وأما معاوية بن أبي سفيان
273 paragraphs · vol. 6, p. 21
Page 7 of 7
- vol. 6, p. 107
المدائني قال: قال معاوية لرجل من اليهود: هل تروي من شعر أبيك شيئا؟ قال: أيّ شعره أردت؟ قال: أبياتا كانت قريش تستحسنها، فأنشده:
هل أضرب الكبش في ملمومة قدما … أم هل سمعت بشرّ كان لي نشرا
أم هل يلومنّني قوم إذا نزلوا … أم هل يقولنّ يوما قائل بسرا
نقريهم الوجه ثمّ البشر يتبعه … لا يمنع العرف منّا قلّ أو كثرا
فقال معاوية: أنا أحقّ بهذا الشعر من أبيك، فقال اليهودي:
لا لعمرو الله لأبي أحقّ بها إذ سبق إليها، فاستلقى معاوية ووضع ساعده على وجهه، فقال الوليد بن عقبة وعبد الرحمن بن أمّ الحكم، اسكت يا بن اليهوديّة، وشتماه، فقال: كفّا عن شتمي وإلاّ شتمت صاحب السرير، فرفع معاوية رأسه ضاحكا ثمّ قال: كفّا عنه يكفّ عنّي، ثمّ قال لليهودي:
إنّكم أهل بيت تجيدون صنعة الهريسة في الجاهليّة، فكيف صنعتكم لها اليوم؟ قال: نحن اليوم يا أمير المؤمنين لها أجود صنعة، قال: فاغد بها عليّ، وأمر له بأربعة آلاف درهم. فخرج، فقال الوليد وعبد الرحمن:
كذّبك وتأمر له بجائزة؟ ! قال: أنتما أجزتماه بما شتمتماه، فأردت أن أسلّ سخيمته؛ وغدا بالهريسة فأكلها معاوية.
-
حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: أغزى معاوية الناس، فحمل اليمانية في البحر، وحمل مضر في البرّ، فقال رجل من صداء متهدّدا لمعاوية:
vol. 6, p. 108يا أيّها القوم الذين تجمّعوا … بعكّا أناس أنتم أم أباعر
أتترك قيس ترتعي في بلادكم … ونحن نسامي البحر والبحر زاخر
فو الله ما أدري وإني لسائل … أكندة تحمي أصلنا أم يحابر (١)
أم الغرّ من حيّي قضاعة إنّهم … هم أصلنا لو تستمرّ المرائر
أما كان في همدان حامي حقيقة … ولا كان في عكّ ولا في الأشاعر
فبلغ معاوية الشعر فقال: حتّى صداء تهدّدني! ويقال إنّ معاوية غرّب قوما من اليمانية فحملهم في البحر، فقال شاعرهم هذا الشعر، وكان يقال ليزيد بن يزيد بن حرب بن علة: صداء.
-
المدائني عن عوانة قال: قدم زياد على معاوية ومعه شريك بن تمّام الحارثي، فقال معاوية: ما هذا الرجل يا أبا المغيرة؟ فقال شريك: لم أر لك هفوة قبل هذه، قال: ما رأيت رحمك الله؟ قال: إنكارك مثلي من رعيّتك، فقال معاوية: عسى أن تكون معرفتي إيّاك متفرّقة، أعرف وجهك إذا حضرت في الوجوه الحاضرة، وأعرف اسمك إذا ذكرت في الأسماء الكافية، فلا أعلم أنّ هذا الوجه هو لذلك الاسم، فما اسمك تجتمع لي معرفتك؟ قال: أنا شريك بن تمّام الحارثي، فقال معاوية: الآن عرفتك.
-
المدائني عن عوانة قال، قال معاوية ليزيد: يا بنيّ احفظ عنّي ما أقول لك: أكرم أهل مكّة والمدينة فإنّهم أصلك ومنصبك، ومن أتاك منهم فأكرمه، ومن لم يأتك فابعث إليه بصلة، وانظر أهل العراق فإنّهم أهل طعن على أمرائهم وملالة لهم، فإن سألوك أن تبدل كلّ يوم أميرا فافعل،
vol. 6, p. 109وانظر أهل الشام فليكونوا عيبتك وحصنك، فمن رابك أمره فارمه بهم، فإذا فرغوا فأقفلهم فإنّي لا آمن الناس على إفسادهم، وقد كفاك الله عبد الرحمن بن أبي بكر، فليس يخالف عليك غير الحسين وابن الزبير - فأمّا ابن عمر فقد وقذه الإسلام - وأمّا ابن الزبير فخب خدع، فإذا هو شخص لك فالبد له فإنّه ينفسخ على المطاولة، وأمّا الحسين فلست أشكّ في وثوبه، ثمّ يكفيكه الله بمن قتل أباه وجرح أخاه؛ إنّ بني أبي طالب مدّوا أعناقهم إلى غاية أبت العرب أن تعطيهم أيّاها، وهم محدودون.
-
حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عوانة قال: هجا عقيبة بن هبيرة الأسدي عمرو بن قيس الأسدي فقال:
لعمرك إنّ اللؤم خدن وصاحب … لعمرو بن قيس ما دعا الله راغب
تراه عظيما ذا رواء ومنظر … وأجبن من منزوف (١) ان صاح ناعب
شجاع على جيرانه وصديقه … وأجرأ منه في اللقاء الثّعالب
فشكاه إلى معاوية فقال معاوية: قد هجانا بأشدّ من هذا، فقال:
أرى ابن أبي سفيان يزجي جياده … ليغزو عليا ضلّة وتحامقا
وبئس الفتى في الحرب يوما إذا بدت … برازيق خيل يتّبعن برازقا (٢)
-
فهلمّ ندعو الله عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما غير هذا؟ قال:
لا، وإن شئت هجوته.
- vol. 6, p. 110
حدثنا بعض أصحابنا عن عمر بن بكير عن الهيثم بن عديّ قال:
دخل الحسن بن عليّ على معاوية، فلمّا أخذ مجلسه قال معاوية: عجبا لعائشة تزعم أنّي في غير ما أنا أهله، وأنّ الذي أصبحت فيه ليس لي بحقّ، ما لها ولهذا يغفر الله لها، إنّما كان ينازعني في هذا الأمر أبوك، وقد استأثر الله به، فقال الحسن: أو عجب هذا يا معاوية؟ قال: أي والله إنّ هذا لعجب: قال: أفلا أنبئك بأعجب منه؟ قال: وما هو؟ قال: جلوسك في صدر المجلس، وأنا عند رجليك، فضحك معاوية ثمّ قال: يا بن أخي بلغني أنّ عليك دينا، قال: إنّ عليّ دينا، قال: وكم هو؟ قال: مائة ألف، قال: فقد أمرنا لك بثلاثمائة ألف، ثمّ قال: مائة ألف لقضاء دينك، ومائة ألف تقسمها في أهل بيتك، ومائة ألف لخاصّة بدنك، فاقبض صلتك؛ فلمّا خرج الحسن قال يزيد: تالله ما رأيت رجلا استقبلك بما أستقبلك به، ثمّ أمرت له بثلاثمائة ألف درهم، فقال: يا بنيّ إنّ الحقّ حقّهم، فمن أتاك منهم فاحث له واحتفل.
-
حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة عن عبد الملك بن عمير قال: قال قبيصة بن ذؤيب الأسدي (١) : ما رأيت أحدا قطّ أعلم بالله من عمر بن الخطّاب، ولا رأيت أحدا أطول بلاء في الله من عليّ بن أبي طالب، ولا رأيت أحدا قطّ أعطى من طلحة، ولا رأيت أحدا قطّ أحمل لأحد من
vol. 6, p. 111معاوية لمصقلة بن هبيرة، ولا رأيت أحدا قطّ أظهر جلدا وظرفا من عمرو بن العاص، ولا رأيت أحدا أيسر لصديق في عداوة العامّة من المغيرة بن شعبة، ولا رأيت أحدا قطّ أخصب رفيقا ولا أقلّ أذى لجليسه من زياد.
-
المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: دخل صعصعة بن صوحان على معاوية أوّل ما دخل عليه، وقد كان يبلغه عنه ما يكره، فقال له معاوية:
ممّن الرجل؟ قال: من نزار، قال: وما نزار؟ قال: كان إذا غزا احتوش، وإذا انصرف انكمش، وإذا لقي افترش، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ربيعة، قال: وما ربيعة؟ قال: كان يغزو بالخيل، ويغير بالليل، ويجود بالنيل، قال: فمن أيّ ربيعة؟ قال: من ولد أسد، قال:
وما أسد؟ قال: كان إذا طلب أفضى، وإذا أدرك أرضى، وإذا آب أنضى، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من جديلة، قال: وما جديله قال: كان يطيل النجاد ويعدّ الجياد ويجيد الجلاد، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ولد دعميّ [قال] : وما دعميّ؟ [قال] : كان نورا ساطعا وشرّا قاطعا وخيرا نافعا، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد أفصى، قال: وما أفصى؟ قال: كان ينزل القارات ويغير الغارات ويحمي الجارات، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من عبد القيس، قال:
وما عبد القيس؟ [قال] : أبطال ذادة جحاجحة سادة صناديد قادة، قال:
فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد أفصى، قال: وما أفصى؟ [قال] : كانت رماحهم مشرعة وقدورهم مترعة وجفانهم مشبعة، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد عمرو، قال: وما عمرو؟ قال: كانوا يستعملون
vol. 6, p. 112السيف ويكرمون الضيف في الشتاء والصيف، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد لكيز، [قال] : وما لكيز؟ [قال] : كان يباشر القتال ويعانق الأبطال ويبذّر الأموال، قال: فمن أيّ ولده أنت: قال: من ولد عجل، [قال] : وما عجل؟ [قال] : الليوث الضراغمة الملوك القمامة القروم القشاعمة، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ذهل بن عجلان، [قال] :
وما ذهل؟ [قال] : كان يغشى الحرب ويجيد الضرب ويكشف الكرب، قال:
يا بن صوحان ما تركت لهذا الحيّ من قريش شيئا، قال: تركت لهم أكثره وأكبره، تركت لهم الوبر والمدر والأبيض والأصفر والصفا والمشعر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر، قال: يا بن صوحان لقد كان يسوءني أن أراك خطيبا، قال: وأنا والله لقد كان يسوءني أن أراك أمير المؤمنين، فردّه ووصله. قالوا: هو صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن حدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
-
المدائني عن عتّاب بن إبراهيم أنّ معاوية استعمل على الصائفة وقد جاشت الروم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكتب له عهدا ثمّ قال له:
ما تصنع بعهدي هذا؟ قال: أتّخذه إماما فلا أتجاوزه، قال: ردّ عليّ عهدي، فقال: أتعزلني ولم تخبرني؟ أما والله لو كنّا ببطن مكّة على السّواء ما فعلت بي هذا؛ فقال: لو كنّا ببطن مكّة كنت معاوية بن أبي سفيان بن حرب، وكنت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان منزلي بالأبطح، وكان منزلك بأجياد، أعلاه مدرة وأسفله عذرة. ثمّ بعث إلى سفيان بن
vol. 6, p. 113عوف الغامدي فقال له: قد ولّيتك الصائفة وهذا عهدي، فما أنت صانع به؟ قال: أتّخذه إماما ما أمّ الحزم، فإذا خالفه أعملت رأيي، وبالله التوفيق. قال معاوية: أنت لها، فلمّا ودّعه قال: هذا والله الذي لا يدفع عن نطق، ولا يكفكف من عجلة، ولا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثفال؛ فغزا بالناس الصائفة، ثم هلك فاستخلف عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري وقال له: احرص على أن ترجع بالناس سالمين، فغزا بهم فأصيبوا ورجع منهزما، وقد كان الشاعر قال فيه:
أقم يا بن مسعود قناة قويمة … كما كان سفيان بن عوف يقيمها
وسم يا بن مسعود مدائن قيصر … كما كان سفيان بن عوف يسومها
فلمّا قدم على معاوية قال: «أقم يا بن مسعود» فقال: يا أمير المؤمنين، قرنتني إلى رجل قلّ أشباهه في حزمه، فقال معاوية: إنّ من فضلك عندي معرفتك بفضل من هو أفضل منك، ولكنّك قلت هذه أوّل ولاياتي ومحني فحرصت فغررت، والله يغفر لك.
-
المدائني عن أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: كتب معاوية إلى عبد الله بن عبّاس: أمّا بعد فإنّكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد بالمساءة أسرع منكم إلى أنصار عثمان، فإن يك ذلك لسلطان بني أميّة فقد وليها بنو تيم وعديّ فأظهرتم الطاعة، وقد وقع من الأمر ما ترى معما كان من وقعة البصرة (١) التي لم يخف عليك ما كان فيها من عظيم المصائب، وذهاب طلحة والزبير، وأخذ هذه الحرب منّا ومنكم، حتّى استوينا فيها،
vol. 6, p. 114وقد رجونا غير الذي كان، وخشينا دون الذي وقع، ولستم بلاقينا اليوم بأحدّ من حدّكم أمس، ولا غدا بأحدّ من حدّكم اليوم، وقد منعنا بما كان منّا الشام، ومنعتم بما كان منكم العراق، فاتّقوا الله في قريش فإنّما بقي من رجالها سبعة نفر: رجلان بالشام ورجلان بالعراق وثلاثة بالحجاز، فأمّا الذي بالحجاز فسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأمّا اللذان بالشام فأنا وعمرو، وأمّا اللذان بالعراق فعليّ وأنت، ومن السبعة رجلان ناصبان، ورجلان مدبران، وثلاثة وقوف عنّا وعنك، وأنت رأس هذا الجمع اليوم، ولو بايع الناس لك بعد عثمان كنّا إليك أسرع منّا إلى عليّ، والسّلام. فلمّا قرأ ابن عبّاس كتابه ضحك ثمّ قال: حتّى متى يخطب إليّ معاوية عقلي وأجمجم له عمّا في نفسي؟! ثمّ كتب.
-
بسم الله الرحمن الرحيم.
-
من عبد الله بن عبّاس إلى معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد، فقد أتاني كتابك، فأمّا ما ذكرت من سرعتنا إلى أنصار عثمان بسلطان بني أميّة فقد أدركت حاجتك بعثمان، لقد استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمّك الوليد بن عقبة وما كتب به إليك، وأمّا طلحة والزبير فإنهما طلبا الملك ونكثا البيعة، فقاتلناهما على النكث، وقاتلناك على البغي، وأما قولك لم يبق من قريش غير سبعة نفر، فما أكثر رجالها وأحسن بقيّتها بحمد الله ونعمته، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، وأمّا إغراؤك إيّاي بتيم وعديّ فأبو بكر وعمر خير من عثمان، كما أنّ عثمان خير منك، وماذا تقيس به نفسك بأبي بكر وعمر، وأمّا قولك إنّا لن نلقاكم بمثل ما لقيناكم به بالأمس، فقد بقي لك منّا يوم ينسيك ما قبله،
vol. 6, p. 115ويخيفك ما بعده، وأمّا قولك إنّه لو بايعني الناس استقمت لي، فقد بايعوا عليّا وهو خير منّي فلم تستقم له، وإنّ الخلافة لا تصلح إلاّ لمن كان في الشورى، ممّن سمّاه عمر، فما أنت والخلافة يا معاوية، وأنت طليق الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وابن آكلة الأكباد؟! فلمّا أتى معاوية كتابه قرأه على عمرو، فقال له عمرو: أنت عرضت نفسك لهذا، فقال: لست والله أعود لمثلها.
-
حدثني أبو مسعود عن عليّ بن صالح عن عيسى بن يزيد المدني قال:
قالت فاختة بنت قرظة امرأة معاوية: يا أمير المؤمنين، لم تصانع الناس وترى أنّهم منصفون منك، فلو أخذتهم من عل كانوا الأذلّين وكنت لهم قاهرا، فقال: ويحك إنّ في العرب بقيّة بعد، ولولا ذلك لجعلت عاليها سافلها، فقالت: والله ما بقي أحد إلاّ وأنت عليه قادر، قال: فهل لك في أن أريك بعض ذلك منهم؟ قالت: نعم، فأدخلها بيتا وأسبل عليها ستره، ثمّ أمر حاجبه أن يدخل عليه رجلا من أشراف من بالباب، فأدخل عليه رجلا من قيس يقال له الحارث، فقال له معاوية: يا حويرث، إيه أنت الذي طعنت في الخلافة وتنقّصت أهلها؟ والله لقد هممت أن أجعلك نكالا، فقال: يا معاوية إنّما دعوتني لهذا؟ والله إنّ ساعدي لشديد، وإنّ رمحي لمديد، وإنّ سيفي لحديد، وإنّ جوابي لعتيد، ولئن لم تأخذ ما أعطيت بشكر لتنزعنّ عمّا نكره بصغر، فقال: أخرجوه عنّي، فأخرج، فقالت فاختة: ما أجرأ هذا وأقوى قلبه؟ ! فقال معاوية: ما ذاك إلاّ لإدلاله بطاعة قومه له، ثمّ أمر الحاجب فأدخل عليه رجلا من ربيعة يقال له
vol. 6, p. 116جارية، فقال له معاوية، إيه يا جويرية، أنت الذي بلغني عنك تخبيب (١) للجند وقلّة من الشكر؟ فقال: وعلام نشكر؟ ما تعطي إلاّ مداراة ولا تحلم إلاّ مصانعة، فاجهد جهدك، فإن ورائي من ربيعة ركنا شديدا لم تصدأ أدرعهم مذ جلوها، ولا كلّت سيوفهم مذ شحذوها، فقال: أخرجوه، ثمّ أمر معاوية حاجبه فأدخل إليه رجلا من أهل اليمن يقال له عبد الله، فقال له: إيه يا عبيد السوء، ألحقتك بالأقوام وأطلقت لسانك بالكلام، ثمّ يبلغني عنك ما يبلغني من سوء الإرجاف؟! لقد هممت أن أخرجك وأنت عبرة لأهل الشام، فقال: أيا معاوية ألهذا دعوتني، ثم صغّرت اسمي ولم تنسبني إلى أبي؟ وإنّما سميّت معاوية باسم كلبة عاوت الكلاب، فاربع على ظلعك فذلك خير لك، فقال لحاجبه: أخرجه، فقالت فاختة: صانع الناس بجهدك، وسسهم برفقك وحلمك، فأخزى الله من لامك.
-
حدثني أبو حفص السامي قال: بلغنا أن يزيد بن معاوية قال لأبيه:
يا أمير المؤمنين متى يكون العلم ضارّا؟ قال: إذا نقصت القريحة وفصلت الرواية.
وقال معاوية: إذا لم يكن الهاشمي شجاعا سخيّا لم يشبه قومه ولم يشبه من هو منه؛ وقال: إذا لم يكن الاموي مصلحا لماله، حليما عند غضبه، لم يشبه من هو منه، ولن تعدم من الهاشمي لسنا أو سخاء أو شجاعة، وربّما اجتمع ذلك لبعضهم.
-
المدائني عن أبي إسحاق التميمي قال: سمع معاوية رجلا يقول:
ومن رقاش ماجد سميدع … يأبى الذي يكرهه فيمنع
vol. 6, p. 117فقال معاوية: ذلك منّا، ذاك ابن الزبير.
-
المدايني عن سلاّم بن أبي مطيع عن قتادة قال: حرم مروان بن الحكم ابنا لصهيب عطاءه، فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه معاوية: إنّك حفظت على ابن صهيب ما كان من أبيه في أمر عثمان، ونسيت ما كان من سابقته مع رسول الله ﷺ ، فاردد عليه عطاءه وأكرمه وأحسن مجاورته، إن شاء الله.
وقال معاوية لخالد بن معمر: كيف حبّك لعليّ؟ قال: شديد، أحبّه لحلمه إذا غضب، وصدقه إذ قال، ووفائه إذا وعد، وجوده إذا سئل.
وقال عمرو بن العاص: عقم النساء أن يلدن مثل معاوية، وما استدرّ لمعاوية كلام قطّ فقطعه حتّى يأمر بخير ويصيب الناس بفضل.
-
حدثني هشام بن عمّار عن أبيه أو غيره قال: قدمت رملة بنت معاوية الشام من المدينة، وكانت عند عمرو بن عثمان بن عفّان، وكان عمرو لها محبّا إلاّ أنّه كان ربما أغارها، فقال لها: أطلّقك ابن عمّي؟ فقالت: كلا، الكلب أضنّ بالشحمة، قال: ويقال: قالت بشحمته.
وقال هشام: كان معاوية يقول: زين الشرف العفاف.
وقال هشام: أتي معاوية بصريع فقال ليزيد: أما في أخوالك من يصارع هذا؟ قال: بلى، الزبّان خالي، فأتي به فصرعه، فقال يزيد:
أقول له والعبد يكبو لوجهه … لقد فعل الزبّان ما كنت أعرف
وقال المدائني: قدم بحير بن ريسان الحميري على معاوية وعنده أبو الأسود الدولي فقال:
vol. 6, p. 118ألا إنّ خير الناس بعد نبيّهم … وبعد أمير المؤمنين بحير
وإنّي لأرجو من بحير وليدة … وذاك على الحرّ الكريم يسير (١)
فقال بحير: بل وليدة ووليدة، ولو قلت ألف دينار لأعطيتك إيّاها.
-
وحدّثني محمّد بن سعد عن الواقدي قال: توفّي خالد بن الوليد بن المغيرة بحمص سنة عشرين وأوصى إلى عمر بن الخطّاب وكان عبد الرحمن بن خالد يلي الصوائف فيبلي ويحسن أثره، فعظم أمره بالشام، فدسّ إليه معاوية متطبّبا يقال له ابن أثال ليقتله وجعل له خراج حمص، فسقاه شربة فمات، فاعترض خالد بن المهاجر بن خالد - ويقال خالد بن عبد الرحمن بن خالد - ابن أثال فضربه بالسيف فقتله، فرفع أمره إلى معاوية، فحبسه أيّاما وأغرمه ديته ولم يقده به.
-
المدائني وغيره قالوا: غزا عبد العزيز بن زرارة الكلابي الصائفة مع يزيد بن معاوية فمات وبلغ معاوية ذلك فقال لأبيه: هلك والله فتى العرب، فقال: ابني أوه، قال: ابنك، فآجرك الله، وأمر فنودي ليعزّي الناس أمير المؤمنين عن عبد العزيز بن زرارة، فقال زرارة.
فإن يكن الموت أودي به … وأصبح مخّ الكلابيّ ريرا (٢)
فكلّ فتى شارب كأسه … فإمّا صغيرا وإمّا كبيرا
المدائني قال: قال معاوية ذات يوم: إنّ الله بعث رسوله بفضل بيّن فلم يرد الدنيا ولم ترده، وكان بعده أبو بكر وعمر فلم يرداها ولم تردهما، ثمّ
vol. 6, p. 119كان عثمان فنال منها ونالت منه، ثمّ آتانا الله هذا الأمر والمال فأعطينا كلّ ذي حق حقّه، وفضل مال كثير عاث فيه أهل معاوية، فإن يغفر الله لهم فأهل ذاك هو، وإن يعذّبهم فأهل ذاك هم.
-
المدائني قال: قال معاوية لسعية بن عريض اليهودي: أنشدني مرثية أبيك نفسه، فأنشده:
يا ليت شعري حين أندب هالكا … ماذا تؤبّنني به أنواحي
ولقد حملت عن العشيرة ثقلها … ولقد أخذت الحقّ غير ملاح
إنّ امرءا أمن الحوادث جاهلا … ورجا الخلود كضارب بقداح
فقال معاوية: صدق، وتغرغرت عيناه.
-
وزعموا أنّ معاوية كتب إلى عليّ رضي الله تعالى عنهما: يا أبا الحسن، إنّ لي فضائل كثيرة، كان أبي سيّدا في الجاهليّة، وولاّني عمر في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﷺ وخال المؤمنين، وأحد كتّاب الوحي، فلمّا قرأ عليّ كتابه قال: أبالفضائل يفخر عليّ ابن آكلة الأكباد؟! يا غلام اكتب، فكتب:
محمّد النبيّ أخي وصهري … وحمزة سيّد الشهداء عمّي
وجعفر الذي يمسي ويضحي … يطير مع الملائكة ابن أمّي
وبنت محمّد سكني وعرسي … مسوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها … فأيّكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرّا … غلاما قبل حين أوان حلمي (١)
- vol. 6, p. 120
فلمّا قرأه معاوية قال: يا غلام مزّق الكتاب لئلا يقرأه أهل الشام فيميلوا إليه دوني. قالوا: وانتحل السيّد الحميري هذه الأبيات فأدخلها في شعره.
-
ورحل حضين بن المنذر إلى معاوية في وفد من أهل العراق، فتأخر وصوله إليه من بينهم، فقال:
وكلّ صغير الشأن يسعى مشمّرا … إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ويبقى الجلوس الماكثون رزانة … حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
فأمر معاوية أن يدخل أوّل الناس.
-
وذكروا أنّ معاوية أقبل على بني هاشم فقال: يا بني هاشم إنّ خيري لكم ممنوح، وبابي مفتوح، فلا تقطعوا خيري عنكم، ولا تغلقوا بابي دونكم، وقد رأيت أمري وأمركم متفاوتا، ترون أنّكم أحقّ بما في يدي منّي، وأنا أرى أنّي أحقّ به منكم، فإذا أعطيتكم العطيّة فيها قضاء حقوقكم قلتم: أخذنا دون حقّنا وقصّر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب لا يحمد على ما أخذ منه، فبئست المنزلة نزلت بها منكم، أعطي فلا أشكر، وأمنع فلا أعذر، ونعمت المنزلة نزلتم بها منّي: إنصاف قائلكم، وإعطاء سائلكم، فقال عبد الله بن عبّاس، والله ما منحتنا خيرك حتّى طلبناه، ولا فتحت لنا بابك حتّى قرعناه، ولئن قطعت عنّا خيرك لله أوسع لنا منك، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك، فو الله ما أحفيناك في مسألة ولا سألناك باهظة، فأمّا هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقّان: حقّ الغنيمة وحقّ الفيء، فالغنيمة ما غلبنا عليه، والفيء ما اجتبيناه، فعلى أيّ وجه خرج ذلك منك أخذناه وحمدنا
vol. 6, p. 121الله عليه، ثمّ لم نخلك من شكر خير جرى على يدك، ولولا حقّنا في هذا المال ما أتاك منّا زائر يحمله خفّ ولا حافر، أكفاك أم أزيدك؟ فقال معاوية: حسبك يا أبا عبّاس فإنك تكوي ولا تغوي، فقال الفضل بن عبّاس بن عتبة بن أبي لهب:
ألا أبلغ معاوية بن صخر … فإنّ المرء يعلم ما يقول
لنا حقّان حقّ الخمس واف … وحقّ الفيء جاء به الرسول
فكلّ عطيّة وصلت إلينا … وإن سحبت لخدعتها الذّيول
ففي حكم القران لنا مزيد … على ما كان لا قال وقيل
أتأخذ حقّنا وتريد حمدا … له، هذاك تأباه العقول
فقال له ابن عبّاس مجيبا … فلم يدر ابن هند ما يقول
فلا تهج ابن عبّاس مجيبا … فإنّ جوابه جذع أصيل
حدثني محمّد بن اسماعيل الواسطي عن الفرات العجلي عن أبيه عن قتادة قال: خطب معاوية بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عليّا فنال منه ونسبه إلى قتل عثمان وإيواء قتلته، والحسن بن عليّ تحت المنبر، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أهل الشام إنّ معاوية يخدعكم بهذا الخاتم الذي من كان في يده جازت كتبه في الآفاق، وادخر لعياله الذخائر، فقام رجل من أهل الشام فأراد أن يقطع على الحسن كلامه فقال: يا حسن قد وصفت لنا معاوية، فكيف صفتك للخراءة؟ فقال الحسن: يا أحيمق أبعد الممشى، وأنفي الأذى، وأستنجي باليسرى، فغاظ قوله من حضر من أهل المدينة، واستشاط الحسن، فلمّا رأى معاوية ذلك نزل عن منبره تخوّفا أن يأتي الحسن بشيء يكرهه، وأن يتشارّ الناس، فأخذ بيد الحسن وأدخله منزله، ثمّ دعا
vol. 6, p. 122بماء وسويق فجدحه بيده، ثمّ قال: اشرب يا بن فاطمة فو الله ما جدحته (١) لأحد قبلك، فأخذه الحسن فشرب منه الحسن، ثمّ ناوله معاوية وقال:
اشرب يا بن هند فو الله ما ناولك مثلي، وانّ بين الأمرين لبونا بعيدا، فقال معاوية: أجل والله وما أردت بما قلت بأسا.
وقال معاوية لعقيل: إنّ فيكم لينا قال: أجل في غير ضعف، وإنّ لنا لعزا في غير كبر، وأمّا أنتم فإن في لينكم غدرا، وإنّ في كبركم كفرا، فقال معاوية: دون هذا يا أبا يزيد، فقال عقيل:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا … وما علّم الإنسان إلاّ ليعلما (٢)
فقال معاوية:
وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده … وإنّ الفتى بعد السّفاه ليحلم (٣)
- فقام عقيل وهو يقول:
-
إنّ السفاهة قدما من خلائقكم … لا قدّس الله أخلاق الملاعين
العمري عن الهيثم عن ابن عبّاس قال: قال معاوية: الرأي الثاقب كهانة، والحلم سؤدد.
-
المدائني وغيره قالوا: دخل شريك الحارثي على معاوية، وكان رجلا دميما آدم شديد الأدمة شريفا في قومه، فلمّا استقرّ به المجلس أراد معاوية أن يضع منه فقال: إنّك لشريك وما لله شريك، وإنّك لابن الأعور والصحيح
vol. 6, p. 123خير من الأعور، وإنّك لدميم حنزقرة (١) أسود، فكيف سوّدك قومك؟ فقال شريك: انّك لمعاوية، وما معاوية إلاّ كلبه عاوت فاستعوت فسمّيت معاوية، وإنّك لابن صخر والسّهل خير من الصخر، وإنّك لابن حرب والسلم خير من الحرب، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ ثمّ خرج مغضبا وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن صخر … وسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من ذوي يمن ليوث … ضراغمة تهشّ إلى الطعان
يعيّر بالدمامة من سفاه … وربّات الحجال هي الغواني
ذوات الحسن، والرئبال جهم … شتيم وجهه ماضي الجنان
فلا تبسط لسانك يا بن هند … علينا أن بلغت مدى الأماني
فإن تك للشقاء لنا أميرا … فإنّا لا نقيم على الهوان
وإن تك من أميّة في ذراها … فإنّي من بني عبد المدان
قالوا: وصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه، فلمّا أراد الكلام قطع عليه غلام من الأنصار قام فقال: يا معاوية ما جعلك وأهل بيتك أحقّ بهذه الأموال منّا؟ وإنّما أفاءها الله على المسلمين بسيوفنا ورماحنا، وما لنا عندك ذنب نعلمه إلاّ أنّا قتلنا خالك وليدا وجدّك عتبة وأخاك حنظلة، فقال معاوية: لا والله يا بن أخي، ما أنتم قتلتموهم ولكنّ الله قتلهم بملائكة بعد ملائكة، على يدي بني أبيهم، وما ذاك بعار ولا منقصة، قال الأنصاري:
فأين العار والمنقصة إذا؟ قال: صدقت، أفلك حاجة؟ قال: نعم لي
vol. 6, p. 124عجوز كبيرة وأخوات عواتق وقد عضّنا الدهر وحلّ بنا الحدثان، فقال له معاوية: خذ من المال ما استطعت، وكان مالا ورد من بعض النواحي، فحمل الغلام وقره، ومضى معاوية في خطبته حتّى فرغ.
وقال سعيد بن عثمان لمعاوية: وليناك فما عزلناك ولا نازعناك، ووصلناك فما قطعناك، ثمّ حلأتنا (١) ما نرى كله، فولاّه خراسان، ويقال كتب إلى زياد في توليته.
-
وحدّثت أنّ معاوية خطب الناس يوما، فذكر عليّا فتنقّصه، فقال أبو الدرداء: كذبت يا معاوية ليس هو كما تقول، فنزل معاوية، فقال يزيد:
أتحتمل هذا كلّه؟ فقال: إنّه من عصبة عاهدوا الله أن لا يسمعوا كذبة إلاّ ردّوها.
-
المدائني قال: حجّ معاوية فلمّا قرب من المدينة تلقّاه الناس، وتلقّته الأنصار وأكثرها مشاة، فقال: ما منعكم من تلقّي من بعد كما تلقّاني الناس من بعد؟ فقال ابن لسعد بن عبادة يقال له سعيد: منعنا من ذلك قلّة الظهر وخفّة ذات اليد بإلحاح الزمان علينا وإيثارك بمعروفك غيرنا، فقال معاوية كالمعيّر لهم: فأين أنتم عن نواضح المدينة؟ قالوا: أحرثناها (٢) يوم بدر، يوم قتلنا حنظلة بن أبي سفيان، فأعرض معاوية عنه وتبسّم وقال: حبجة بلبجة، والبادئ أظلم.
vol. 6, p. 125وقال القحذمي: يروى أنّ رسول الله ﷺ نظر إلى الحكم بن أبي العاص فقال: «إذا بلغ ولده ثلاثين (١) كان الأمر لهم»، فشاجر معاوية مروان يوما فقال: أنا أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة، فقال معاوية: لقد أخذتها من عين صافية.
-
المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: قال معاوية يوما: لقد أكرم الله الخلفاء أفضل الكرامة، أنقذهم من النار وأوجب لهم الجنّة، وجعل أنصارهم أهل الشام، فقال صعصعة بن صوحان: تكلّمت فهجرت، وليس الأمر كما ذكرت، أنّى يكون خليفة من ضرب الناس قسرا، وخدعهم مكرا، وساسهم خترا (٢) ؟! فأمّا إطراؤك أهل الشام فلا أعلم أحدا أطوع لمخلوق في معصية خالق منهم، اشتريت أديانهم بالمال، فإن تدرّه عليهم يمنعوك وينصروك، وإن تقطعه عنهم يخذلوك، فاستبان الغضب في وجه معاوية ثمّ قال: لولا أن القدرة تذهب الحفيظة، وأنّ الحلم محمود المغبّة، ما عدت لقولك يا صعصعة مرة بعد مرّة، ثمّ قال:
عفوت عن جهلهم حلما ومكرمة … والحلم عن قدرة من أفضل الكرم
قالوا: واجتمع ذات يوم عند معاوية وهو بصفّين عتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي معيط وغيرهما، فقال عتبة: إنّ أمرنا وأمر عليّ لعجب، وذكر من قتل عليّ يوم بدر منهم، فقال معاوية: إن كان لينبغي أن تشجروه بالرماح طلبا لثأركم، فقام الوليد بن عقبة وهو يقول:
vol. 6, p. 126يقول لنا معاوية بن حرب … أما فيكم لوتركم طلوب
يشدّ على أبي حسن عليّ … بأسمر لا تهجّنه الكعوب
فقلت له أتلعب يا بن هند … كأنّك بيننا رجل غريب
أتأمرنا بحيّة بطن واد … إذا نكزت فليس لها طبيب
كأنّ القوم لمّا عاينوه … خلال النّقع ليس لهم قلوب
لعمرو أبي معاوية بن حرب … ورأي المرء يخطئ أو يصيب
لقد ناداه في الهيجا عليّ … فأسمعه ولكن لا يجيب
وحدثني هشام قال: قال معاوية: ما غضبي على من أملك وأنا قادر عليه، وما غضبي على من لا أملك ويدي لا تناله (١) .
-
العمري عن الهيثم بن عديّ عن عوانة وغيره قالوا: قال عليّ بصفّين: يا معاوية ما قتلك الناس بيني وبينك، ابرز لي فإن قتلتني كان الأمر إليك، وإن قتلتك كان الأمر إليّ، فالتفت معاوية إلى عمرو كالمستشير له، فقال له عمرو: ما أرى الرجل إلاّ منصفا، ولن تبلّ لك بالّة عند أهل الشام إن لم تبارزه، فحقدها عليه وأمسك وعلم أنّه يريد قتله، فقال:
يا عمرو إنّك قد قشرت لي العصا … برضاك لي وسط العجاج برازي
ما للملوك وللبراز وإنّما … حظّ المبارز خطفة من باز
ولقد أعدت فقلت مزحة مازح … والمرء يفحمه مقال الهازي
فقال عمرو:
vol. 6, p. 127معاوي إن ثقلت عن البراز … لك الخيرات فانظر من تنازي
وما ذنبي إذا نادى عليّ … وكبش القوم يدعو للبراز
أجبنا في العجاجة يا بن هند … وعند السّلم كالتّيس الحجازي
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال قبيصة بن جابر: ما رأيت رجلا أقرأ لكتاب الله ولا أشدّ في دين الله من عمر بن الخطاب، وما رأيت أحدا أسود من معاوية، ولا رجلا أعطى لماله في غير ولاية من طلحة بن عبيد الله، ولا رأيت رجلا أنصع ظرفا ولا أحضر، جوابا ولا أكثر صوابا من عمرو بن العاص، ولا رأيت رجلا المعرفة عنده أنفع منها عند المغيرة بن شعبة، ولا رأيت رجلا أحلم جليسا ولا أخصب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية من زياد.
وقال معاوية لعديّ بن حاتم ودخل عليه: ما فعل الطرفات يا أبا طريف: طريف، وطرفة، وطراف؟ فقال: قتلوا يوم صفّين، قال:
ما أنصفك عليّ، أخّر بنيه وقدّم بنيك، قال: لئن فعل فقد قتل وبقيت، قال: قد بقيت قطرة من دم عثمان عند قوم ولا بدّ من أن نطلب بها، قال عديّ: اغمد سيفك، فإنّ السيف إذا سلّ سلّت السيوف، قال: فالتفت معاوية إلى عمرو فقال له: ضعها في قرنك فإنّها كلمة حكم.
-
المدائني عن إسحاق بن أيّوب عن الوليد بن المغيرة عن حضين بن المنذر قال: قال لي معاوية: إنّ لك رأيا، فما فرّق هذه الأمّة وسفك دماءها وشقّ عصاها وشتّت ملأها؟ قلت: قتل عثمان، قال: صدقت.