلني عثرتي … يا بن الملوك وأسغني ربقتي
حتى تجلّي عن فؤادي غمتي … ثم اجمع الرّجاز عند صولتي
كل فزاريّ دهين اللمّة … أبو بدويّ ودع ذي ثلّة
وحدّثت، أن جعفر بن سليمان بن علي ولي المدينة بعد قتل محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وكان أبو بكر بن أبي سبرة، وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي سبرة بن أبي رهم، أحد بني عامر بن
vol. 5, p. 131لؤي، الفقيه، عاملا على الصدقات من قبل عامل المنصور، فلما خرج محمد بن عبد الله أتاه بما اجتمع عنده من المال فقواه به، فحبسه عيسى بن موسى بن محمد بن علي حين قتل محمدا، وخرج سودان بالمدينة وعليهم رجل منهم يقال له اويتوا فكسروا باب السجن وأخرجوه فيمن اخرجوا، وأرادوا فك حديده فأبى وعاد إلى محبسه. وقيل له حين أخرج: صلّ بالناس، فقال: كيف يصلي بالناس أسير؟ ! وبلغ ذلك أبا جعفر المنصور فرضي عنه وأوصى به جعفرا وقال: أطلقه وارفعه فقد أحسن بعد أن أساء، ولعله فعل ما فعل ابقاء على نفسه وحقنا لدمه، فلما قدم جعفر المدينة أخرج ابن أبي سبرة وأطلقه وبره وأكرمه، فقال له: أصلح الله الأمير إن حالي مختلة وديني كثير لما نالني، وبيني وبين معن بن زائدة مودّة فاكتب لي إليه بالوصاة والصّلة. فإنه إذا قرأ كتابك بذلك لم يستوحش مني، فكتب له بما سأل.
-
فلقي الراتجي (١) فدعاه إلى الخروج معه وأعطاه دنانير خلفها نفقة لعياله، وسار إلى مكة فاعتمرا، ثم مضيا جميعا إلى اليمن، فقال معن لابن أبي سبرة: إن جعفرا أقدر على صلتك مني، وكيف قدمت عليّ وقد عرفت ما كان منك ومن غضب أمير المؤمنين عليك؟! فأخبره خبره وحلف له على رضى المنصور عنه؛ فقال له: كم دينك؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بسبعة آلاف دينار وقال: إني إنما كلمتك بما كلمتك به على رؤوس الناس وما كنت لأخيّبك ولو استمحتني وأنت في محبسك لوصلتك، وأخبره بخبر الراتجي، فلما راح إلى معن أدخله معه، فأنشد الراتجي معنا:
vol. 5, p. 132الراتجي يقول في مدح … لأبي الوليد أخي الندى الغمر
ملك بصنعاء الملوك له … ما بين بيت الله والشحر
لو جاودته الريح مرسلة … لجرى بجود فوق ما تجري
حملت به أم مباركة … فكأنها بالحمل لم تدري
فقال معن: فكان ويحك ماذا؟ قال:
حتى إذا ما تمّ تاسعها … ولدته أوّل ليلة القدر
فقال معن: ثم ماذا ويحك؟ قال:
وأتت به بيضا أسرّته … يرجى لحمل نوائب الدهر
مسح القوابل وجهه فبدا … كالبدر أو أبه من البدر
فنذرن حين رأين غرته … إن عاش أن سيفين بالنّذر
لله صوما شكر نعمته … والله أهل الحمد والشكر
قال معن: ويحك ثم ماذا؟ قال:
فأتى بحمد الله حين أتى … حسن المروءة باقي الذكر
حتى إذا ما طر شاربه … خشع الملوك لسيد قهر
فإذا وهى ثغر يقال له … يا معن أنت سداد ذا الثغر
فأمر له بألف دينار فأخذها وانصرف مع ابن أبي سبرة، فأعطاه ابن أبي سبرة ألف دينار أخرى.
-
حدثني بكر بن الهيثم، قال: سمعت عبد الرزاق يحدث، قال: قدم ابن أبي سبرة على معن فأعطاه وكساه، فقال ابن أبي سبرة: إن الله جعل من عباده معادن الخير، ومعن بن زائدة من أفضلهم، وبلغ المنصور خبر ابن أبي سبرة، فكتب إلى جعفر بن سليمان: ما حملك على أن أذنت لابن أبي سبرة
vol. 5, p. 133في الشخوص إلى اليمن، واستوصلت له معنا؟ فكتب إليه: أوصيتني به وقلت أطلقه وأرفقه، فكان عندي من الاستيصاء به وارفاقه أن كتبت له إلى معن، فكتب إلى معن: ما حملك على ما صنعت بابن أبي سبرة؟ فكتب إليه: إن جعفر بن سليمان كتب إليّ برضى أمير المؤمنين عنه واستماحني له، فظننت أنه لم يكن ليفعل ذلك إلاّ بأمر أمير المؤمنين.
-
ومدح إبراهيم بن علي بن هرمة جعفر بن سليمان بأبيات يقول فيها:
إذا هاشم قادت لفخر جيادها … أتوه فقادوه أغرّ محجّلا
فاحرز غايات الرهان ونحتها … مريحا بأدنى شأوه متمهّلا
إذا كسد الجود الربيح بسوقه … أتى جعفر فابتاعه ثم أجزلا
أرى جعفرا والله جار لجعفر … يجوّد في كسب العلا ويعمّلا
وقال فيه أيضا:
وإن أمير المؤمنين برأفة … علينا وخصيصاه أمّر جعفرا
وثقنا بخير منك لا شرّ بعده … فأسهل منّا آمنا من توعّرا (١)
-
في أبيات، ومدحه شعرا فأعطاه. وقال فيه ابن المولى:
أوحشت الجمّاء (٢) … من جعفر
وطال ما كانت به تعمر
كم صارخ يدعو وذي كربة … يا جعفر الخيرات يا جعفر
vol. 5, p. 135[وأما صالح بن علي]
-
ويكنى أبا الفضل، فهو المتوجه إلى مصر لمحاربة مروان بن محمد وعلى مقدمته عامر بن اسماعيل المسلي، فقتل مروان وفتح مصر، ولم يحل عن طاعة أبي العباس، ولا مال إلى عبد الله بن علي، وقدم معه ابن لهيعة والليث بن سعد. وكان قد أخذ خصيّا لمروان فدلهم على البرد والقعب والمخضب والقضيب. ويقال: ان البرد لم يكن فيما دلّ عليه.
-
وحدثني عبيد الله بن عبد العزيز من ولد صالح بن علي قال: لما أتي صالح برأس مروان وأمر بأن ينتف وينفض انقطع لسانه فتناوله هر، فقال صالح: ماذا ترينا الأيّام من العجائب، هذا لسان مروان في فم هرّ! وقال الشاعر:
قد فتّح الله مصرا عنوة لكم … وأهلك الفاجر الجعديّ إذ ظلما
فلاك مقوله هرّ يجرّره … وكان ربّك من ذي الكفر منتقما
وإنما قيل لمروان «الجعديّ» لأنه نسب إلى الجعد بن درهم معلّمه وأليفه، والجعد بن درهم مولى لسويد بن غفلة الجعفي، ويقال، إنه مولى
vol. 5, p. 136لآل مروان، وكان زنديقا أو دهريا فقيل لهشام بن عبد الملك: ان الجعد كافر، وشهد عليه أن ميمون بن مهران وعظه فقال: لشاة قياد أحبّ إلي مما تدين به، فقال له: قتلك الله وهو قاتلك.
-
ويقال إن ميمون بن مهران شهد عليه، فطلبه فهرب إلى حران، ثم إنه ظفر به فحمل إلى هشام فأخرجه من الشام والجزيرة إلى العراق، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري يأمره بحبسه، فلم يزل محبوسا حينا ثم رفعت امرأته إلى هشام قصة في أمره، فقال هشام: أو حيّ هو؟ قالوا: نعم، فكتب إلى خالد يلومه على حبسه ويعزم عليه أن يقتله، فقال خالد في يوم أضحى بعد فراغه من خطبته: أيها الناس انصرفوا إلى أضاحيكم فاني مضحّ بعدوّ الله الجعد بن درهم، فلما انصرفوا قتله، فيقال انه ذبحه ويقال انه ضرب عنقه. وقوم يزعمون ان الجعد كان يقول بقول غيلان (١) وقد كذبوا.
- vol. 5, p. 137
[وأما اسماعيل بن علي]
-
ويكنى أبا الحسن، فولاه المنصور فارس والبصرة وكسكر، ولما توفي أبو العباس تزوج امرأته أمّ سلمة بنت يعقوب، فغضب عليه المنصور وقال: أتنكح امرأة أمير المؤمنين! فطلقها، ويقال إنه خطبها فلما غضب عليه أمسك، ثم إنه رضي عنه.
وقال ابن الدمينة الخثعمي لأحمد بن اسماعيل:
يا أحمد الخير ابن اسماعيلا … إليك اشكو الغلّ والكبولا
وغشم ظلم من بني سلولا … أزجي إليك شارفا نسولا
أظلّ فوق رحلها معدولا
vol. 5, p. 139[وأما عبد الصمد بن علي]
-
ويكنى أبا محمد، فكان مع عبد الله بن علي بالشام، فلما خلع عبد الله صيّره ولي عهده، فحارب أهل خراسان فظفر به، وكلّم المنصور فيه إسماعيل بن علي فرضي عنه. وأنشد المنصور:
قل لاسماعيل لولا أنت لم … ينج مني سالما عبد الصّمد
وهو شعر قيل في عبد الصمد بن عبد الأعلى الشيباني، وذلك أن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت وفد على الشام، وكان غلاما، فكان يختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى، وهو يؤدب الوليد بن يزيد بن عبد الملك بسبب الأدب، فراوده عبد الصمد على نفسه، فدخل على هشام مغضبا فقال:
انه والله لولا أنت لم … ينج مني سالما عبد الصمد
قال هشام ولم ذاك؟ قال:
إنه قد رام منّي خطّة … لم يرمها قبله مني أحد
فهو فيما كان منه كالذي … يبتغي الصيّد لدي خيس الأسد
vol. 5, p. 140وقد ولي عبد الصمد للمنصور وغيره ولايات، وحجّ بالناس غير مرة. وتوفي عبد الصمد ببغداد في سنة خمس وثمانين ومائة، وإلى عبد الصمد تنسب هذه القباب التي يقال لها العبد الصّمديّة. وكان مولد عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الذي يقال له ببّة على عهد النبي ﷺ ، ومولد عبد الصمد في سنة تسع ومائة وهما في القعدد إلى هاشم سواء، وحج عبد الصمد سنة خمسين ومائة، وحج يزيد بن معاوية في سنة خمسين وهما في القعدد إلى عبد مناف سواء، وبين عبد الصمد وبين خالد بن عبد الله ذي الجدّين بن عمرو بن الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار من الآباء إلى نزار سواء، وذو الجدّين جاهلي، وبين طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة وبين نزار من الآباء أقل ممن بين عبد الصمد ونزار من الآباء بأب واحد.
-
وبين عبد الصمد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب إلى كعب من الآباء سواء، وسعيد من أصحاب النبي ﷺ . وكان في عصر عبد الصمد من بينه وبين علي بن عبد الله خمسة آباء، وهو جعفر بن الفضل بن العباس بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
وقال بعضهم: إن عبد الصمد واسماعيل بن محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة وعبد الله بن عروة بن الزبير ورثوا آخر من بقي من بني عبد قصي بالقعدد.
vol. 5, p. 141وقال الشاعر يمدحه:
استمع مدحة اتتك ابتدارا … جمعت شدة وعنفا ولينا
فاغر بين الأبيات لا مكرهات … مثل ما يكره السباق الحرونا
فتغنّى يا طيب (١) … عن كل قطر
بالأمير الذي به تغبطينا
[وأما يعقوب بن علي]
-
ابن عبد الله وهو أبو الاسباط فلا عقب له.
- vol. 5, p. 143
[وأما عبد الله بن علي الأصغر]
-
فيكنى أبا محمد، ولاه أبو العباس محاربة مروان بن محمد وضمّ إليه وجوه قواد خراسان، فلقي مروان بالزابي نحو الموصل ومروان في مائة ألف فقاتله وهزمه، وقتل من أصحابه خلقا كثيرا فكان من غرق في الزابي أكثر ممن قتل، وكان ممن غرق ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع فيما يقال، ويقال إن إبراهيم لم يحضر هذه الحرب وأن مروان كان قتله وصلبه.
-
ويقال أيضا إن عبد الله بن علي قتله بنهر أبي فطرس (١) مع من قتل من بني أمية، وقتل في هذه الوقعة سعيد بن هشام بن عبد الملك، ويقال: قتله عبد الله بالشام. ومضى مروان إلى حران ثم إلى دمشق، فاقتطع أهل حمص بعض ثقله، ومضى من دمشق إلى مصر وخلف بدمشق الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان فحصره عبد الله بن علي وافتتحها وقتل الوليد بن معاوية، ويقال بل بعث به إلى العباس فقتله وصلبه بالحيرة.
- vol. 5, p. 144
ومكث الناس يقتتلون بالمدينة ساعات وهدم عبد الله سور مدينة دمشق. ثم توجه عبد الله إلى فلسطين وصار إلى نهر أبي فطرس، ووجه أخاه صالح بن علي إلى مصر في طلب مروان وعلى مقدمته عامر بن اسماعيل بن عامر بن نافع أحد بني مسلية، وهو عمرو بن عامر بن عمرو بن علّة بن خالد فقتل مروان ببوصير من مصر.
-
ويقال إن أبا العباس كتب إلى عبد الله بن علي يأمره بتوجيه صالح إلى مصر، وبعث صالح برأس مروان إلى عبد الله فأنفذه إلى أبي العباس وهو بالكوفة فنصب بها، ويقال بل بعث به صالح إلى أبي العباس.
-
ولما صار عبد الله بن علي إلى نهر أبي فطرس أمر فنودي في بني أمية بالأمان فاجتمعوا إليه فعجلت الخراسانية إليهم بالعمد فقتلوهم، وقتل عبد الله جماعة منهم ومن أشياعهم، وأمر بنبش قبر معاوية فما وجد من معاوية إلاّ خط، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجد من يزيد سلاميّات رجلة ووجد من عبد الملك بن مروان بعض شؤون رأسه، ولم يوجد من الوليد وسليمان إلاّ رفات، ووجد هشام صحيحا إلاّ شيئا من أنفه وشيئا من صدغه، وذلك أنه كان طلي بالزئبق والكافور وماء الفوّة، ووجدت جمجمة مسلمة فاتخذت غرضا حتى تناثرت، ولم يعرض لعمر بن عبد العزيز، وجمع ما وجد في القبور فأحرق.
-
ولما توفي أبو العباس كتب إليه عيسى بن علي وعيسى بن موسى بن محمد بوفاته وتوليته عهده أبا جعفر عبد الله بن محمد، وعيسى بن موسى بن محمد إن كان بعده، وكان أبو جعفر حاجا فشخص إليه بالكتاب بذلك أبو غسان حاجب أبي العباس ومولاه واسمه زياد، ويقال يزيد، والهيثم بن
vol. 5, p. 145زياد الخزاعي، فلما قرأ الكتاب قال: إن أمير المؤمنين ندب الناس إلى مروان، فتثاقلوا عنه فقال: من انتدب له من أهل بيتي فهو الخليفة بعدي، فانتدبت له، فصدقه أبو غسان وسلم عليه بالخلافة، ووعظه الهيثم فقال له: نشدتك الله أن تهيج الفتنة وتعرض نفسك وأهل بيتك للهلكة وزوال النعمة، وخطب عبد الله بن علي فقال: ان أمير المؤمنين رحمه الله استخلفني، فصدّقه أبو غسان وكذبه الهيثم فأمر به فضربت عنقه.
وقال المدائني: كتب أبو العباس إلى عبد الله بن علي يأمره بغزو الصّائفة، فوافاه خبر وفاته وهو ممايلي درب الحدث يريد دخول بلاد الروم فدعا عبد الحميد بن ربعي الطائي وخفاف بن منصور المازني ونصير بن المحتفز المزني وحبّاش بن حبيب الطائي صاحب جوبة حبّاش ببغداد في ظهر ربض حميد بن قحطبة، فقال: إنّ أبا العباس وجهني إلى مراون على أن لي الامر بعده، فقاموا له فسلموا عليه بالخلافة. وأرسل إلى الحكم بن ضبعان الجذامي، وزفر بن عاصم الهلالي، وبكار بن مسلم العقيلي، وعثمان بن سراقة بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي فقال لهم مثل مقالته لأبي غانم وأصحابه، فقال بكار: أنا سهمك، وقال زفر: إنكم أهل البيت لم تطمعوا في بني أمية حتى اختلفوا، فأنا أحذّرك الاختلاف فإن اجتمع أمرك وأمر من بالانبار عززتم وإن اختلفتم فهي الفتنة، وقال ابن ضبعان: ان كان عهد إليك وعقد لك عند وفاته فقد كفيت الأمر وإلا فلست من الأمر على ثقة، وقال ابن سراقة: إن بلاءك عند أهل الشام غير جميل فلن ينفعك إلا مثلي ممن لك عنده بلاء حسن وأيادي متظاهرة أو رجل صاحب فتنة يلتمس ان يدرك فيها شرفا. فعزم على ادعاء الخلافة وخطب الناس بين
vol. 5, p. 146دلوك ورعبان (١) ، وقد كان قدم عليه أبو غسان والهيثم بن زياد فاستشهدهما، فأما أبو غسان فشهد له، وأما الهيثم فقال: أشهد أن أبا العباس ولّى الخلافة أبا جعفر، فقتله.