أمر زياد بعد الدعوة
124 paragraphs · vol. 6, p. 205
Page 2 of 4
- vol. 6, p. 220
المدائني عن جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا عوف قال: أقبل سمرة من المربد فخرج رجل من بعض الأزقّة فتلقّى الخيل، فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة، ثم مضت الخيل، ومرّ به سمرة وهو يتشحّط في
vol. 6, p. 221دمائه، فقال: ما هذا؟ فقيل: رجل أصابته أوائل خيل الأمير، فقال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنّتنا.
-
حدثنا عفّان حدثنا أبو هلال عن ابن سيرين قال: كان سمرة صدوق الحديث عظيم الأمانة يحبّ الإسلام وأهله حتى أحدث ما أحدث.
-
حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة عن أبي عمران وعليّ بن زيد عن الحسن أنّ سمرة قال لأبي بكرة: رأيت كأنّ الدجّال خرج فجعلت أهرول حذرا، ثم التفت خلفي فأراه قريبا منّي، ثمّ انشقّت لي الأرض فدخلتها، فقال أبو بكرة: ان صدقت رؤياك أصبت قحما (١) عظاما في دينك.
-
المدائني، قال: كان زياد يقول: أكره للرجل (٢) أن يكون وصّافا لبطنه وفرجه.
-
المدائني عن مسلمة قال: نقب على رجل من بني سعد فذهب ما كان له، فأتى زيادا فأخبره خبره، فقال زياد: لا يبقى محتلم من بني سعد إلا حضر، فحضروا فقال: هل تفقدون أحدا؟ قالوا: لا، قال: تألّفوا عشرة عشرة، ثمّ قال لكلّ عشرة: أخرجوا إليّ خيركم، ثمّ قال لأولئك الصلحاء:
أخبروني عن أهل الريبة منكم، فقام رجل لم يكن بخيرهم فقال: الأمان، فأمنه، فأخبره بأهل الريبة، فردّ المال.
قال: وأرسل زياد رجلا إلى بني رميلة، وبلغه أنّهم يصيبون الطريق، وكان رئاب بن رميلة يعضد قوما يصيبون الطريق، فلمّا قدموا قال زياد للأشهب بن رميلة: أنت رئاب فقال: لا أنا الأشهب، وهذا أخي رئاب،
vol. 6, p. 222فقال زياد: قد بلغني عنكم أمر كرهته لكم ولمن كان مثلكم في موضعكم وشرفكم وجلدكم، أتدعان أن يكون حدكم على عدوكم وعدوّ الإسلام وتجعلان ذلك في أهل دعوتكم؟! فانتفوا من ذلك وجحدوه، فقال زياد لا بني رميلة: قد قبلت قولكما وصدقتكما، وعرض عليهما الفريضة وضمّنهما ما يليهما، فقال الأشهب.
تداركني أسباب ورد وردّني … زياد كما ردّ الجموح الشكائم
ولو أنّني أجمعت إذ أنا محرم … فرارا ونت دوني العتاق الرّوائم
إذا لاتّخذت الليل في الأرض جنّة … وبيني وبين الليل أبيض صارم
وقال زياد: واحدة من رأيتموها فيه لم يخطئ أن يكون ضعيفا: من إذا مشى حرك رأسه وعنقه وكثر التفاته.
وقال: يعجبني من الرجل إذا سمع قولا فيه عليه ضيم أن يقول:
لا بملء فيه، وإذا أتى مجلس قوم عرف قدره وعلم أين ينبغي له أن يجلس منه، وإذا ركب دابّة حملها على ما يريد ولم تحمله على ما تريد وقلّ من رأيته كذا إلا كان مبرّزا.
وقال زياد لأبي الأسود الدولي: لولا ضعفك وسنّك لولّيتك، فقال:
لعمري لئن كنت تريد منّي مصارعة أهل عملي إنّي لضعيف عن ذلك، وإن كنت تريد منّي ما تريد من غيري من عمّالك إنّي لقويّ عليه.
-
المدائني قال: مرّ رجل من الدّهاقين بخمر فأتي به زياد فقال: ينبغي أن يكون أراد التوصّل إليّ فأقدم على حمل الخمر وإدخاله البصرة بعد نهيي عن ذلك، فدعا به، فأخبر أنّ رجلا عقر نخلا له، فوجّه من أغرم الرجل لكلّ نخلة ألف درهم، وقال: ان لم يعطه هذا المال بعد ثلاث ساعات
vol. 6, p. 223فاضربوا عنقه، فغرّم له أربعين ألف درهم، وقال لو جئتني برأسه كان أحبّ إليّ من المال.
-
المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: بنى زياد دار الرزق ثمّ زاد فيها عبيد الله ابنه بعد، وكان عامل زياد على دار الرزق عبد الله بن الحارث بن نوفل ثم روّاد بن أبي بكرة، وكان الجعد بن قيس النمري على السوق، وكان زياد يجلس في كلّ يوم جمعة، فيسأل رسل عمّاله عن بلادهم وينظر فيما قدموا له وفي أمر الأموال والنفقات، ثمّ يأتيه عمّاله على دار الرزق والكلاء والسوق فيسألهم عمّا ورد دار الرزق، وعن الأسعار والأخبار وما يحتاجون إليه من مصالحهم.
-
حدثني العمر عن الهيثم بن عدي قال: كتب معاوية إلى زياد في أمر من الأمور يكرهه الناس، فقال زياد: إن شاء معاوية أن يعصى عصي، وأغلظ للرسول وردّه أعنف ردّ، فلمّا قدم على معاوية قال له: أنا أخبرك بما كان، دخلت على ألين الناس جانبا وأغلظهم كلاما، قال: والله ما أخطأت.
وقال الهيثم: حدثنا المجالد بن سعيد عن الشعبي قال: كتب زياد إلى معاوية: إن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليّ بسيرة أسيرها في العرب، فكتب إليه معاوية: يا أبا المغيرة قد كنت لهذا منك منتظرا، انظر أهل اليمن فأكرمهم في العلانية وأهنهم في السرّ، وانظر هذا الحيّ من ربيعة فأكرم أشرافهم وأهن سفلتهم، فإنّ السفلة تبع للأشراف، فأمّا هذا الحيّ من مضر فإنّ فيهم فظاظة وغلظة، فاحمل بعضهم على رقاب بعض، ولا ترض بالظنّ دون اليقين، وبالقول دون الفعل، واترك الأمور بينك وبين الناس على أشدّها، والسّلام.
- vol. 6, p. 224
المدائني قال: نهى زياد عن النوح، فبكت امرأة على بعض أهلها فأتوا زيادا بها فقالت: ما عندي نساء، وإنّما بكيت إخوتي فجهرت بالبكاء، فقال:
وما قلت؟ قالت قلت:
ألا زعموا أنّي جزعت عليهما … وهل جزع أن قلت وابائي هما
إذ افتقرا لم يجشعا خشية الرّدى … ولم يخش رزءا منهما مولياهما
وإن غنيا حبّ الصديق إليهما … ولم يزو عن رفد الصديق غناهما
المدائني عن الهذلي ومسلمة أنّ بني عجل تحوّلوا إلى الكوفة أيام الجمل، فنزلت الأزد دورهم، فقال رجل من بني عجل:
لعمري لقد بدّلتم من فوارس … سراع إلى الهيجا بطاء عن الجهل
وكان رجل من بني عجل باع دارا لبني أخيه، وكانوا أيتاما، فلمّا غلت الدور بالبصرة خاصم العجليّ بنو أخيه إلى شريح، فردّ البيع، فأتى الرجل زيادا فأخبره بقصّته وقال: خاصموني حين كثرت أثمان الدور وغلت، فقال زياد لبني أخي الرجل: أتحلفون أنّ الدور لو كانت على حالها في الرخص لم تخاصموا عمّكم، ولم تحاولوا نقض بيعه فلم يحلفوا، فقال: إنّ عمّكم لم يبع إلا نظرا لكم، فأنا أجيز بيعه.
-
المدائني عن إسماعيل الباهلي عن ابن عون عن إبراهيم قال: أمر رجل بالكوفة عبدا لرجل أن يشجّه حتّى يستحقّه، فشجّه فتعلّق به وخاصم مولاه إلى زياد، فأخبره مولى العبد بالقصّة، وأعطى زياد مولى العبد قيمته، وقطع العبد ودفعه إلى المشجوج.
- vol. 6, p. 225
المدائني عن جرير بن حازم قال: كان زياد بن سميّة أول من أخذ بالظنّة وعاقب على الشبهة وأخاف الناس في سلطانه، فلمّا قدم الحجّاج سأل عن سيرته فأخذ بشدّته وترك لينه.
قال: وكان زياد قد آمن الناس حتّى إنّ الشيء ليسقط من الرجل فلا يعرض له أحد حتّى يأتي صاحبه فيأخذه، وتبيت المرأة لا تغلق عليها بابها، وأدرّ العطاء، فقال حارثة بن بدر الغداني:
ألا من مبلغ عنّي زيادا … فنعم أخو الخليفة والأمير
وأنت إمام معدلة وقصد … وحزم حين تحضرك الأمور
أخوك خليفة الله ابن حرب … وأنت وزيره نعم الوزير
بإذن الله منصور معان … إذا جار الرعيّة لا تجور
يدرّ على يديك لما أرادوا … من الدنيا لهم حلب غزير
وتقسم بالسواء فلا غنيّ … بظلم يشتكيك ولا فقير
ولمّا قام سيف الله فينا … زياد قام أبلج مستنير
قويّ لا من الأحداث غرّ … ولا ضرع ولا فان كبير
قالوا: واستعمل زياد على شرطته بالبصرة عبد الله بن حصن صاحب مقبرة ابن حصن، وهو أحد بني ثعلبة بن يربوع، والجعد بن قيس صاحب طاق الجعد السّلمي، وكانا جميعا يسيران بين يديه بالحربة، ثمّ اقتصر على عبد الله بن حصن فحمل الحربة بين يديه، وولّى الجعد أمر الفسّاق فكان يتبعهم، وفيه يقول جرير:
إليك إليك يا جعد بن قيس … فإنّك لست من حيّي نزار (١)
- vol. 6, p. 226
وولّى زياد قضاء البصرة عمران بن الحصين الخزاعي من أصحاب النبيّ ﷺ .
-
المدائني قال: أبطأ زياد يوما بالغداء لأمر كان ناظر فيه الدهاقين، فقال سعد بن المخشّ الضبّي: الغداء أصلح الله الأمير، فقال رجل من الدهاقين: بأيّ ذنوبنا ابتلينا بهؤلاء الكلاب؟ ! فسمعها زياد فقال:
بجرأتك على الله وكفرك به وكذبك عليه، وقال لابن مخشّ: لا تعودنّ لمثل هذا، ثمّ دعا بالغداء فأكل وأكل معه ابن المخشّ، وكان أكولا، فقال له زياد: مالك من الولد؟ قال: تسع بنات، أنا أجمل منهنّ وهنّ آكل منّي، فقال: لقد لطفت في المسألة ففرض لهنّ فقال ابن المخشّ:
إذا كنت مرتاد السماحة والندى … فناد زيادا أو أخا لزياد
يجبك امرؤ يعطي على الحمد ماله … إذا ضنّ بالمعروف كلّ جواد
وما لي لا أثني عليك وإنّما … طريفي منكم كلّه وتلادي
المدائني، قال: لقي زيادا رجل نشأ بالأهواز فقال: أصلح الله الأمير إنّ أبينا مات، وإنّ أخونا شدّ على ميراثنا فأخذه، فقال: لا رحم الله أباك ولا حفظ أخاك، ولا أحسن الخلافة عليك، فما ضيّعت من نفسك أكثر ممّا ضاع من مالك.
-
المدائني عن مسلمة قال: قال زياد: جمال السلطان لين في غير إهمال، وشدّة في غير افراط.
-
المدائني عن مسلمة قال: قال عجلان حاجب زياد: أصبت في غداة واحدة ألفي ألف درهم وألفي سيف، أعطى زياد العطاء فأعطاني كلّ رجل نصف عطائه وسيفه.
- vol. 6, p. 227
المدائني عن مسلمة بن محارب أنّ زيادا كان يجبي من كور البصرة ستّين ألف ألف، فيعطي المقاتلة من ذلك ستّة وثلاثين ألف ألف، ويعطي الذرّية ستّة عشر ألف ألف درهم، وينفق في نفقات السلطان ألفي ألف، ويجعل في بيت المال للبوائق والنوائب ألفي ألف درهم، ويحمل إلى معاوية أربعة آلاف ألف درهم. وكان يجبي من الكوفة أربعين ألف ألف، ويحمل إلى معاوية ثلثي الأربعة الآلاف ألف لأن جباية الكوفة ثلثا جباية البصرة.
-
وحمل عبيد الله بن زياد إلى معاوية ستّة آلاف ألف درهم فقال: اللهمّ ارض عن ابن أخي.
-
حدثنا خلف بن سالم عن وهب بن جرير عن محمّد بن أبي عيينة عن سبرة بن نخف قال: ما بلغ الناس عاشوراء قطّ في أيّام زياد إلاّ وطائفة يأخذون العطاء، ولا رأينا الهلال إلاّ مضينا إلى دار الرزق فأخذنا الأرزاق لعيالاتنا، وكان يأخذ الجزية ممّن عجز عن الدراهم عروضا، فكانت خزائننا مملوءة من ذلك.
-
وحدثنا عبد الله بن صالح عن الحسين الجعفيّ عن شيبان النحوي عن قتادة قال: كان زياد إذا أهلّ هلال المحرّم أخرج للمقاتلة أعطياتهم، وإذا رأى هلال شهر رمضان أخرج للذريّة أرزاقهم.
-
المدائني قال: قال الحسن: أيّ سائس كان زياد لولا إسرافه على نفسه في العقوبات وسفك الدماء، كان إذا جاء شعبان أخرج أعطية المقاتلة فملأوا بيوتهم من كلّ حلو وحامض واستقبلوا رمضان بذلك، وإذا كان ذو الحجّة أخرج أعطية الذرّية.
- vol. 6, p. 228
حدثني بعض أصحابنا عن عفّان حدثنا حمّاد عن الحسن أنّ زيادا قال لمعقل بن يسار: أبا زياد ألست تعلم أنّ الأسواق قائمة، وأنّ السبل آمنة، وأنّ الأعطيات والأرزاق تخرج إلى شهر معلوم، ويبيع البائع إلى شهر معلوم؟ قال: بلى، قال: فلّله الحمد لا يزال الناس بخير ما كان أمرهم هكذا.
وقال المدائني: كان المقاتلة بالبصرة حين قدم زياد أربعين ألفا فبلغ بهم ثمانين ألفا، وكانت الذرّيّة ثمانين ألفا فبلغ بهم عشرين ومائة ألف، ويقال انّ ابنه فعل ذلك.
قال: وجعل زياد الناس بالبصرة أخماسا، وجعل على كلّ خمس رجلا، وعرّف العرفاء، ونكّب المناكب، وجعل خروج القبائل على الرايات، وكان أوّل من بنى المقصورة بالبصرة، وأوّل من جعل الأذانين يوم الجمعة، وأوّل من جلس بين يديه على الكراسي، وأولّ من لبس الخفاف الساذجة بالبصرة، وأوّل من سقف حوانيت السوق، وأوّل من دعا النّقرى وكانوا يدعون الجفلى (١) .
-
حدثني عبد الله بن صالح قال: قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تدعو الناس؟ قال: على الشرف ثمّ على الأسنان ثمّ أترك الذين لا يعبأ الله بهم، قال: ويحك ومن هم؟ قال: الذين يلبسون في الصيف ثياب الشتاء وفي الشتاء ثياب الصيف، قال: يا بن اللخناء هذا هزل، ولو كنت تقدّمت إليك فيه لأحسنت أدبك.
vol. 6, p. 229قالوا: وكان رجل من بني مخزوم أعمى يكنى أبا العريان، فمرّ به زياد في موكبه، فقال من هذا؟ قالوا: زياد بن أبي سفيان، قال: ما ولد أبو سفيان إلا فلانا وفلانا، فمن هذا فو الله لربّ أمر قد نقضه الله، وبيت قد هدمه الله، وعبد قد ردّه الله إلى مواليه، فبلغ معاوية قوله، فأرسل إلى زياد: ثكلتك أمّك اقطع لسان أعمى بني مخزوم، فبعث إليه بألف دينار وقال لرسوله: أقرئه السّلام وقل له: يقول لك ابن أخيك أنفق هذه حتّى يأتيك مثلها، ومرّ به زياد من الغد فسلّم فقال قائل: من هذا؟ فقال أبو العريان: هذا زياد بن أبي سفيان، وجعل يبكي ويقول: والله إنّي لأعرف منه حزم أبي سفيان ونبله وأشبّه جرمه بجرمه، وبلغ معاوية خبره فكتب إليه:
ما لبّثتك الدنانير الّتي رشيت … أن لوّنتك أبا العريان ألوانا
لله درّ زياد لو يعجّلها … كانت له دون ما يخشاه قربانا
- فكتب إلى معاوية:
-
أحدث لنا صلة تحيا النفوس بها … قد كدت يا بن أبي سفيان تنسانا
من يسد خيرا يجده حين يطلبه … أو يسد شرّا يجده حيثما كانا
قالوا: وكان زياد أوّل من اتّخذ الحرس واتّخذ الثياب الزياديّة، وأوّل من مشي بين يديه بالحراب والأعمدة، واتّخذ زياد رابطة عدّتهم خمسمائة وولّى أمرهم شيبان صاحب مقبرة شيبان من بني سعد، فكانوا لا يبرحون المسجد.
-
وحدثني محمّد بن خالد الواسطي حدثنا يزيد بن هارون عن هشام بن حسّان عن الحسن أنّ زيادا ولّى الحكم بن عمرو الغفاري خراسان فغزا فغنم
vol. 6, p. 230فكتب إليه زياد أن اصطف كلّ صفراء وبيضاء لأمير المؤمنين، ولا تقسم ذلك واقسم ما سواه، فكتب الحكم إليه: إنّي وجدت كتاب الله قبل كتابك، فلو أنّ السّموات والأرض كانتا رتقا على عبد فاتّقى الله لجعل له منهما مخرجا، والسّلام؛ وقسم الغنائم بين الناس.
-
المدائني عن يزيد بمثله وزاد فيه: فكتب إليه زياد: والله لئن بقيت لك لأقطعنّ منك طابقا، فقال الحكم: اللهمّ إن كان ما عندك خيرا لي فاقبضني إليك، فمات بعد أيّام بخراسان.
وقال المدائني: صلّى أنس بن أبي أناس على الحكم وذلك في سنة خمسين، ويقال بعد ذلك، وكتب الحكم إلى زياد: إنّي قد استخلفت أنسا وإنّي أرضاه لك وللمسلمين، فقال زياد: اللهم إنّي لا أرضى أنسا لك ولا لي ولا للمسلمين، وولّى خراسان خليد بن عبد الله، فقال أنس:
ألا من مبلغ عنّي زيادا … مغلغلة يخبّ بها البريد
أيعزلني ويطعمها خليدا … لقد لاقت حنيفة ما تريد
عليكم باليمامة فاحرثوها … فأوّلكم وآخركم عبيد
فولّى خليدا أشهرا ثمّ عزله وولّى الربيع بن زياد خراسان فغزا فغنم، وأعتق الربيع فروّخا - وكان كاتبه على مائة ألف - فقال: ما أقبح أن آخذ لك ثمنا يا فروخ، وما أقبح أن تكون مكاتبا، أنت حرّ ومالك لك.
-
وحمل الربيع مرزبان مرو إلى زياد، فأمر الناس فصفّوا من المربد إلى دار الإمارة وعليهم السلاح، فقال: كيف رأيت عدّتنا مع قرب عهدنا بالسلطان؟ فقال: ما أحسن ما رأيت، قد ملك السلاح قبلكم أقوام فلم أره أغنى عنهم شيئا حين انقطعت آثارهم وانقضت مدّتهم.
vol. 6, p. 231قال الهيثم: كان لزياد صديق من بني شيبان يقال له عمير، فقال له زياد يوما: كيف ترى عملي؟ قال: أراك أصلحت الناس بفساد نفسك، فقال له زياد: ما فسد من صلحت عليه العامّة.
قالوا: وأقبل رجل ومعه سكّين، فظنّ صاحب شرط زياد أنّه يريده، فطعنه فقتله، فقيل له: إنّ قوما نحروا جزورا، فعبث بعضهم بهذا الرجل فهرب من بين يديه، فوداه زياد.
-
وكان زياد يمنع الحمّامات إلاّ في المواضع التي لا تضرّ بأحد.
-
وتعرّض رجل من أصحابه لرجل في سفينة فأخذ منه درهما وقال:
أمرت أن أجبي من كلّ سفينة درهما، فأخذ الرجل فقطع يده.
-
وجبى عامل له خراج السنة في ثلث السنة فقال له زياد: لو أردنا هذا لقدرنا عليه، فاردد عليهم ثلثي ما جبيت.
-
وكان يقول: أحسنوا إلى الدهاقين فإنّكم لن تزالوا سمانا ما سمنوا.
-
حدثني عمر بن شبّه حدثنا أبو عاصم النبيل قال: كان زياد يبعث إلى سكّة المربد فيمسحها، فإن زيد فيها بناء أمر به فهدم.
قالوا: وكتب معاوية إلى زياد أن أوفد إليّ بنيك من معاذة العقيليّة، وهم: عبد الرحمن، ومغيرة، ومحمّد، وكن معهم ففعل، فزوّج عبد الرحمن فاختة بنت عتبة بن أبي سفيان، وزوّج المغيرة ابنة المهاجر بن طليق بن سفيان بن أميّة، وزوّج محمّدا ابنته صفيّة بنت معاوية، وقال: أما إنّها أحسن بناتي، فقال زياد: وهو أحسن بنيّ.
-
المدائني قال: كان مع زياد رجل من عبد القيس فاستأذن زيادا في إتيان عبد الله بن عامر بن كريز وقال: إنّ له عندي أيادي، فأتاه فقال: هيه
vol. 6, p. 232وابن سميّة يقبّح آثاري ويعرّض بعمّالي؟ لقد هممت أن آتي بقسامة من قريش يحلفون أنّ أبا سفيان لم ير سميّة قطّ، فقال زياد للرجل: ما قال لك؟ فأبي أن يخبره، فأحلفه فأخبره، فشكا ذلك زياد إلى معاوية، فأمر حاجبه بضرب وجه دابّة ابن عامر إذا حضر بابه، ففعل، فقال ابن عامر:
ليس الرأي إلاّ إتيان يزيد، فأتاه فشكا ما فعل به، فقال يزيد: لعلّك ذكرت زيادا، فقال: نعم، فركب معه يزيد حتّى أدخله على معاوية، فلمّا رآه معاوية قام فدخل، فانتظراه فأبطأ ثم خرج وفي يده قضيب يضرب به الأبواب ويتمثّل:
لنا سياق ولكم سياق … قد علمت ذلكم الرفاق
ثمّ قعد فقال لابن عامر: أنت القائل في زياد ما قلت؟ والله لقد علمت العرب أنّي كنت من أعزّها في الجاهليّة وما زادني الإسلام إلاّ عزّا، وأنّي لم أتكثّر بزياد من قلّة، ولم أتعزّز به من ذلّة، ولكنّي عرفت حقّا فوضعته موضعه، فقال: يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحبّه زياد، فقال: إذن نرجع لك إلى ما تحبّه، فخرج ابن عامر إلى زياد فترضّاه.
-
حدثني بسّام الحمّال حدثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: وفد أبو بكرة مع زياد إلى معاوية، فقال: يا أبا بكرة، حدّثني بشيء سمعته عن النبي ﷺ ، فقال: كانت الرؤيا الحسنة تعجب رسول الله ﷺ ، فقال ذات يوم: «أيّكم رأى رؤيا؟ فقال رجل:
أنا رأيت كأنّ ميزانا دلّي من السماء فوزنت فيه وأبو بكر فرجحت بأبي بكر، ثمّ وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثمّ وزن عمر وعثمان فرجح عمر بعثمان، ثمّ رفع الميزان، فقال النبيّ ﷺ : تكون خلافة نبوّة ثمّ يؤتي الله
vol. 6, p. 233الملك من يشاء»، فقال: فأمر فزخّ (١) في أقفيتنا فأخرجنا، فقال زياد:
لا أبالك أما وجدت غير هذا الحديث؟! ثمّ دعا معاوية بأبي بكرة فسأله عن الحديث فحدّثه به، فأمر بإخراجه وقال: أتقول الملك، قد رضينا بالملك.
-
المدائني قال: قال معاوية: ضبط زياد العراق بالسيف، وضبطت العراق والشام والحجاز واليمن بالحلم.
-
وجمع معاوية لزياد البصرة والكوفة في سنة خمسين حين مات المغيرة بن شعبة.
-
المدائني: أنّ زيادا أمر أن لا يباع القتّ (٢) إلاّ وزنا، فسأل غلاما له عن قتّ اشتراه فقال: أخذته كذا وكذا حبلا بدرهم، فتنكّر وركب إلى أصحاب القتّ فقال لرجل منهم: كيف تبيع القتّ؟ قال: كذا وكذا حبلا بدرهم، قال: أولم يأمر الأمير ببيع القتّ وزنا؟ فقال: أوكلّ ما يأمر الأمير به أطعناه فيه؟! فقطع يده، فلم يبع إلاّ وزنا (٣) .
-
المدائني، قال: بعث غالب أبو الفرزدق معه بحلوبة من البادية فباعها وأقبل يصر ثمنها، فقال له رجل: لو كان مكانك رجل أعرفه ما صرّ الدراهم كما تصرّ، قال: ومن هو؟ قال: غالب بن صعصعة، فنثرها الفرزدق فانتهبها الناس، وصاح به صائح: ألق رداءك يا بن غالب فألقاه وصاح صائح آخر: ألق قميصك فألقاه، وبلغ ذلك زيادا فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فطلبه فلم يوجد، فلمّا قال الشعر في معاوية بسبب
vol. 6, p. 234ميراث الحتات المجاشعي بلغ زيادا فغضب وازداد عليه حنقا، فطلبه فلم يقدر عليه، ثمّ استعدت نهشل وبنو فقيم عليه زيادا حين هجا بني نهشل وبني فقيم، فلم يعرفه زياد، فقيل هذا الذي نثر الدراهم وقال الشعر، فطلبه فهرب إلى عيسى بن نضلة السلمي فحمله على ناقة وخرج في الليل يريد الشام وقال:
حباني بها البهزيّ حملان ناصر … من الناس والجاني تخاف جرائمه
إذا أنت جاوزت الغريّين فاسلمي … وأعرض من فلج ورائي مخارمه (١)
-
وبلغ زيادا خروجه، فوجّه في طلبه فلم يقدر عليه، وجعل زياد إذا نزل البصرة نزل الفرزدق الكوفة، وإذا نزل الكوفة أتى البصرة، فكتب زياد إلى عامله على الكوفة في طلبه.
-
وكان الفرزدق يقول: طلبت حتّى تفطّن الناس بمذاهبي، فأتيت أخوالي من بني ضبّة فحملوني ووجّهوا معي رجلا من بني تيم اللات بن ثعلبة ليدلّني على الطريق، فعرض لنا الأسد على متن طريقنا فلم نهجه حتّى أصبحنا، فقلت:
ما كنت أحسبني جبانا بعد ما … لاقيت ليلة جانب الأنهار
ليثا كأنّ على يديه رحالة … شثن البراثن مؤجد الأظفار
لمّا سمعت له زماجر أجهشت … نفسي إليّ وقلت أين فراري
فربطت جروتها وقلت لها اصبري … وشددت في ضيق المقام إزاري
فلأنت ألين من زياد جانبا … فاذهب إليك مخرّم السفّار (٢)