وأما معاوية بن أبي سفيان
273 paragraphs · vol. 6, p. 21
Page 6 of 7
- vol. 6, p. 91
المدائني عن أبي عبد الرحمن بن اسماعيل بن هشام قال: قال ابن الزبير: لله درّ معاوية إن كان ليتخادع لنا وإنّه لأدهى العرب، مع حلم لا ينادى وليده، وإن كان ليتضاعف لنا وهو أنجد العرب، فكان كما قالت النادبة:
ألا يا عين فابكيه … ألا كلّ النهى فيه
ولوددت أنّه بقي لنا ما بقي أبو قبيس.
-
المدائني قال: قال عبد الله بن فائد: كانوا يذكرون عبد الملك ومعاوية فيقولون: معاوية أحلم وعبد الملك أحزم.
-
المدائني عن عوانة عن أبيه أنّ ابن عبّاس قال: لله درّ ابن هند ولينا عشرين سنة فما آذانا على ظهر منبر ولا بساط، صيانة منه لعرضه وأعراضنا، ولقد كان يحسن صلتنا ويقضي حوائجنا.
-
المدائني عن اسحاق بن أيّوب ومسلمة بن محارب قالا: قدم رجل ممّن كان في الصائفة على معاوية، فسأله معاوية عن الناس وحالهم، فبينا هو يحدّثه إذ حبق الرجل فحصر وسكت، فقال معاوية: خذ أيّها الرجل في حديثك فما سمعتها من أحد أكثر ممّا سمعتها من نفسي.
-
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد: لم يغلبني معاوية بالسياسة إلاّ في رجل من بني تميم استعملته فكسر الخراج ولحق به فآمنه، فكتبت اليه: إنّ في هذا مفسدة للعمّال وحملا على سوء الأدب، فابعث به
vol. 6, p. 92إليّ، فكتب إليّ معاوية: إنّه لا يصلح أن أسوس وتسوس الناس سياسة واحدة، إنّا إن نشتدّ جميعا نهلك الناس ونحرجهم، وإن نلن جميعا نبطرهم، ولكن تلين وأشتدّ وتشتدّ وألين، فإذا خاف أحدهم وجد بابا فدخله.
-
حدثني الحسين بن علي بن الأسود حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا مجالد عن الشعبي عن زياد قال: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية إلا بواحدة، استعملت فلانا فكسر الخراج وهرب إلى معاوية، فكتبت اليه: إنّ هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إليّ: إنّه لا ينبغي لي ولك أن نسوس الناس سياسة واحدة، فنلين جميعا نمرج الناس في العصبيّة، وأن لا نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للغلظة والشدّة، وأكون أنا للّين والرأفة، أو قال: للرحمة.
-
المدائني عن اسحاق بن أيّوب عن خليد بن عجلان قال: دخل سعد بن أبي وقّاص على معاوية فقال له: يا معاوية أراك معجبا بما أنت فيه، والله ما أحب أنّي نلت ما أنت فيه وأنّي هرقت محجمة من دم، قال:
ولكنّني وابن عمّك قد هرقنا محجمة ومحجمة ومحاجم.
-
حدثني العمري عن لقيط المحاربي عن أشياخ من الزهريين قالوا: لمّا دخل سعد بن أبي وقّاص الشام في ولاية معاوية، بعث معاوية قوما ينعون عثمان ويلعنون قتلته ومن خذله وقعد عن نصرته، فقال سعد: هذا عمل الفاسق معاوية، فأتاه فدخل عليه فقال: يا معاوية قد سمعت قول هؤلاء الذين دسستهم، أفمن نهى عثمان عمّا فعله ثم كفّ عنه واعتزله خير أم من
vol. 6, p. 93أمر عثمان بما فعله ثم خذله وخذّل عنه؟ فقال معاوية: ما أراك أبا اسحاق رحمك الله إلا محتاجا إلى عطائك، فقد حرمته مذ ولينا، فأمر له بذلك.
-
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال:
ولي معاوية فلم يزل أمره مستقيما، ولم تزل الأموال عليه دارّة، فاستمال القلوب بالبذل والإعطاء، وكان يقول: البذل يقوم مقام العدل.
-
المدائني عن أزهر عن ابن عون عن مولى لأبي أيّوب الأنصاري أنّ أبا أيّوب قدم على معاوية فجلس معه على سريره، فقال له: يا أبا أيّوب من قتل صاحب الفرس الأشقر الذي كان يجول؟ قال: أنا قتلته يوم كنت أنت وأبوك على الجمل الأحمر تحملان لواء المشركين.
-
المدائني عن ابراهيم بن محمد قال: قال معاوية: لو كانت بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف يا أمير المؤمنين؟ قال: إن جبذوها أرسلتها، وإن خلّوها جبذتها.
-
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّه قال: قد علمت بما كان معاوية يغلب الناس، كان إذا طاروا وقع وإذا وقعوا طار، وإذا قعدوا قام وإذا قاموا قعد.
-
حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة عن أبيه قال: أغزى معاوية الناس في سنة خمسين وعليهم سفيان بن عوف، وأمر يزيد بالغزو فتثاقل واعتلّ فأمسك عنه، وأصاب الناس في غزاتهم جوع وأمراض، فأنشأ يزيد يقول:
vol. 6, p. 94ما إن أبالي بما لاقت جموعهم … بالقرقذونة (١) من جوع ومن موم (٢)
إذا اتّكأت على الأنماط في غرف … بدير مرّان (٣) عندي أمّ كلثوم
وأمّ كلثوم امرأته، وهي بنت عبد الله بن عامر بن كريز، فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه ليلحقنّ بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس ولو مات، فلحق به في فرس أنطاكية وبعلبكّ وجماعة أنهضهم معه، فبلغ بالناس الخليج، وضرب بسيفه باب الذهب وهزم الروم، وخرج وسفيان بالناس.
-
حدثني العمري عن الهيثم قال: ولّى معاوية روح بن زنباع بعلبك فرجم امرأة ورجلا، فقال الشاعر:
إنّ الجذاميّ روحا في إقامته … حدّ الإله لمعذور وإن عجلا
لو كان رفّه عن حسناء ناعمة … وعن أخي غزل لم يحسن الغزلا
فبلغ الشعر معاوية فكتب إلى روح: لا تعجلنّ بإقامة حدّ حتى تثبّت في أمره، فتكون إقامتك إيّاه بإقرار ظاهر، أو بأربعة شهداء مستورين.
-
حدثني العمري عن الهيثم بن عدّي عن يعقوب بن داود قال: خطب معاوية فقال: إنّ عمر ولاّني ما ولاّني من الشام ثم عثمان بعده، فو الله ما غششت ولا استأثرت، ثم ولاّني الله الأمر فأحسنت وأسأت، فقام اليه رجل فقال: يا معاوية بل استأثرت وأسأت ولم تحسن ولم تنصف، فقال له
vol. 6, p. 95معاوية: اجلس فما أنت والكلام؟! والله لكأنّي أنظر إلى بيتك بفخّ (١) تهفو الريح بجوانبه، بفنائه تيس وبهمة وأعنز، درّهنّ نزر يحلبن في مثل محارة ألقاها الموج، فقال: يا معاوية رأيت ذلك في شرّ زمان، وكان تحت ما رأيت حسب كريم غير دنس، فهل رأيتني قتلت مسلما وانتهكت محرما؟ قال:
وأين أنت حتى أراك وأنت لا تبرز إلاّ في خمار، وأيّ مسلم تقوى عليه حتى تقتله، اجلس لا جلست، قال: لا أجلس ولكنّي سأذهب عنك إلى أبعد أرض وأسحقها، وقام الرجل فولّى، فقال معاوية: ردّوه، فردوه فقال:
أستغفر الله، أما لقد رأيتك أتيت رسول الله ﷺ فسلّمت عليه فرّد عليك، وأهديت إليه فقبل منك، وأسلمت فحسن إسلامك، ولقد غلظ عليك منّا القول، فاذكر حاجتك فإنّي أعطيك حتى ترضى.
-
المدائني عن عبد الله بن سلم قال: خطب معاوية الناس فذكر تولية عمر أيّاه ثم قال: فو الله ما خنت ولا كذبت، ثم وليت هذا الأمر فتقدّمت وتأخّرت، وأصبت وأخطأت، وأحسنت وأسأت، فقام اليه رجل من كنانة يقال له سلمة (٢) فردّ قوله، فقال له: وما أنت وذاك؟! كأنّي أنظر إلى حفش بيتك مربوطا بطنب منه تيس، وبطنب بهمة، والريح تخفق به كأنّه جناح نسر، ولك أعنز تحتلب في مثل قواره حافر عير، قال: رأيت ذلك في زمن علينا لا لنا، أما والله إنّ حشوه لحسب غير دنس؛ ثم ذكر باقي الحديث.
- vol. 6, p. 96
المدائني عن عبد الرحمن الأنصاري قال: قدم قوم من قريش على معاوية وفيهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحي وعبد الله بن الزبير، فوصلهم وفضّل عبد الله بن جعفر عليهم، أعطاه ألف ألف درهم، فقال عبد الله بن صفوان: يا معاوية إنّما صغرت أمورنا عندك لأنّا لم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، ولو كنّا فعلنا كنّا كابن جعفر، فقال معاوية: إنّي أعطيكم فتكونون إمّا رجلا معدّا بما أعطيه لحربي، وإما مضمّا (١) له مع بخل به، وإنّ عبد الله يعطي أكثر ممّا يأخذ، ثم لا يلبث أن يلزمه من الدّين بتوسعه أكثر ممّا نعطيه، فخرج ابن صفوان وهو يقول: إنّ معاوية ليحرمنا حتى نيأس ويعطينا حتى نطمع.
-
المدائني عن مسلمة قال: أراد المغيرة أن يبلو ما عند معاوية، فكتب إليه يسأله أن يأذن له في إتيان الحجاز أو المصير اليه، فكتب إليه معاوية: إن شئت فأت الحجاز وإن شئت فصر الينا، فإنّك كما قال الأوّل:
اختر لنفسك ما بدا لك راشدا … ودع الخداع فقد كفاك الأوّل
- فكتب إليه المغيرة:
-
إنّ الذي يرجو سقاطك والذي … سمك السّماء مكانها لمضلّل
أجعلت ما ألقي إليك خديعة … حاشا الإله وترك ظنّك أجمل
المدائني عن علي بن سليم قال: قال عمرو بن العاص في مجلس معاوية: احمدوا الله يا معشر قريش الذي جعل والي أمركم معاوية، من يغضي على القذى، ويتصامّ عن العوراء، ويجرّ ذيله على الخدائع، فقال
vol. 6, p. 97عبد الله بن صفوان: لو لم يكن كذلك لمشينا إليه الضّراء ودببنا له الخمر، وقلبنا له ظهر المجنّ، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يعطيك مال مصر، فقال معاوية: يا معشر قريش حتى متى لا تنصفون من أنفسكم؟ فقال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: يا أمير المؤمنين إنّ عمرا وذويه أفسدوك علينا وأفسدونا عليك، لو أغضيت عن هذه، فقال معاوية: إنّ عمرا لي ناصح، فقال عبد الرحمن: فأطعمّنا مصر كما أطعمته ثم خذنا بمثل نصيحته، إنّا رأيناك تضرب عوامّ قريش بأياديك في خواصّها، كأنك ترى أنّ كرامها جازوك عن لئامها، ولعمر الله إنك لتفرغ من وعاء ضخم في إناء فعم (١) ، وكأنّك بالحرب قد حلّ عليك عقالها ثم لا ينظر إليك، فقال معاوية: يا بن أخي ما أحوج أهلك إليك؛ ثم قال معاوية:
أغرّ رجالا من قريش تتايعوا (٢) … على سفه منّي الحيا والتكرّم
المدائني عن مسلمة قال: قال قوم من قريش: ما نظنّ معاوية أغضبه شيء قط، فقال بعضهم: بلى إذا ذكر (٣) من أمّه غضب، فقال مالك بن أسماء المنى القرشي - وهي أمّه، وإنّما قيل لها المنى لجمالها-: والله لأغضبنّه إن جعلتم لي جعلا، فجعلوا له جعلا رضي به، فأتى معاوية وقد حضر الموسم فقال له في جماعة: يا أمير المؤمنين ما أشبه عينيك بعيني أمّك، قال: تانك عينان طال ما أعجبتا أبا سفيان، انظر يا بن أخي إلى ما أعطيت من الجعل
vol. 6, p. 98فخذه، ولا تتّخذنا متجرا، ثم دعا معاوية مولاه سعدا فقال له: أعدد لأسماء المنى دية ابنها فإنّي قد أقتلته (١) فرجع مالك فأخذ جعله، فقال له رجل: لك ضعفا جعلك إن أتيت عمرو بن الزبير فقلت له كما قلت لمعاوية، وكان عمرو ذا نخوة وكبر، فأتاه فقال له: ما أشبهك بأمّك يا عمرو، فأمر به فضرب حتى مات، فبعث معاوية بديته إلى أمّه وقال:
ألا قل لأسماء المنى أمّ مالك … فإنّي لعمر الله أقتلت مالكا
المدائني عن ابن جعدبة قال: ذكروا عند معاوية قول حذيفة: إنّي لم أشرك في دم عثمان، فقال معاوية: بلى والله لقد شرك فيه، فقال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث: الرجل كان أعلم بنفسه، فقال معاوية:
وأنت قد شركت في دمه، قال: كلا والله، ولكني كنت أنهاه عمّا قيل فيه، وكنت تأمره به، فلمّا صعب الأمر عليه استغاث بك، فأبطأت عنه حتى قتل.
-
المدائني عن مسلمة قال: أوفد زياد عبيد الله بن كعب النّميري إلى معاوية فقال معاوية: أخبرني عن زياد، قال: يستعمل على الجرأة والأمانة دون الهوى والمحاباة، ويعاقب فلا يعدو بالذنب قدره، ويسمر ويحبّ السمر ليستجمّ بحديث الليل تدبير النهار، قال: أحسن، إنّ التثقيل على القلب مضرّة بالرأي، فكيف رأيه في حقوق الناس؟ قال: يأخذ ما له عفوا ويعطي ما عليه عفوا، قال: فكيف عطاياه؟ قال: يعطي حتى يقال جواد ويمنع حتى يقال بخيل، قال معاوية: إنّ العدل ضيّق وفي البذل عوض من
vol. 6, p. 99العدل، فكيف الشفاعة عنده؟ قال: ليس فيها بمطمع، ما أراد من خير جعله لك أو له.
-
المدائني قال: قال رجل من قريش لمعاوية: يا معاوية لا تباعدنّ منّا ما قرّب الله، ولا تصغّرنّ ما عظّم، ولا تقطعنّ منّا ما أمر الله به أن يوصل، فقال معاوية: يرحمك الله، والله ما صغّرت منكم شيئا إلا بما أنزلتموه بأنفسكم، وما باعدت منكم إلاّ ما تباعدتم به منّي، ولا قطعت إلاّ ما بدأتم بقطعه، هذا مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، وعمرو بن العاص شرّفتهم بالمنابر، وولّيتهم معالي الأمور، ثم لا تزال تأتيني منهم هنة كراغية البكر (١) .
-
المدائني عن علي بن سليم قال: قال ابن الزبير: يا معاوية إذا استعتبناك من أمر فأعتبناه منه، ولا تحملنا على ما نكره، فإنّك إن لم تحتمل رجال قريش عابوك وخذلوك وقاتلوك، وإذا هممت لنا بخير فهنّئناه قبل المسألة، فإنّك إذا ألجأتنا إلى المسألة أخذت ثمن عطيّتك، فقال معاوية:
والله ما استعتبتموني من أمر قطّ إلا وجدتموني قد استعتبتكم من أعظم منه، وأمّا إعطائي إيّاكم قبل المسألة فمن سألنا أعطيناه ومن استغنى عنّا وكلناه إلى غناه، وأحبّكم إلينا السائل، فاعترفوا بذنوبكم، فقال عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه: ما لنا إليك ذنب فنعتذر منه، وإنّ خيرك علينا لقليل فقال معاوية متمثّلا:
vol. 6, p. 100إذا العفو لم ينفع ولم يشكر امرؤ … وجاشت صدور منكم حشوها الغمر
فكيف أداوي داءكم ودواؤكم … يكون لكم داء فقد عسر الأمر (١)
-
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: ذكر معاوية يوما الوليد بن عقبة فتنقّصه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وقال: إنّه يرى أنّه أحقّ بما أنت فيه منك لمكانه من عثمان، أخيه لأمّه، فلم يجبه معاوية رضي الله تعالى عنه، وبلغ الوليد فدخل عليه فقال: يا معاوية إذا دبّت الرجال إليك فينا بالباطل فلا تقبل منهم ما لا تعرفنا به، وخذ منّا عفو طاعتنا، ولا تجشّمنا ما لا نريد، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: إنّي لا أقبل فيكم إلا ما أعرفكم به، وكلّ ذنب عنكم موضوع ما خلا القدح في هذا الملك.
-
وحدثني أبو مسعود عن عوانة قال: دخل عدّي بن حاتم الطائي على معاوية فقال له ابن الزبير: يا أبا طريف متى ذهبت عينك؟ قال: يوم فرّ أبوك وقتل خالك - يعني طلحة لأنّه من بني تيم - وضربت على قفاك، وأنا مع الحقّ وأنت مع الباطل، فقال معاوية: ما بقي من حبّك لعلي؟ قال:
هو على ما كان وكلّما ذكر زاد، فقال معاوية: يا أبا طريف ما نريد بذكرك له إلا خلافه، قال: إنّ القلوب إذا بيدك يا معاوية، فقال معاوية: إنّ طيّئا كانوا لا يحجّون البيت ولا يعظّمون حرمته، فقال عديّ: كنّا كما قلت إذ كان البيت لا ينفع حجّة ولا يضرّ تركه، فأمّا إذ نفع وضرّ تركه فإنّا نغلب الناس عليه، وكانت طيء وخثعم لا يحجّون فكانوا يدعون الأفجران.
- vol. 6, p. 101
المدائني عن عبد الله بن عبد الرحمن الهمداني قال: دخل أبو الطفيل عامر بن واثلة على معاوية فقال له معاوية: يا أبا الطفيل أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكنّي ممّن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: منعني أنّ المهاجرين والأنصار لم ينصروه، ولا رأيت أحدا نصره، قال: أوما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال:
- يا معاوية أنت وعثمان كما قال الشاعر:
-
لا ألفينّك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زوّدتني زادي
فقال معاوية: يا أبا الطفيل فما بقي من وجدك بعلي؟ قال: وجد العجوز المقلاة والشيخ الرّقوب، قال: فكيف كان حبّك له؟ قال: حبّ أمّ موسى لموسى، وأشكو إلى الله التقصير.
-
المدائني عن عامر بن حفص أنّ الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد المجاشعي وفدوا على معاوية، فوصلهم وفضّل الأحنف وجارية، أعطاهما مائة ألف، وكان الأحنف بن قيس وجارية علويّين وكان الحتات مع عائشة يوم الجمل: فقال: يا أمير المؤمنين فضّلت من كان عليك على من كان لك، قال: إنّي اشتريت دينهم، قال: ومنّي فاشتر ديني، فألحقه بهما، فعرضت له علّة مات منها قبل قبضه صلته، فحبس معاوية المال، فقال الفرزدق:
أبوك وعمّي يا معاوي أورثا … تراثا فيحتاز التّراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات حبسته … وميراث حرب جامد لك ذائبه
ولو كان إذ كنّا وللكفّ بسطة … لصمّم عضب فيك ماض ضرائبه
فلو كان هذا الأمر في جاهليّة … علمت من المولى القليل حلائبه
vol. 6, p. 102ولو كان في دين سوى ذا عرفتم … لنا حقّنا أو غصّ بالماء شاربه
وكم من أب لي يا معاوي لم يزل … أغرّ يباري الريح مذ طرّ شاربه
نمته فروع المالكين ولم يكن … أبوك الذي من عبد شمس يخاطبه
تراه كنصل السيف يهتزّ للندى … جوادا منيع الجار جزلا مواهبه (١)
-
فأنشد معاوية الشعر، فلمّا بلغ إلى قوله: «ولم يكن أبوك الذي من عبد شمس يخاطبه» قال: صدق والله، ما كان قدره أن يخاطبه أبي.
-
وزعموا أنّ الفرزدق كان باع جملا وصرّ ثمنه، فعيّره رجل بصرّه وقال: لو كنت كريما ما صررت هذا الصرّ، فرمى بالدراهم ونثرها حتى انتهبها الناس، وبلغ ذلك زيادا فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فطلبه فلم يوجد وبلغه هذا الشعر فقال: من صاحبه؟ فقيل: الذي نثر الدراهم، فجدّ في طلبه، فكان يهرب من البصرة إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى البصرة، وذلك أنّ زيادا كان يأتي هذه مرّة وهذه مرّة.
-
وكان المنصور أمير المؤمنين إذا ذكر شعر الفرزدق في معاوية قال: قبح الله معاوية ورأيه، ما كان هذا لحلم وما كان إلاّ ضعفا.
-
المدائني قال: قال ابن أمّ الحكم ليزيد بن معاوية: خالي من قريش وخالك من كلب، فشكاه يزيد إلى معاوية، فقال معاوية: قل له فجئني بأب مثل خالك.
-
ولمّا مات سعيد بن العاص قال معاوية لعمرو بن سعيد: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إليّ ولم يوص بي، فقال: إنّه الأشدق.
- vol. 6, p. 103
حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة - وذكره المدائني عن جويرية - أنّ عمرو بن العاص قال لعبد الله بن عبّاس: يا بني هاشم، أما والله لقد تقلّدتم من دم عثمان كفرم (١) الإماء العوارك، وأطعتم فسّاق أهل العراق في عيبه، وأجزرتموه مرّاق أهل مصر، وآويتم قتلته، وإنّما نظر الناس إلى قريش، ونظرت قريش إلى بني عبد مناف، ونظر بنو عبد مناف إلى بني هاشم، فقال ابن عبّاس لمعاوية: ما تكلّم عمرو إلا عن رأيك، وإنّ أحقّ الناس أن لا يتكلّم في قتل عثمان لأنتما، أمّا أنت يا معاوية فزيّنت له ما صنع، حتى إذا حصر طلب نصرك، فأبطأت وتثاقلت وأحببت قتله، وترّبصت لتنال ما نلت، وأما أنت يا عمرو فأضرمت المدينة عليه نارا، ثم هربت إلى فلسطين، فأقبلت تحرّض عليه الوارد والصادر، فلمّا بلغك قتله دعتك عداوة علي إلى أن لحقت بمعاوية، فبعت دينك منه بمصر، فقال معاوية: حسبك يرحمك الله، عرّضني لك ونفسه فلا جزي خيرا.
-
المدائني عن عبد الله بن المبارك قال: أراد عمرو بن العاص معاوية على أن يكتب له مصر طعمة ويبايعه، فقال معاوية: إنّي لا أحب أن يقول الناس إنّك إنّما بايعتني على تأمير لك وشكم (٢) ، فقال له مروان: أبا عبد الله إنّ هذا ليس بيوم مسألة، وقد تدانت الأمور بك فلا تدبرنّ بعد إقبالها، فقال عمرو: يا مروان قدمت على معاوية وأمره زلق دحض منفرج انفراج القتب، فما برحت أبرمه قوّة بعد قوّة حتى تركته على مثل دائرة الفلكة،
vol. 6, p. 104ولعمر الله إن تركته والشبه المشكلات لتهننّ قواه حتى يدبر عنه ما قد تدانى منه، فقال مروان: إن يكن الله قد سهّل بك أمرا، فمثلك سهّل الله به الوعر وأعان به على حسن العاقبة، فقاربه فإنه مؤاتيك، ثم قال لمعاوية:
أيّها الرجل إنّ الأمور قد لزم بعضها بعضا، فاكمش أمرك، واكتب له بما أراد، فليس مثل عمرو يبخل عليه بالجزيل يطلبه، فكتب له؛ وقال معاوية للكاتب: اكتب لا ينقض شرط طاعة، فقال عمرو: لا ولكن اكتب ولا تنقض طاعة شرطا.
-
فلمّا قتل محمّد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما بمصر، غلب عمرو عليها، واستقامت الأمور لمعاوية، فلم يحمل عمرو إليه منها شيئا، فكان أهل معاوية يسألونه أن يكتب إلى عمرو في هدايا مصر فيقول: عمرو جموح طموح منوع، فاعفوني من الكتاب إليه واكتبوا أنتم، فكانوا يكتبون إليه فلا يبعث إليهم بشيء، فقالوا لمعاوية: اعزله، فقال: أمّا عزله فلا، ولكنّي أروّعه بالقدوم فإنّه شبيه بالعزل له، فكتب إليه فقدم، فقال معاوية: يا عمرو بلغني أنّك تقوم على منبر مصر فتذكر بلاءك بصفّين، فإن كان ذلك لله فأجرك عليه، وإن كان للدنيا فقد أعظمنا مكافأتك، فهل علمت أنّك قد نقضت شرطك لردّك كتبي؟ قال: ما رددت لك كتابا أعلم أنّه منك، ولكنّه كانت تأتيني كتب على لسانك؛ فأمّا قيامي على المنبر فلم أرد به منّا عليك، وأمّا قولك إني أعظمت مكافأتك بمصر فعليها بايعتك، قال: انصرف إلى رحلك، فانصرف ثم عاد إليه من الغد، فقال: يا أمير المؤمنين لم أزل أقدح في غارب خير بمصر حتى رجعت إليك، وقد رأيت أن أحضرك ما قدمت به لترى فيه رأيك، فقال معاوية: أمسك عليك مالك،
vol. 6, p. 105واعلم أنّك اذا دعيت إلى مأدبة قوم - أو قال مائدة قوم - فقد عدّك أهلها ممّن يأكل، فإن شئت فكل وإن شئت فجع، وما أعطيتك مصر إلا لأنفعك، فارجع إلى عملك.
-
المدائني عن أبي زكرياء العجلاني عن عكرمة بن خالد قال: قدم معاوية المدينة يريد الحجّ، فلقيه الحسين عليه السلام فقال له: يا معاوية قد بلغني ذكرك وذكر ابن النابغة بني هاشم بالعيوب، فارجع إلى نفسك وسلّط الحقّ عليها، فإنّك تجد أعظم عيوبها أصغر عيب فيك، لقد تناولتنا بالعداوة وأطعت فينا عمرا، فو الله ما قدم إيمانه ولا حدث نفاقه، والله ما ينظر لك ولا يبقي عليك، فانظر لنفسك أو دع.
-
المدائني عن غسّان بن عبد الحميد عن أبيه أنّ معاوية قال لشدّاد بن أوس: قم فاذكر عليا وتنقّصه، فقام شدّاد فقال: الحمد لله الذي افترض طاعته، وجعل في التقوى رضاه، على ذلك مضى أوّل الأمة، وعليه يمضي آخرهم؛ أيّها الناس إنّ الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإنّ الدنيا أجل حاضر، يأكل فيها البرّ والفاجر، وإنّ السامع المطيع لا حجّة عليه، وإنّ السامع العاصي لا حجّة له، وإن الله إذا أراد بالناس صلاحا عمل (١) عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقاؤههم، وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شرّا عمل عليهم سفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وجعل المال عند بخلائهم، وإنّ من صلاح الولاة أن تصلح
vol. 6, p. 106قرابينها (١) ووزراؤها، نصحك يا معاوية من أسخطك بالحقّ، وغشّك من أرضاك بالباطل؛ فكره معاوية أن يجيء بشيء يكرهه فقال: اجلس رحمك الله، وأمر له بمال، فقال معاوية: ألست من السمحاء؟ قال: إن كان من مالك دون مال المسلمين ممّا تعهّدته عند جمعه مخافة تبعته، تعهّده لك من محضك النصح وآثر الحقّ، وإن كنت أصبته اقترافا وأنفقته إسرافا فإنّ الله يقول ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ (٢) .
وقال العتبي: دخل عبد الرحمن بن شيحان، وكان أبوه حليفا لحرب، على سعيد بن العاص فقال له سعيد: قلت:
إنّي لأشربها حتّى تميل بنا … كما تمايل وسنان بوسنان
قال: معاذ الله أن أشرب الخمر وأصفها، ولكنّي الذي أقول:
عمدت بحلفي للطوال وللذّرى … ولم تلقني كالنّسي في ملتقى الحرب
فقال عمرو بن سعيد لأبيه: ما يمنعك من ضربه مائة سوط؟ قال؛ أي بنيّ أضربه وهو حليف معاوية؟ ! فقال معاوية لسعيد: أمرك أحمقك أن تضرب حليفي، والله لو ضربته مائة سوط لضربتك مائتين، ولو قطعت يده لقطعت يديك، قال غفرا يا أمير المؤمنين، فإنّك ضربت حليفك عمرو بن جبلة، قال: إنّي آكل لحمي ولا أوكله.
-
المدائني عن جويريه بن أسماء قال: قال معاوية لشدّاد بن أوس: أنا أفضل أم عليّ، وأيّنا أحبّ أليك؟ قال: عليّ أقدم إسلاما وهجرة، وأكرم بيتا وعتره، وأقدم لنبي الله نصرة، وأشدّ إلى الخير سبقا، وأشجع نفسا
vol. 6, p. 107وأسلم قلبا، وأمّا الحبّ فقد مضى عليّ رحمه الله ، وأنت اليوم عند الناس أرجى منه.