أمر زياد بعد الدعوة

124 paragraphs · vol. 6, p. 205

Page 1 of 4

  1. قالوا: وولّى معاوية زيادا البصرة، فلمّا قدمها كان بينه وبين أقوام عداوة صعد المنبر فقال: الحمد لله الذي رفع منّي ما وضع الناس، وعظّم ما صغّروا، ألا وإنّه قد كان بيني وبين أقوام منكم أشياء قد جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، ألا إنّ القدرة تذهب الحفيظة، ألا وإني لو اطّلعت على بعضكم وقد ورّاه بغضي لما هتكت له سترا ولا كشفت له قناعا حتّى يبدي صفحته، فإذا فعل لم أناظره، فأعينوني على أنفسكم يرحمكم الله، ألا وربّ مغتبط بقدومنا سييأس ممّا قبلنا، وآيس ممّا قبلنا سيغتبط بنا، ثم نزل، فلمّا كان الغد من يومه دعا رجلا من الشرط فقال له: انطلق إلى سنان بن مشنوء المزني فادعه، فانطلق إليه فوجده متصبّحا (١) ، فرجع إلى زياد فأعلمه، فقال:

    انطلق إلى ابن أبي الحرّ فادعه فإنّك ستجده متحزّما، وكان بينهما شيء، فانطلق فوجده في داره متحزّما، بين يديه رواحل تعلف، فقال: أجب الأمير، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ما لي وللأمير، ثمّ ذكر قوله على المنبر فانطلق مع الرسول، فاستعمله على دستميسان (٢) فمكث عليها حينا.

    vol. 6, p. 205
  2. المدائني قال: جاء قوم من أهل ميسان أو دستميسان فقالوا: البصرة من أرضنا، فحطّ عنّا من خراجنا بقدر ما في أيدي العرب، فدعا بني الشعيراء، وكانوا أشعب أهل البصرة فأخبرهم بقولهم، فشتموهم وضربوهم حتّى تركوا خصومتهم وهربوا.

    vol. 6, p. 206قالوا: وسمع زياد حين قدم البصرة تكبيرا في بعض الليالي، فقال:

    ما هذا؟ قيل هذه دار عبيد بن عمير تحرس لأنّ الناس من البيات والسّرق في أمر عظيم، وإن المرأة لتستغيث فما يغيثها أحد، فقال زياد: ما كلّ الناس يقدر على ما يقدر عليه عبيد، ما قدومي ها هنا إلا باطل، فلمّا أصبح جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس أنّه بلغني ما لا صبر عليه، إني قد أجّلتكم في أن يبلغ شاهدكم غائبكم ثلاثا، إنّا إن وجدنا أحدا بعد صلاة العتمة ضربنا عنقه، ثمّ نزل.

  3. وجعلوا يتحدثون بقوله فيهزأوون، فلمّا مضى الأجل دعا عبّاد بن الحصين الحبطي، وكان قد ولاه شرطه، فأمره فطاف فلم يجد أحدا بعد العتمة الا ضرب عنقه، فأصبح في الرحبة خمسمائة رأس، وفعل ذلك ليالي متوالية، فجعل الناس إذا سلّم الإمام في العتمة نهض الرجل من خلفه مبادرا فرّبما ترك نعليه من العجلة، ثمّ نادى مناديه: برئت الذمّة من رجل أغلق بابه، ومن ذهب له شيء فأنا له ضامن، ففتح الناس أبوابهم لا يخافون سرقا.

    قال هشام بن الكلبي: وبعث زياد بقطيفة ديباج منسوجة بذهب فألقيت بالخريبة (١) ، فمكثت ليالي وأياما ما يمسّها أحد، فبعث إليها بعد فأتي بها.

    قال: وقدم أعرابيّ ذات ليلة بغنم له يريد بيعها، فلمّا استوحش من الجبّانة دخل البيوت، فأخذه عبّاد بن الحصين فقال: ويحك أما علمت بنداء

    vol. 6, p. 207الأمير؟ قال: لا والله، فرحمه عبّاد. فلمّا أصبح دفعه إلى زياد فسأله عن قصّته فأخبره، فقال: لا أراك إلا صادقا ولكن أكره أن أكذب نفسي في وعدي ووعيدي، اضربوا عنقه. فقتل.

    قال هشام بن الكلبي: وأتي زياد بنباشين فأمر بهم فدفنوا أحياء، وأتي برجل غرّق زرعا فغرّقه في الماء، وأمر برجل أحرق دارا فأحرق بالنار.

    قالوا: ونبش قبر فقال زياد لنافع بن الحارث: اخرج فانظر قبرا دفن صاحبه اليوم فكن قريبا منه، فإنّك ستجد الذي نبش القبر ينبشه، ففعل، وجاء النبّاش على ما ظنّ زياد، فأخذه بعد أن رماه رمية أثخنته، فأمر زياد بدفنه في القبر.

    وقال ابن الكلبي: قدم زياد وهو يريد البصرة، فلمّا صار ببعض الطريق أتاه موت المغيرة بن شعبة بالكوفة، فخاف أن يستعمل ابن عامر على الكوفة وقال: إن وليها لم آمن أن يضرّنا جواره ويلجأ أهل خراجنا إليه، فكتب إلى معاوية: كتبت إليك وقد مات المغيرة وترك بحمد الله ونعمته من عروة بن المغيرة خلفا صالحا عفيفا أمينا مسلما طيّبا، وأرى أن يولّيه أمير المؤمنين عمل والده فيصطنعه ويرعى حقّ والده فيه، فإنّي أرجو أن يعرف في ذلك الخيرة إن شاء الله، فلمّا قرأ معاوية الكتاب ضحك وعرف ما أراد، فكتب إليه: ليفرخ روعك يا أبا المغيرة، لست بمولّ عبد الله بن عامر؛ وبعث إليه بعهده على الكوفة، فجمع له المصرين وأعمالهما، فكان أوّل من ضمّا إليه.

    وقال ابن الكلبي: قدم زياد الكوفة حين أتته ولايتها وهو بالبصرة، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أن

    vol. 6, p. 208آتيكم في ألف من الشرط ثمّ نظرت فوجدتكم أهل حق، ووجدت حقكم طال ما دمغ الباطل، فجئتكم في أهل بيتي، فالحمد لله الذي رفع منّي ما وضع الناس وحفظ ما ضيعوا.

  4. المدائني أنّ جماعة قال بعضهم لبعض: أزياد أفضل أم عبيد الله؟ فقال: شيخ منهم: إنّ لم يولّد لعبيد الله ابن مثله فزياد أفضل من عبيد الله.

  5. وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود العجلي حدثنا أبو بكر بن عيّاش حدثنا أبو حصين قال: لمّا استعمل معاوية زيادا، حين هلك المغيرة، على الكوفة جاء حتى دخل المسجد فصلّى ركعتين ثمّ خطب فقال: الحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس وحفظ منّي ما ضيّعوا، أيها الناس إنّا قد سسنا وساسنا السائسون، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة في غير عنف، واللين في غير ضعف، ألا فلا أفتحنّ بابا فتغلقوه، ولا أغلق بابا فتفتحوه، ولا أعقد عقدة فتحلّوها، ولا أحلّها فتعقدوها، ألا وإني لا أعدكم خيرا ولا شرا إلا وفيت به، فمتى وجدتم علي خلفا أو كذبا فلا طاعة لي عليكم، وأيّ رجل مكتبه بعيد فأجله سنتان ثمّ هو أمير نفسه، وأيّ رجل مكتبه قريب فأجله سنة ثمّ هو أمير نفسه، وأيّ عقال ذهب فيما بين مقامي هذا وخراسان فأنا له ضامن؛ إنّا لكم قادة وعنكم ذادة، ومهما قصّرت فيه فلن أقصّر في ثلاث: لن أحبس لكم عطاء، ولا أحرمكم رزقا، ولا أجمّر لكم جيشا، فاستوجبوا عدلنا بطاعتكم إيانا، وسخاءنا بسخاء أنفسكم لنا، وأدعوا الله لأئمّتكم بالعافية فإنّهم حصنكم الذي تستجنّون (١) وكهفكم الذي إليه تلجأوون.

  6. المدائني قال: استأذن عوف بن القعقاع على زياد، وكانت عنده أخته عمرة بنت القعقاع، فأغلظ له الحاجب فضربه بقضيب كان معه فأدماه، فدخل على زياد فقال: من ضربك؟ فقال: رجل بالباب لا أعرفه، فقال زياد للاحنف: أقدم عوف؟ قال: نعم، فهو صاحبه، أدخله، فلمّا دخل قال له:

    يا عوف إنّ خدمي لا يستذلّون ولو كنت تقدّمت إليك لقطعت يدك.

    vol. 6, p. 209
  7. المدائني عن أبي هلال الراسبي قال: استعمل زياد أمير بن أحمر على سابور، فكتب إليه أن يقتل دهقانا هناك فلم يفعل، فاستعمل غيره فقتل الدهقان.

  8. المدائني عن مسلمة قال: استعمل زياد أميّة بن عبد الله بن خالد على الآبلّة، واستعمل مسروق بن الأجدع على السلسلة، فهنأه رجل فقال: وقاك الله خشية الفقر، وطول الأمل.

  9. العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش قال: قال أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد لأبيه: قد أردت التزويج وما عندك مال، وما أظنّني إلا سآتي زيادا فأخطب إليه، فقال: يا بني والله ما أحبّ أن تخلط سمنك بإهالته، قال: فرحل إليه فلقيه بالبصرة، فسأله عن سبب قدومه فقال له: قدمت إليك لتزوجني وتصلني، فقال: نعم ونعمة عين، فزوّجه آمنة بنت زياد، ثمّ قال لمهران مولاه وكاتبه على الخراج: اطلب له كورة ترتفع عن عمق السواد وتتنحّى عن حزونة الجبال وبردها، فقال: السوس، فولاه إيّاها، قال أميّة:

    فو الله ما كنت أفترش إلا الخزّ ولا أشرب إلا السكّر، ولقد عزلت عنها وما أظنّ أحدا من الخلق يلبس إلا الخزّ ولا يشرب إلا السكّر. ولمّا قدم على زياد أمر

    vol. 6, p. 210بمحاسبته، فرآه أبوه فقال لزياد: أيّها الأمير أتحاسب أميّة؟ فقال: نعم يا أبا أميّة، إنّا نريد أن نصلح له حسابه خوفا من التبعة عليه، قال: فنعم إذا.

    وقال المدائني، قال زياد لأميّة: انّك تحب النعمة، وبالسوس خزّ وسكّر، فولاه إيّاها فأصاب خمسمائة ألف درهم، فأخذ منه زياد نصفها وسوّغه النصف.

  10. المدائني قال: أرسل زياد إلى قوم كانوا يصيبون الطريق فيهم مالك بن الريب فضمّن كلّ رجل منهم ما يليه، فقال الشاعر يذكر مالكا وأصحابه:

    الله نجّانا من القصيم … ومن أبي حردبة الأثيم

    ومن غويث فاتح العكوم … ومالك وسيفه المسموم

    قالوا: وأراد زياد الحجّ، فأتاه أبو بكرة - وهو لا يكلّمه مذ ترك زياد الشهادة على المغيرة بن شعبة وعرّضه لأن حدّ - فدخل عليه، وأخذ ابنه فأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع أباه زيادا فقال: انّ أباك هذا أحمق قد فجر في الإسلام ثلاث فجرات: أولاهنّ كتمانه الشهادة على المغيرة، والله يعلم أنّه قد رأى ما رأينا، والثانية في انتفائه من عبيد وادعائه إلى أبي سفيان، وأقسم أنّ أبا سفيان لم ير سميّة قطّ، والثالثة أنّه يريد الحجّ وأمّ حبيبة زوج رسول الله ﷺ هناك، وإن اذنت الأخت لأخيها فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله ﷺ ، وإن هي حجبته فاعظم بها عليه حجّة، فقال زياد: ما تدع النصح لأخيك على حال، وترك الحجّ في تلك السنة، وماتت أمّ حبيبة في سنة أربع وأربعين.

  11. حدّثني روح بن عبد المؤمن حدثني عمّي أبو هشام عن المبارك بن فضالة عن الحسن البصري قال: ذكر الحسن زيادا فقال: ما كان أجرأه على

    vol. 6, p. 211الله، سمعته يقول لآخذنّ الجار بالجار، والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (١) وكنت تراه فترى جمالا: يكسر عينيه ويثني عطفه معرضا عمّا خلق له، قتل حجرا وملأ الأرض شرّا.

  12. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد: يعجبني من الرجل إذا سيم خطّة ضيم أن يقول: «لا» بملء فيه، وإذا أتى مجلس قوم أن يعرف قدره فيجلس مجلسه، وإذا ركب دابّة أن يحملها على ما يريد ولا تحمله على ما تريد، وقلّ من رأيته هكذا إلا وجدته مبرّزا.

    قال: وقال زياد: جنّبوني عدوّين لا يقاتلان الشتاء وبطون الأودية.

  13. وكان يقول: لم يعجبني فتح أتى على غير تقدير.

    وقال زياد لعمّاله: استعملوا عمّال المعذرة ومن يزنّ بصلاح، وإيّاكم ومن يحترس منه.

  14. وكان بالبصرة حين قدمها زياد سبعمائة ماخور فهدمها، وركب إلى ماخور كان في بني قيس بن ثعلبة فتولّى هدمه، وكان لا يقبل شهادة بني قيس بن ثعلبة بالعشيّ ولا يعدي عليهم.

    وقال المدائني: أهدي لزياد حمار وحش فقال له فيل مولاه: قد بعث إلينا بهمار وهش، قال: اسكت قبحك الله فما أدري ما تقول، قال: أهدي إلينا أير - يعني عيرا - فقال: الأوّل أمثل.

    قال: ووفد زياد إلى معاوية وعنده عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فنظر إليه، وسلّم عبد الله عليه فلم يردّ السّلام، فقال له: يا أبا المغيرة

    vol. 6, p. 212ما هذه الهجرة؟ فقال: إنّه ليس بيننا بحمد الله هجرة، ولكنّه مجلس لا يقضى فيه إلا حقّ أمير المؤمنين وحده.

    قال: وكتب كاتب في ديوان زياد: ثلاثة دنان فقال: أخرجوا هذا الكاتب من ديوانكم وأصلحوها ثلاثة أدنّ.

  15. وكان زياد يقول: العجب من الخوارج أنّك تجدهم من أهل البيوتات والشرف وذوي الغناء وحملة القرآن وأهل الزهد، وما أشكل عليّ أمر نظرت فيه غير أمرهم، فمن كفّ عنّي يده ولسانه كففت عنه.

    قالوا: وكان زياد أوّل من أحدث ديوان خاتم وديوان زمام، وأولّ من عرّف العرفاء ونكّب المناكب (١) وحبس بالظنّة وأخذ الجار بالجار.

  16. وحدثني عمرو بن محمّد عن أبي نعيم عن يونس عن الحسن قال: تتبّع زياد شيعة عليّ بن أبي طالب يقتلهم، فقال الحسن: اللهمّ تفرّد بموته فإنّ القتل كفّارة.

  17. حدثني العمري عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي أنّه قال: لم أسمع متكلّما قطّ يكثر ويطيل إلا تمنّيت أن يسكت مخافة أن يسيء، إلا زيادا فإنّه كان لا يزداد كلاما إلا ازداد إحسانا.

    قال: وكان حارثة بن بدر الغداني أليفا لزياد، فأتاه وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال: ركبت برذوني الكميت فاعترم بي فسقطت، فقال: أما والله لو ركبت الأشهب لسلمت.

  18. وكان زياد يقول: المروءة اجتناب الريب وإصلاح المال وقيام الرجل بأمر أهله، فإنّه لا يستكمل النّبل من احتاج أهله إلى غيره.

    vol. 6, p. 213
  19. المدائني قال: قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: أبدأ بأهل السابقة والقدم، ثمّ أدعو أهل الشرف، ثمّ ذوي الأسنان، قال: فقد ولّيتك حجابتي وعزلتك عن أربعة: المنادي بالصلاة، وطارق الليل فأمر جاء به، ورسول صاحب الثغر فإن أبطأ ساعة فسد بإبطائه عمل سنة، وصاحب الطعام إذا أدرك طعامه فإنّه إذا أعيد إسخان الطعام فسد.

    قالوا: وكان زياد يقول: ما أعلم شيئا بعد الإخلاص وأداء الفرائض أفضل من نصيحة الوالي رعيّته.

    قالوا: وكان زياد يقول: لأن يجاور أحدكم أسدا في أجمة خير له من أن يجاور تاجرا إذا شاء أن يسلفه أسلفه وكتب عليه صكّا.

    وقال هشام بن الكلبي عن عوانة: قدم زياد على معاوية في بعض وفاداته فقال له: ما بلغ من سياستك رعيّتك؟ قال: أقمتهم بعد جنف (١) ، وكففتهم عمّا لا يعرف، فأذعن المعاند رغبة، وخضع الأصيد الغشوم رهبة، قال: لله أبوك، فبأي شيء صيّرتهم إلى ذلك؟ قال: بالمرهفات القواضب يمضيها الحزم يتبعه العزم، فقال معاوية: أنا ابن هند، لكنّي ضبطت رعيتي بالحلم والحجى، وتودّدت ذوي الضغن بالبذل والإعطاء، واستملت العامّة بأداء الحقوق، وعقبت بين أهل الثغور فسلمت لي الصدور عفوا، وانقادت لي الأخشّة (٢) طوعا.

  20. المدائني عن مسلمة أنّ زيادا قال: اثنان يتعجّلان النصب ولعلّهما لا يظفران ببغية: الحريص في حرصه، ومعلّم البليد ما لا يبلغه فهمه.

    وقال مسلمة بن محارب، قال زياد: ما كذبت قطّ إلا مرّة واحدة، رأيت رجلا من بني تميم فقلت له اين تريد؟ قال: أريد عبد الرحمن بن زياد، وكان بالطفّ، فقلت: أرجع وإلا قطعت منك طابقا، وكان الرجل يشارب عبد الرحمن النبيذ، ثمّ رأيته بعد فقلت: أين تريد؟ قال: عبد الرحمن، فقلت: ألم أنهك عنه؟ فقال: أيّها الأمير لا صبر عنه، فقلت: إنّ رجلا طابت نفسه بقطع طابق منه بمحبّة عبد الرحمن لأهل لأن لا يؤذى، أمض إليه.

    وقال أبو اليقظان: كان زياد يكسر عينه فقال الفرزدق.

    وقبلك ما أعييت كاسر عينه … زيادا فلم تقدر عليّ حبائله

    المدائني عن مسلمة بن محارب وابن الكلبي عن عوانة قال: أشرف زياد على بلج بن نشبة السعديّ وهو بباب داره، وكان خليفة لصاحب حرسه، وهو صاحب حمّام بلج، فقال:

    ومحترس من مثله وهو حارس

    المدائني قال: اختصم بنو راسب والطفاوة في رجل وأقاموا جميعا البيّنة عند زياد، فقال سعد الرابية: أصلح الله الأمير، يؤتى به النهر فيلقى فيه فإن كان من راسب رسب، وإن كان من الطفاوة طفا، فضحك زياد وقال:

    لا تعد لمزاح في مجلسي.

    vol. 6, p. 214
  21. المدائني عن مسلمة وغيره أنّ زيادا قال على المنبر: إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور (١) لو بلغت إمامه سفكت دمه.

  22. المدائني قال: كان زياد يقول من قدر فلا يمنعنّ حسن الاستماع.

    vol. 6, p. 215
  23. حدثني عبد الله بن صالح حدثني بعض أصحابنا أنّ رجلا قدّم إلى زياد صديقا له في منازعة كانت بينهما، فقال: أصلح الله الأمير إنّه يدّعي أنّ بينك وبينه مودّة، فقال: صدق وأنا ناظر فيما بينكما، فإن ثبت لك عليه حقّ أدّيناه عنه، وإن ثبت له عليك شيء أخذناك به له أخذا عنيفا.

  24. المدائني عن مسلمة، قال: شخص زياد إلى معاوية ومعه الأحنف وعدّة من وجوه أهل البصرة، فقال زياد: يا أمير المؤمنين أشخص أقواما إليك الرّغبة، وأقعد آخرين العذر، ولكلّ من سعة رأيك وفضلك ما تجبر المتخلّف، ويكافأ به الشاخص، فقال الأحنف: ما نعدم منك يا أمير المؤمنين نائلا جزيلا وبلاء جميلا ووعدا ناجزا، وزياد عاملك المستنّ بسنّتك المحتذي لمثالك، ونستمتع الله بك، فما نقول الا كما قال زهير، فإنّه ألقى عن المادحين فضل الكلام حين قال:

    وما يك من خير أتوه فإنّما … توارثه آباء آبائهم قبل (١)

  25. فحباهم معاوية وبعث معهم إلى من تخلّف من الوجوه بصلات.

  26. حدثني الحررمازي عن جهم بن حسّان السليطي وغيره قالوا: كتب زياد كتابا قرئ على أهل المصر نسخته: أمّا بعد، فالحمد لله على إفضاله وإحسانه، وإيّاه أسأل المزيد في نعمائه، وإليه أرغب في زيادتنا شكرا كما زادنا إحسانا، ثمّ إنّ الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغيّ المورد أهله النار ما يأتيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام التي ينبت عليها

    vol. 6, p. 216الصغير ولا ينحاش لها الكبير، كأن لم تسمعوا بنبيّ الله، ولم تقرأوا كتاب الله، ولم تعرفوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب. الأليم لأهل معصيته، في الدار التي لا تزول شدّتها ورخاؤها، أترضون أن تكونوا كمن طرفت عينه الدنيا وسدّت مسامعه الشهوات، فاختار الفانية على الباقية؟ قد أحدثتم هذه المواخير وسلبتم الضعيف في النهار المبصر والليل المظلم، أما منكم نهاة تمنع الغواة من الغارة في النهار والسرق في الليل؟ تعتذرون بغير عذر، وتسحبون ذيولكم على الغدر، كلّ امرئ منكم يذبّ عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا، فلم يزل بسفهائكم ما ترون من قيام حلمائكم دونهم، وذبّهم عنهم، وسترهم عليهم، حتّى انتهكوا حرمة الإسلام، وكنسوا في مكانس الريب، حرم عليّ الطعام والشراب حتّى أسوّيها هدما وإحراقا، وتقطيعا ببطون السياط ظهور الغاوين، وإني أقسم بالله لآخذن الوليّ بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح في نفسه بالسقيم النطف، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول:

    أنج سعد فقد هلك سعيد، أو لتستقيمنّ قناتكم. إنّ كذبة المنبر مشهورة، فإذا تعلّقتم عليّ بكذبة في وعد أو وعيد حلّت لكم معصيتي؛ من ذهب له منكم شيء فأنا ضامن له، وإيّاي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجّلتكم في ذلك قدر ما يأتي الخبر الكوفة ثمّ يرجع إليكم، وإيّاي ودعوى الجاهليّة فإنّي لا أجد أحدا دعا دعوتها واعتزى عزوتها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وأحدثنا لكلّ ذنب عقوبة، فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن حرق على قوم حرقناه ومن نقب على بيت نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيّا، فكفّوا أيديكم أكفّ يدي عنكم، ولا يظهر أحد

    vol. 6, p. 217منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين قوم منكم إحن جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته، ولو علمت أنّ رجلا قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتّى يبدي لي صفحته ويبادي بمعصيته، فإذا فعل ذلك لم أناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا على انفسكم، أيّها الناس إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بالفيء الذي خوّلنا.

    قالوا: وكتب زياد إلى معاوية: اني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة، فولّني الحجاز والعروض أكفك هذا الحيّ من قريش، فبلغ ذلك ابن عمر فقال: اللهمّ اشغله، فما مكث إلا أياما حتّى طعن في إصبعه، فلمّا مات وبلغ ابن عمر موته قال: يا بن سميّة لا في الدنيا بقيت ولا الآخرة أدركت.

  27. المدائني عن مسلمة أنّ زيادا قال: لو أنّ لي ألف ألف دينار ولي بعير جرب لقمت عليه قياما يقول من رآه إنيّ لا أملك معه غيره، ولو أنّ لي عشرة دراهم لا أملك غيرها ثمّ لزمني حقّ وضعتها فيه.

  28. المدائني عن مسلمة قال: شكا الناس إلى زياد نقصان المكاييل التي يرزقون بها، فدسّ من اتّبع خدمهم الذين يتولّون قبض أرزاقهم لهم، فوجدهم يشترون من أرزاقهم الطير وما يلعب به والحلواء، فخطب الناس فقال: انّكم تحملون علينا ذنب أنفسكم في أرزاقكم، يبعث أحدكم خادمه لقبض رزقه، فيشتري من رزقه ما اشتهى فتعهدوا أرزاقكم وتولّوا قبضها بأنفسكم. وكان زياد يقول: ما بال أحدكم يأخذ عطاءه ومؤونته خفيفة ثمّ يدّان؟ تعهدوا معايشكم وأصلحوا ما تحتاجون إليه من أموركم.

  29. وكان زياد يقول: إذا لم يجد أحدكم سعة لتزوّج من ترغب فيه لموضعه فليتزوّج سبيّة.

    vol. 6, p. 218
  30. المدائني قال: خطب زياد فلمّا فرغ قام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيّها الأمير أنّك قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقال: كذبت، ذاك نبي الله داود؛ فقام الأحنف فقال: إنّ الثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء، فقال زياد: صدقت، وقام أبو بلال الخارجي فجعل يهمس فقال زياد: إنّا لا نبلغ ما تريد وأصحابك حتّى نخوض إليه الدماء.

  31. المدائني قال: أمر زياد حاجبه أن يدخل من على بابه في وقت انتصاف النهار فأدخلهم، فتمثّل زياد:

    وهاجرة تحلب الناعجات … ماء حميما إذا الشاة قالا

    ثمّ قال لهم: ما الذي تخافون على أهل البصرة؟ فقال بعضهم:

    الحرق، وقال بعضهم: الغرق، قال زياد: أخوف من ذلك عدوّ يأتيكم لا رهج له، أو رجل يأتيكم فيشتدّ شدّتي ولا يلين ليني، فجاء الحجّاج فاشتدّ شدّته ولم يلن لينه، وكان عدوّا لا رهج له، فكان يسيء بصالحهم، ويحسدهم على نعمهم، فينتزعها منهم.

  32. المدائني قال: كان الحسن يقول: أوعد عمر فعوفي، وأوعد زياد فابتلي.

  33. المدائني قال: أهدي إلى زياد خوان بايزهر (١) قوائمه منه، فاقتلع نافع بن خالد قائمة وجعل مكانها قائمة ذهب فحبسه، فكلّمه فيه سيف بن وهب الأزدي، فقال زياد:

    vol. 6, p. 219أذكرتنا موقف أفراسنا … بالجوّ إذ أنت إلينا فقير

    ثمّ وهبه له.

  34. المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: كان زياد يؤخّر العشاء الآخرة حتى يكون آخر من يصلّي، ثمّ يأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة أو غيرها من الطوال ويرتّل القرآن، فإذا أمهل بقدر ما يرى أنّ إنسانا يبلغ الخريبة أمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى انسانا إلا قتله.

  35. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وغيره قالوا: لمّا جمع معاوية لزياد الكوفة والبصرة في سنة خمسين كان يخلّف سمرة بن جندب الفزاري حليف الأنصار بالبصرة إذا خرج إلى الكوفة، ويخلفه بالكوفة إذا خرج إلى البصرة عمرو بن حريث، وكان يقيم بالبصرة ستّة أشهر وبالكوفة ستّة أشهر، وكان سمرة يحدث أحداثا عظيمة من قتل الناس وظلمهم، أعطى رجل زكاة ماله ثمّ صلّى ركعتين فأمر به سمرة فقتل، فقال أبو بكرة:

    ما شأن هذا؟ فأخبروه فقال: لقد قتله سمرة عند أحسن عمله فاشهدوا أنّه منّي وأنا منه، ثمّ قال لسمرة: ويلك لم قتلت رجلا عند أحسن عمله؟ فقال:

    هذا عمل أخيك زياد هو يأمرني بهذا، فقال: أنت وأخي في النار، أنت وأخي في النار، وتلا أبو بكرة، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (١) ويزعمون أنّ زيادا نهاه بعد ذلك عن القتل.

  36. حدثني عبيد الله بن عمر القواريري عن أبي المعلّى الجنّاني عن أبيه قال: كنت واقفا على رأس سمرة بن جندب فقدم إليه بضعة عشر رجلا،

    vol. 6, p. 220يسأل الرجل منهم مادينك؟ فيقول الإسلام ديني ومحمّد نبيّي فيقول: قدّماه فاضربا عنقه، فإن يك صادقا فهو خير له.

  37. وروي عن أنس بن سيرين قال: استخلف زياد سمرة على البصرة وخرج إلى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف، فقال له: هل تخاف أن تكون قتلت بريئا؟ فقال: لو قتلت مثلهم لم أخف أن أقتل بريئا.

  38. حدثني عمر بن شبّة عن محمّد بن عبد الله بن الزبير عن سفيان عن عاصم الأحول عن ابن سيرين عن ابن سمرة قال: من عرض لنا عرضنا له، ومن مشى على الكلاّء ألقيناه في النهر.

  39. حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة أنبأنا عليّ بن زيد حدثنا أوس بن خالد قال: كنت أقدم على أبي محذورة فيسألني عن سمرة، وأقدم على سمرة فيسألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة: إنّك لتسألني عن سمرة فلم ذاك؟ فقال: كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت واحد فأخذ النبيّ ﷺ بعضادتي الباب ثمّ قال: «إنّ آخركم موتا في النار» ، قال: فمات أبو هريرة ثمّ مات أبو محذورة ثمّ سمرة.

  40. المدائني عن نوح بن قيس عن أشعث الحدّاني عن أبي السوّار العدوي، قال: قتل سمرة بن جندب من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين رجلا كلّهم قد جمع القرآن.