أمر حجر بن عدي الكندي ومقتله
49 paragraphs · vol. 6, p. 251
Page 2 of 2
- vol. 6, p. 275
المدائني عن مسلمة وغيره أنّ معاوية لمّا احتضر جعلوا يقلّبونه فيقول:
أيّ جسد يقلّبون إن نجا من ابن عديّ.
-
وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود عن أبي بكر بن عيّاش عن أبي حصين قال: دخل عبد الله [بن خالد] بن أسيد على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فرأى منه جزعا فقال: ما جزعك يا أمير المؤمنين؟ إن متّ دخلت الجنّة، وإن حييت فقد علم الله حاجة الناس إليك، فقال: رحم الله أباك إن كان لنا لناصحا، نهاني عن قتل ابن الأدبر وأصحابه.
-
المدائني قال: كتب معاوية إلى زياد: أنّه قد تلجلج في صدري شيء من أمر حجر، فابعث إليّ رجلا من أهل المصر له فضل ودين وعلم، فأشخص إليه عبد الرحمن بن أبي ليلى وأوصاه أن لا يقبّح له رأيه في أمر حجر، وتوعّده بالقتل إن فعل، قال ابن أبي ليلى: فلمّا دخلت عليه رحّب بي وقال: اخلع ثياب سفرك والبس ثياب حضرك، ففعلت وأتيته، فقال: أما والله لوددت أنّي لم أكن قتلت حجرا، ووددت أنّي كنت حبسته وأصحابه أو فرقتهم في كور الشام فكفتنيهم الطواعين، أو مننت بهم على عشائرهم.
فقلت: وودت والله أنّك فعلت واحدة من هذه الخلال، فوصلني فرجعت وما شيء أبغض إليّ من لقاء زياد، وأجمعت على الاستخفاء، فلمّا قدمت الكوفة صلّيت في بعض المساجد، فلمّا انفتل الإمام إذا رجل يذكر موت زياد، فما سررت بشيء سروري بموته.
-
وحدّثت عن عثمان بن مقسم البرّي عن الحسن، وكان مع الربيع بن زياد بناحية خراسان، قال: قال الربيع لمّا بلغه قتل حجر وأصحابه: ألا إنّ الفتنة قد كانت تكون ولم يكن قتل الصّبر، وقد قتل حجر وأصحابه صبرا،
vol. 6, p. 276فهل من ثائر، هل من معين، هل من منكر؟! قال ذلك مرارا، فلم يجبه أحد، فقال: أما إذ أبيتم فستبتلون بالقتل صبرا على الظلم.
-
وروي أنّ الحسن بن الربيع قال: ربّ إنّ حجرا قتل صبرا، فإن كنت مغيّرا ذلك وإلا فاقبضني إليك، فمات من ليلته.
قالوا: وفرق معاوية من صفح عنه من أصحاب حجر فلم ينزل اثنان بكورة واحدة.
وقال عوانة: فقالت عائشة لمعاوية، وقد حجّ فدخل إليها: أقتلت حجرا وأصحابه؟ ! فقال: أنا قتلتهم؟! إنّما قتلهم من شهد عليهم.
-
حدثني محمّد بن سعد عن الواقدي عن محمّد بن بجاد عن عائشة بنت سعد ابن أبي وقّاص قالت: لمّا قتل معاوية حجر بن عديّ قال أبي: لو رأى معاوية ما كان من حجر يوم عبر قنطرة حلوان لعرف أنّ له غناء عظيما عن الإسلام.
وقال هشام بن محمّد عن أبيه: إنّ حجر بن عديّ الأدبر بن جبلة جاهلي إسلامي، وإنّما طعن عديّ أبو حجر في دبره فسمّي الأدبر، وإنّ حجرا وفد على النبي ﷺ هو وأخوه هانئ بن عديّ، وكان في ألفين وخمسمائة من أهل العطاء، فشهد القادسيّة، وافتتح مرج عذراء بالشام وبها قتله معاوية، وقد كان شهد مع عليّ الجمل وصفّين ويكنّى أبا عبد الرحمن.
قالوا: قالت امرأة من كندة يقال لها هند، وقال الهيثم: هي هند بنت مخربة أنصاريّة، رضي الله تعالى عنها:
vol. 6, p. 277ألا يا (١) … أيّها القمر المنير
تأمّل هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن صخر … ليقتله كذا زعم الأمير
أخاف عليك أسباب المنايا … وشيخا في دمشق له زئير
يرى قتل الخيار عليه حقّا … له من شرّ أمّته وزير
ألا يا ليت حجرا مات موتا … ولم ينحر كما نحر الجزور
تطاولت الجبابر بعد حجر … وطاب لها الخورنق والسدير
قالوا: وعوتب الهيثم بن الأسود النخعي على شهادته على حجر، وكان ممّن عاتبه عمير أبو العمرّطة ورجل يقال له عمرو بن أبي فروة، فقال:
ألا من عذيري من عمير ومن عمرو … يلومانني أن مال دهر على حجر
وهل لي ذنب أن زياد أراده … وأصحابه يوما بقاصمة الظهر
وقد حدّث الأقوام مينا بأنّني … دلفت له عمدا بداهية هتر
فهلا إذا إن كنت حرّا منعته … وطاعنت عنه بالمثقّفة السمر
في أبيات:
وقال الشاعر يحرّض بني هند من بني شيبان:
دعا ابن فشيل يال مرّة دعوة … وولّى ذباب السيف كفّا ومعصما
لتبك بني هند قتيلة مثل ما … بكت عرس صيفيّ وتبعث مأتما
وقال عبد الله بن خليفة يرثي حجرا بقصيدة طويلة، يقول فيها:
فيا حجر من للخيل تدمى نحورها … وللملك الغاوي إذا ما تغشمرا
vol. 6, p. 278وقال قيس بن قهدان الكندي:
طافت جمان بأرحل السفر … وسرت إليك ولم تكن تسري
- وهي طويلة يقول فيها:
-
يا حجر يا ذا الخير والحجر … يا ذا النوال ونابه الذكر
وقال أبو مخنف: قالت امرأة معاوية، ورأته قد أطال الصلاة:
ما أحسن صلاتك يا أمير المؤمنين، لولا أنّك قتلت حجرا وأصحابه، فقال:
أنّهم فعلوا وفعلوا.
قال: وأحسن معاوية صلات القوم القادمين بحجر، وولّى مصقلة طبرستان. وقوم يزعمون أنّ مصقلة لم يشهد على حجر، وهلك قبل ولاية زياد.
-
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وأبو خيثمة قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه حدثنا محمّد بن الزبير الحنظلي عن فيل مولى زياد قال: لمّا قدم زياد الكوفة أميرا أكرم حجر بن الأدبر وأدناه وشفّعه، فلمّا أراد الانحدار إلى البصرة دعاه فقال له: يا حجر انّك قد رأيت ما صنعت بك، وإنّي أريد البصرة فاحبّ أن تشخص معي، فإنّي أكره أن تتخلّف بعدي، فعسى أن أبلغ عنك شيئا فيقع في نفسي، وإذا كنت معي لم يقع في نفسي منك شيء، فقد علمت رأيك في عليّ بن أبي طالب، وقد كان رأيي فيه قبلك على مثل ذلك، فلمّا رأيت الله صرف الأمر عنه إلى معاوية لم اتّهم قضاء الله ورضيت به، وقد رأيت إلى ما صار أمر عليّ وأصحابه، وإنّي أحذرك أن تركب أعجاز أمور هلك من ركب صدورها؛ فقال له حجر: إنّي مريض ولا أستطيع الشخوص، قال: صدقت والله إنك لمريض الدين والقلب مريض العقل،
vol. 6, p. 279وأيم الله لئن بلغني عنك شيء أكرهه لأحرصن على قتلك، فانظر أو دع، فخرج زياد فلحق بالبصرة، واجتمع إلى حجر قرّاء أهل الكوفة، فجعل لا ينفذ لعامل زياد معهم أمر، ولا يريد شيئا إلا منعوه إيّاه، فكتب إلى زياد:
إنّي والله ما أنا في شيء مع حجر وأصحابه، وأنت أعلم، فركب زياد بغاله حتّى اقتحم الكوفة، فلمّا قدمها تغيّب حجر، فجعل يطلبه فلا يقدر عليه، فبينا زياد جالس يوما وأصحاب الكراسيّ حوله فيهم محمّد بن الأشعث بن قيس إذ أتى ابن الأشعث ابنه فناجاه وأخبره أنّ حجرا قد لجأ إلى منزله، فقال له زياد: ما قال ابنك؟ قال: لا شيء، قال: والله لتخبرنّي ما قال لك حتّى أعلم أنّك قد صدقتني، أو لا تبرح مجلسك حتّى أقتلك، فلمّا عرف ابن الأشعث رأيه أخبره، فقال لرجل من أشراف أهل الكوفة: قم فاتني به، قال: أعفني أصلحك الله من ذلك وابعث غيري، فقال: لعنة الله عليك مخبث خبيث، والله لتأتينّي به أو لأقتلنّك، فخرج الرجل فدخل عليه حتّى أخبره وقال له: ابعث إلى جرير بن عبد الله ليكلّمه فيك، فإنّي أخاف أن يعجل عليك، فدخل جرير على زياد فكلّمه فيه، فقال: هو آمن أن أقتله، ولكنّي أخرجه إلى معاوية فجاء به على ذلك، فأخرجه من الكوفة ورهطا معه، وكتب إلى معاوية أن أغن عنّي حجرا إن كان لك بما قبلي حاجة، فبعث معاوية إليه فتلقي بالعذراء فقتل هو وأصحابه. وولي زياد العراق ومات سنة ثلاث وخمسين (١) .