مروان بن الحكم [بن أبي العاص]

23 paragraphs · vol. 7, p. 255

  1. ومن بني أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس أيضا مروان بن الحكم بن أبي العاص، وهو ابن عمّ عثمان، ويكنى أبا عبد الملك، وأمّه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أميّة بن المحرّث بن جمل بن شقّ بن رقبة بن مخدج بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة.

    vol. 7, p. 255
  2. وكان الحكم أبو مروان مغموصا عليه في إسلامه وكان إظهاره الإسلام في يوم فتح مكة، فكان يمرّ خلف رسول الله ﷺ فيخلج بأنفه ويغمز بعينيه فبقي على ذلك التخليج وأصابته خبلة، فقال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري لمروان:

    إنّ اللّعين أباك فأرم عظامه … إن ترم ترم مخلّجا مجنونا

    يضحي خميص البطن من عمل التّقى … ويظلّ من عمل الخبيث بطينا

    وطلع الحكم ذات يوم على رسول الله ﷺ وهو في بعض حجر نسائه فخرج إليه بعنزة (١) وقال: «من عذيري من هذه الوزغة» (٢) ، وكان يفشي

    vol. 7, p. 256أحاديث رسول الله ﷺ فلعنه وسيّره إلى الطائف ومعه عثمان الأزرق، والحارث وغيرهما من بنيه وقال لا يساكّني فلم يزالوا طرداء حتى ردّهم عثمان رضي الله تعالى عنه، فكان ذلك ممّا نقم فيه عليه.

    وقال المدائني عن أشياخه: كان مروان من رجال قريش وكان من أقرأ الناس للقرآن وكان يقول: ما أخللت بالقرآن قطّ، أي لم آت الفواحش والكبائر قط.

  3. وروي: أنّ النبي ﷺ قال للحكم: «كأنّي ببنيه يصعدون منبري وينزلون» .

  4. وكان مروان يكنى أبا القاسم ثم اكتنى أبا عبد الملك.

  5. حدثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ حدثنا مسلم بن إبراهيم عن جعفر بن سليمان عن سعيد بن زيد عن عليّ بن الحكم عن أبي الحسن الجزري عن عمرو بن مرة الجهني قال: استأذن الحكم بن أبي العاص على النبي ﷺ فقال: «ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويتّضعون في الآخرة» .

    قال المدائني: نزل الحكم في الجاهلية على حاتم طيّئ فتناوله قوم من رهط أوس بن حارث فغضب حاتم فقال:

    الآن إذ مطرت سماؤكم دما … ورفعت رأسك مثل رأس الأصيد (١)

    قالوا: وكان مروان يلقّب خيط باطل لدقّته وطوله، شبه الخيط الأبيض الذي يرى في الشمس، فقال الشاعر، ويقال انّه عبد الرحمن بن الحكم أخوة:

    vol. 7, p. 257لعمرك ما أدري وإنّي لسائل … حليلة مضروب القفا كيف يصنع

    لحى الله قوما أمّروا خيط باطل … على الناس يعطي ما يشاء ويمنع

    وكان ضرب يوم الدار على قفاه.

  6. وكانت أمّ آمنة أمّ مروان وإخوته صفية، ويقال الصعبة، بنت أبي طلحة العبدري، وأمّها مارية بنت موهب كندية، وهي الزرقاء التي يعيّرون بها فيقال بنو الزرقاء وكان موهب قينا.

  7. وولى معاوية بن أبي سفيان مروان بن الحكم البحرين وولاه المدينة مرّتين، وهو الذي كان رمى طلحة بن عبيد الله بالبصرة، فمات من رميته.

    وقال أبو مخنف والواقدي في روايتهما: كان مروان بالمدينة حين مات مسلم بن عقبة المرّي بعد إيقاعه بأهل الحرّة، ثم أشخص إلى الشام فلم يزل بها حتى ولي الخلافة بعد معاوية بن يزيد بن معاوية.

    وقال المدائني: لم يزل مروان بالمدينة حتى كتب ابن الزبير بعد موت يزيد، وشخوص حصين بن نمير السكوني، إلى ابن مطيع في تسير بني أميّة فسيّره وسيّرهم فورد الشأم ومعاوية بن يزيد قد بويع، وكان مروان لما سيروا اكترى أبعرة ركبها وبنوه وأمر أن يحثّ به وبهم، فقال راجزه:

    حرّم مروان عليهنّ النّوم … إلا قليلا وتلاهنّ القوم

    حتى يقلن أو يبتن بالدوم

    والدوم على مسيرة ليلتين من المدينة، وكان عبد الملك بن مروان عليلا فقال للرسول الذي وكل بإزعاجهم: قل لأبي خبيب: يصنع الله، وفي ذلك يقول أبو قطيفة، واسمه عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وإنّما قيل له

    vol. 7, p. 258أبو قطيفة لأنه كان كثير شعر الرأس ثائره عظيم اللحية، وكان ممّن سيّره ابن الزبير إلى الشام.

    بكى أحد لما تحمّل أهله … فكيف بذي وجد من القوم آلف

    وقال أيضا، ويقال غيره:

    ألا هل أتاها والحوادث جمّة … بأنّ قطين الله بعدك سيّرا

    ولما بنى مروان داره قال له أبو هريرة: ابن شديدا، وأمل بعيدا وعش قليلا وكل خضما (١) والموعد الله.

  8. وكان مروان إذا سمع الأذان قال مرحبا بالقائلين عدلا وبالصلاة مرحبا وأهلها، ويروى هذا عن معاوية أيضا.

  9. وأمر مروان عبد الملك حين ولاه فلسطين بتقوى الله، وقال له: مر حاجبك أن يخبرك بمن يحضر بابك في كلّ يوم فتأذن أو تحجب، وآنس من يدخل عليك بالحديث يبسطوا إليك، ولا تعجل بالعقوبة إذا اشكل عليك أمر فإنّك على العقوبة إذا أردتها أقدر منك على ارتجاعها إذا أمضيتها، ويقال إنّه اوصى بهذه الوصيّة عبد العزيز حين ولاه مصر، والأوّل أثبت.

  10. ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية أبو ليلى، علم ابن الزبير أنّه لم يبق أحد يضاده فولى الضحّاك بن قيس الفهري دمشق، وكان صاغيا إليه وقد كاتبه فبعث إليه بعهده وكتاب إلى من قبله يدعوهم إلى طاعته، وبعث إلى النعمان بعهده على حمص، وكان النعمان مائلا إليه، وولّى ناتل بن قيس بن زيد الجذامي فلسطين وكان لناتل فيه هوى، ويقال: بل كان عنده بمكة فقال

    vol. 7, p. 259له: ألا تكفيني قومك فخرج ناتل حتى أتى فلسطين، وكان واليها ووالي الأردنّ من قبل يزيد بن معاوية حسّان بن مالك بن بحدل، فبقيتا في يده وفيهما عمّاله فأرسل إليه ناتل: إما تخرج من بلاد قومي وإمّا أن أدخل عليك فأقاتلك فعرف ابن بحدل أنّه لا قوة له به وبقومه من جذام، فخرج ابن بحدل إلى الأردنّ فنزل طبريّة وبويع لابن الزبير بفلسطين، وضبط له الضحّاك بن قيس دمشق، وأخذ له بيعة أهلها وفرق عمّاله فيها، وأخذ له النعمان بن بشير الأنصاري بيعة أهل حمص فاستقامت لابن الزبير الشام كلّها إلا الأردنّ وهذا الثبت.

  11. ويقال: إنّ بعض أهل الأردن قد كانوا مائلين إلى ناتل، ومنحرفين عن حسّان بن مالك بن بحدل وكانت الزبيريّة بالشام تقول: ابن الزبير أولى أهل زمانه بالأمر لأنّه ابن حواري رسول الله ﷺ ، والطالب بدم الخليفة المظلوم عثمان، ورجل له شجاعة وسنّ وفضل، وولّى ابن الزبير مصر عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم الفهري فضبطها له، وأظهر حسّان بن مالك بن بحدل الدعاء لخالد بن يزيد بن معاوية وعزم عليه فسار في كلب حتى نزل الجابية (١) فاجتمع إليه بها الحصين بن نمير السّكوني ومالك بن هبيرة السكوني، وروح بن زنباع الجذامي وزمل بن عمرو العذري وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وعبد الله بن عضاه الأشعري، وأبو كبشة حيويل بن يسار السكسكي، وصار إليه مروان بن الحكم وهو لا يفكر في الخلافة وخالد بن يزيد بن معاوية، وعمرو الأشدق بن سعيد بن العاص وغيرهم من الأمويين ودعا قوما من أهل البلقاء وأذرعات فأجابوه، فقال له ابن عضاه الأشعري:

    vol. 7, p. 260أراك تريد هذا الأمر لخالد بن يزيد، وهو حدث السنّ فقال: إنّه معدن الملك ومقر السياسة والرئاسة، فأتى ابن عضاه خالدا في جماعة من نظرائه من الوجوه فوجده نائما متصبحا، فقال: يا قوم أتجعل نحورنا أغراضا للأسنّة والسهوم بهذا الغلام وهو نائم في هذه الساعة، وإنما صاحب هذا الأمر المجدّ المشمّر الحازم المتيقظ، ثم أتى مروان بن الحكم فألفاه في فسطاط له وإذا درعه إلى جانبه والرمح مركون بفنائه وفرسه مربوط إلى جانب فسطاطه، والمصحف بين يديه وهو يقرأ القرآن، فقال ابن عضاة يا قوم هذا صاحبنا الذي يصلح له الأمر وهو ابن عم عثمان أمير المؤمنين وشيخ قريش وسنّها، فرجعوا إلى حسّان بن مالك فأخبروه بخبر خالد ومروان، وأعلموه انّهم مجمعون على مروان لأنّه كبير قريش وشيخها، فقال ابن بحدل: رأيي لرأيكم تبع، إنّما كرهت أن تعدل الخلافة إلى ابن الزبير، وتخرج من أهل هذا البيت، ثم قام حسّان لأنّه كبير قريش وشيخها، فقال ابن بحدل: رأيي لرأيكم تبع، إنّما كرهت أن تعدل الخلافة إلى ابن الزبير، وتخرج من أهل هذا البيت، ثم قام حسّان خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر مروان فقال: هو كبير قريش وسنّها، وابن عمّ الخليفة المظلوم والطالب بدمه قبل الناس أجمعين فبايعوه رحمكم الله فهو أولى بميراث عثمان وأحق بالأمر من الملحد ابن الزبير الذي خلع الخلافة وجاهر الله بالمعصية، فسارعوا إلى بيعته وماسحوه ودعوا له والتفّت إليه بنو أميّة فقالوا: الحمد لله الذي لم يخرجها منا.

  12. وقال مروان أحييت ليلة كلّها فلما طلع الفجر صلّيت الغداة ونمت فجاء عمر حين أصبحت، فقال: ما بال مروان لم يحضر الصلاة؟ فقيل له:

    أحيى ليلته ونام حين صلّى الغداة، فقال: لأن أصلّيهما في جماعة يعني العشاء والغداة أحبّ إليّ من أن أحيي ما يميتهما.

    vol. 7, p. 261وقال مروان حين ولي: لقد رأيتني عند عمر في فتية من قريش كلّهم يقرب دوني فما زال إيثاري الحقّ حتى كان يبعثني في مهمّ أمره، ولو لم يبق من أجلي إلا ظمء حمار ثم أخيّر بين أمرين من الدنيا والآخرة لاخترت الآخرة.

  13. وكان بين مروان وعمرو بن العاص منازعة فقال عمرو: يا ابن الزرقاء، فقال مروان: إن كانت زرقاء فقد أنجبت وأدّت الشبه إذ لم تؤده النابغة.

  14. المدائني، قال: قال مروان لحبيش بن دلجة: إنّي لأظنك أحمق فقال حبيش: أحمق ما يكون الشيخ إذا أعمل ظنّه.

  15. المدائني عن مسلمة، قال: كان لمروان بأرضه بذي خشب غلام يقال له جريج، فقال له يوما: يا جريج أدرك شيء من غلاتنا؟ قال: يوشك أن يدرك، وكأنّك بها، فركب مروان إلى أرضه فتلقّته أحمال، فقال: من أين هذه؟ قالوا: من ضيعتك بذي خشب، فأتى الأرض فقال: يا جريج إنّي أظنّك خائنا؟ قال: وأنا والله اظنّك أيّها الأمير عاجزا اشتريتني وأنا في مدرعة صوف، ثم أنا اليوم موسر قد اتّخذت الخدم وابتنيت المنازل والله إني لأخونك، وإنّك لتخون أمير المؤمنين، وإنّ أمير المؤمنين ليخون الله فلعن الله شرّ الثلاثة.

  16. المدائني، قال: قيل لمروان وهو بمكة إنّ عمرا الكناني يبيت في دارك فبعث مروان ابن جحش الكناني وأمره أن يحمل كلّ من يجد في الدار، فسار من مكة إلى المدينة على ناقة له يقال لها الزلوج، وكان يقال إن في ظهرها زيادة فقارتين، فورد ليلا فحمل كلّ من وجد في الدار من عيال مروان إلى مكة ودخل الدار وهو يقول:

    vol. 7, p. 262يأيّها الخالفة اللجوج … أخرج فقد حان لك الخروج

    أنا ابن جحش وهي الزّلوج … كأنّ فاها قتب معروج

    وأتى أعرابيّ مروان فقال: أفرض لي، فقال: قد طوينا الدفتر وفرغنا قال الأعرابيّ أما إنّي الذي أقول:

    إذا مدح الكريم يزيد خيرا … وإن مدح اللئيم فلا يزيد

    وقد كان مدح مروان ثم هجاه فقال: أنت هو لا بدّ لك من فرض ففرض له.

  17. المدائني قال: قال الجارود بن أبي سبرة: دخلت على مروان فإذا رجل أحمر أزرق كأنّه من رجال خراسان لو أشاء أن أدخل يدي في علابي عنقه لفعلت، وكان ضرب يوم الدار على قفاه وله يقول عبد الرحمن بن الحكم:

    والله ما أدري وإنّي لسائل … حليلة مضروب القفا كيف يصنع

    لحى الله قوما أمّروا خيط باطل … على الناس يعطي من يشاء ويمنع

    وكان على شرطة مروان يحيى بن قيس الغسّاني.

  18. المدائني عن أبي مخنف، وعوانة، ومسلمة بن محارب: أنّ مروان قاتل أهل المرج (١) فظفر بهم وقتل الضحاك، ثم قدم دمشق فبايعه الناس بيعة جديدة فقال بعض الأنصار أو غيرهم:

    الله أعطاك التي لا فوقها … وقد أراد الملحدون عوقها

    عنك ويأبى الله إلاّ سوقها … إليك حتى قلّدوك طوقها (٢)

  19. ويقال: ان هذا الشعر قيل في عبد الملك قاله كثير بن عبد الرحمن.

    قالوا: ودخل زياد الأعجم على مروان بالمدينة فقال له يا أبا أمامة أنشدني فقال له: بألف دينار فأنشده:

    رأيتك أمس خير بني لؤي … وأنت اليوم خير منك أمس

    وأنت غدا تزيد الضعف خيرا … كذاك تكون سادة عبد شمس (١)

    vol. 7, p. 263
  20. فأعطاه ألفي دينار، ويقال: إنّه قال هذا في غير مروان.

    قالوا: وكان عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان لما أخرجه أهل البصرة بعد موت يزيد بن معاوية قدم دمشق فبلغه خبر ابن بحدل ونزوله الجابية، وكان الضحاك بن قيس الفهري بدمشق، قد بايعه الناس لابن الزبير وتابعوه على أمره، فقال له ابن زياد قد بويع صاحبك واستقامت له النواحي وأنت هاهنا قد حصرت نفسك بدمشق فاخرج فعسكر ناحية يأتك الناس من كلّ أوب فإنّك كبير قريش والمنظور إليه منها، فخرج الضحاك إلى مرج راهط فعسكر فما هو الا أن خرج حتى دخلها عمرو بن سعيد الأشدق فأعلقها على نفسه وذلك أنه كانت بلغت عمرا حركة الضحاك، وكتب إليه بها ابن زياد فدنا من دمشق فاستعد لدخولها وأتى ابن زياد مروان وهو بالجابية فقال: إنّي قد أخرجت الضحاك إلى الصحراء وأدخلتها عمرو بن سعيد.

    وقال عوانة بن الحكم: لما مات يزيد بن معاوية، وأخرج عبيد الله بن زياد من البصرة، قدم دمشق وعليها الضحّاك بن قيس بن خالد الفهري عاملا لعبد الله بن الزبير، وقد ثار زفر بن الحارث الكلابي بقنّسرين

    vol. 7, p. 264يبايع لابن الزبير والنعمان بن بشير بحمص على طاعته، وكان حسّان بن مالك بن بحدل عاملا ليزيد بن معاوية على فلسطين، وكان بفلسطين ناتل بن قيس وهو ممالئ لابن الزبير وكان سيّد أهل فلسطين فاستخلف حسّان روح بن زنباع الجذامي على فلسطين وأتى الأردن فوثب ناتل على روح بن زنباع فأخرجه عن فلسطين، واستولى عليها وبايع لابن الزبير لهواه فيه، وقد كان ابن الزبير أمر بنفي بني أميّة عن المدينة فسيّرهم عامله على المدينة إلى الشام وفيهم مروان، وكان الناس فريقين حسّاني وزبيريّ فقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان:

    وما الناس إلاّ بحدليّ عن الهوى … وإلاّ زبيريّ عصى فتزبّرا

    فقام حسّان بالأردنّ فقال: يا أهل الأردن ما تقولون في عبد الله بن الزبير وقتلى أهل الحرّة قالوا: عبد الله منافق وقتلى أهل الحرّة في النار، قال: فما تقولون في يزيد بن معاوية ومن قتل بالحرّة من أهل الشأم؟ قالوا يزيد في الجنّة وقتلانا في الجنة، فقال: لئن كان يزيد يومئذ على حقّ إنّ شيعته على حقّ، ولئن كان ابن الزبير يومئذ على باطل إنّه اليوم لعلى باطل، قالوا: صدقت نبايعك على قتال من خالفك وأطاع ابن الزبير على أن تجنّبنا هذين الغلامين: خالد بن يزيد، وأخيه عبد الله فإنّهما حديثة أسنانهما، ونحن نكره أن يأتي الناس بشيخ ونأتيهم بصبي.

  21. وكان الضحاك بدمشق يبايع الناس لابن الزبير سرّا خوفا من بني أمية وكلب، فكتب إليه ابن بحدل كتابا يشتم فيه ابن الزبير، ويعظم له حق بني أمية ويذكره إحسانهم إليه واصطناعهم له وبرهم به، وأنفذ الكتاب إليه مع رجل يقال له ناعصة من ولد تغلب بن وبرة إخوة كلب. ودفع إليه

    vol. 7, p. 265نسخته وقال: إن لم يظهر الضحاك هذا الكتاب وكتمه فاقرأه أنت على الناس، فأوصل الكتاب إليه فقرأه ولم يظهره فقرأ ناعصة نسخته فقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فقال: صدق حسّان وكذب ابن الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبي النمس، واسم أبي النمس الأسود بن المعد بن شراحيل الغسّاني، فصدّق مقالة حسان وكتابه وشتم ابن الزبير، وقام سفيان بن الأبرد الكلبي فقال مثل ذلك، ثم قام أبو رجاء عمر بن زيد الحكمي فشتم حسّان بن مالك وكذّبه وأثنى على عبد الله بن الزبير، واضطرب الناس بنعالهم، ثم أمر الضحاك بالوليد بن عتبة ويزيد بن أبي النمس وسفيان فحبسوا، وجال بعض الناس في بعض، ووثبت كلب على عمر بن زيد الحكمي، وقام خالد بن يزيد بن معاوية على مرقاتين من المنبر فتكلم وسكّن الناس، وجاءت كلب فأخرجت سفيان من الحبس، وجاءت غسان أخرجت ابن أبي النمس، فقال الوليد بن عتبة: لو كنت من كلب أو غسّان أخرجت فجاء خالد بن يزيد، وعبد الله بن يزيد ومعهما أخوالهما من كلب فأخرجوا الوليد، فكان أهل الشأم يسمّون هذا اليوم يوم جيرون (١) ، وجيرون موضع بدمشق عند المسجد.

    قال: وخرج الضحاك بن قيس إلى مسجد دمشق فجلس فيه فوقع في يزيد بن معاوية، فقام إليه شاب من كلب بعصا فضربه بها والناس جلوس في الحلق وعليهم سيوفهم، فقام بعضهم إلى بعض فاقتتلوا، وقيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أميّة وإلى خالد بن يزيد

    vol. 7, p. 266وتتعصب ليزيد بن معاوية، قال: ودخل الضحاك دار الإمارة ولم يخرج لصلاة الفجر وبعث إلى بني أميّة فاعتذر إليهم، وقال: لم يقم منكم قائم، وكتب إليّ هذا الرجل فولاني وذكر حسن بلائهم عنده، وأنّه لا يريد شيئا يكرهونه، وقال: اكتبوا ونكتب إلى حسان حتى يوافي الجابية ونوافيه فنبايع لرجل منكم، فرضيت بنو أميّة بذلك، فكتب الضحاك إلى حسّان وكتبوا، وخرج الناس وبنو أميّة للميعاد، فجاء ثور بن معن بن يزيد السلمي، ويقال معن بن يزيد بن الأخنس نفسه، إلى الضحاك فقال له: عجبا لك دعوتنا إلى طاعة رجل فبايعناك، ثم أنت الآن تسير إلى هذا الأعرابي من كلب ليستخلف إبن اخته خالد بن يزيد وهو صبي غمر قال الضحاك: فما الرأي؟ قال: أن تظهر ما كنا نستره من بيعة ابن الزبير، ونقاتل على طاعته فعرّج الضحاك بمن معه وعطفهم وأقبل حتى نزل مرج راهط، وأظهر بيعة ابن الزبير وخلع بني أمية.

  22. وصار بنو أمية إلى الجابية، ووافى حسّان فصلى بهم أربعين ليلة والناس يتشاورون، وكتب الضحّاك إلى النعمان بن بشير وهو بحمص وإلى زفر بن الحارث وهو على قنّسرين، وإلى ناتل وهو بفلسطين فأمدّوه فصار إليه خلق من الخلق بمرج راهط، وكانت الأهواء بالجابية مختلفة: حصين بن نمير يهوى أن يولى مروان، ومالك بن هبيرة يهوي أن يولّى خالد بن يزيد، فقال مالك بن هبيرة للحصين: هلم نبايع خالد بن يزيد فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه، فقال الحصين: لا والله لا يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي، فقال: ما لك ويحك إنّ مروان وآل مروان يحسدونك على سوطك وشراك نعلك، وظلّ شجرة تستظل بها، ومروان أبو عشرة وأخو عشرة، وعم

    vol. 7, p. 267عشرة وإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد فقال:

    مروان شيخ قريش، والطالب بدم الخليفة المظلوم، وهو يدبرنا ويسوسنا ولا يحتاج إلى أن ندبره ونسوسه، وغيره يحتاج إلى أن يدبر ويساس! وذكر بعضهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال روح بن زنباع: إنكم تذكرون عبد الله بن عمر وفضله وهو كما ذكرتم إلا أنه ضعيف وليس صاحب أمة محمد بالضعيف، وتذكرون ابن الزبير، وهو والله ابن حواري رسول الله وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وهو بعد كما ذكرتم في قدمه ولكنه منافق خلع خليفتين: يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وسفك الدماء، وشق العصا، وأما مروان فما كان في الإسلام صدع إلاّ كان ممن شعبه وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان يوم الدار، وقاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل، ورمى طلحة فاستقاد منه لعثمان، أفنبايع الصغير وندع الكبير؟! فتم رأيهم على البيعة لمروان وأجمعوا عليها، ثم لخالد من بعده، ثم لعمرو بن سعيد الأشدق من بعد خالد، فبويع مروان، فلم يقع البيعة لغيره، وسار مروان حتى نزل مرج راهط فصار بإزاء الضحاك وحاربه ودعا الناس فاجتمع إليه خلق.

  23. وحدثني عمرو بن محمد الناقد والقاسم بن سلام قالا: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي قال: دعاني مروان إلى القتال معه فقال: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ قلت: لا لأن أبي وعمي شهدا بدرا مع رسول الله ﷺ وقد عهدا إلي أن لا أقاتل إنسانا يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أتيتني ببراءة من النار قاتلت معك، فقال: انطلق لا حاجة لنا بك فقلت:

    vol. 7, p. 268ولست مقاتلا رجلا يصلّي … على سلطان آخر من قريش

    له سلطانه وعليّ إثمي … معاذ الله من سفه وطيش

    أأقتل مسلما في غير ذنب … فليس بنافعي ما عشت عيشي

    وحدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: سلّم على حسان بن مالك بن بحدل أربعين ليلة بالخلافة، ثم سلّمها إلى مروان وقال:

    فإلا يكن منّا الخليفة نفسه … فما نالها إلاّ ونحن شهود

    وقال بعض الكلبيّين:

    نزلنا لكم عن منبر الملك بعد ما … ظللتم وما إن تستطيعون منبرا