[ما قيل في عبد الملك وأخباره]

68 paragraphs · vol. 8, p. 229

Page 1 of 2

  1. ترى الناس أخلاطا جميعا وإنهم … على ذاك شتى والهوى يتفرق

    ترى المرء إن جالسته ذا صناعة … وسائر ما فيه سوى ذاك أخرق

    وتلقى أصيل اللب ليس لسانه … بمخرج ما في قلبه حين ينطق

    أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري: أنّ عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز القشيري من بجيلة، دخل على عبد الملك ومعه ابنه خالد بن عبد الله، فقال له عبد الملك: هذا ابنك؟ قال: نعم، قال ما أشبهه بك. قال: ذاك أحبّ إليّ، وأبرأ لساحة أمه.

    vol. 8, p. 229
  2. المدائني قال: قدم الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم الشاعر على عبد الملك فلم يصله ويقال إنّه أقام ببابه شهرا لا يأذن له فانصرف وهو يقول:

    تبعتك إذ عيني عليها غشاوة … فلما انجلت قطعت نفسي الومها

    فما بي إن أقصيتني من ضراعة … ولا افتقرت نفسي إلى من يسومها

    عطفت عليك النفس حتى كأنما … بكفيك بؤسي أو لديك نعيمها

    فبلغه ذلك، فأرسل إليه فردّه، فقال: يا حارث أترى على نفسك غضاضة في وقوفك ببابي؟ فقال: لا والله، ولكن طالت غيبتي، وانكسرت ضيعتي، ووجدت فضلا من قول فقلت، وعليّ دين فقال: وكم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: أقضاء دينك أحبّ إليك، أم ولاية مكة؟ قال: ولاية مكة، فولاه إياها فبعثت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن الحارث وهي بمكة، وقد أقيمت ذات يوم الصلاة، وهي تطوف: إني لم أقض طوافي، فتوقف بالناس حتى فرغت من طوافها، ثم صلى، فبلغ ذلك عبد الملك فعزله، وقال: إني لم استعملك لتنتظر بالناس في صلاتهم طواف عائشة.

    vol. 8, p. 230قالوا: وكان الحارث يحب عائشة، وكانت تحبه، فخطبها فلم تتزوجه، فقيل لها أحبك رجل وأحببتيه عشرين سنة، ثمّ خطبك فلم تتزوجيه؟ فقالت: كان في عيب ما يسرني أنّ لي طلاع الأرض، وأنّه اطلع عليه، فكان يظنّ أنه سوء الخلق.

  3. حدثني الحرمازي عن الحسن بن علي العتبي عن أبيه عن أبي المقدام عن رجل من أهل مكة قال: قدمت المدينة فإذا غلمان بيض، عليهم ثياب بياض يدعون الناس إلى الغداء، وكانت بي إليه حاجة فدخلت، فإذا عائشة بنت طلحة على السرير، وإذا الناس يطعمون، قال: فلما أكلت، قالت لي:

    كأنك غريب؟ قلت: نعم، قالت: فمن أين بك؟ قلت: من مكة، قالت:

    كيف تركت الأعرابي قلت بخير، فلما خرجت قلت: عن من سألتني؟ قالوا:

    عن الحارث بن خالد، فلما قدمت مكة أخبرته فأنشأ يقول:

    من كان يسأل عنا أين منزلنا … فالأقحوانة منا منزل قمن

    إذ نجعل العيش صفوا ما يكدره … طول الحياة ولا ينبو بنا الزمن

    قال الحرمازي: وبناحية من الشام موضع يعرف بالأقحوانة (١) أيضا.

  4. المدائني عن عبد الله بن سلم وغيره قالوا: قدم عمر بن علي بن أبي طالب على عبد الملك، فسأله أن يصير إليه صدقة علي بن أبي طالب، فتمثل عبد الملك قول ابن الحقيق اليهودي:

    إنا إذا مالت دواعي الهوى … وأنصت السامع للقائل

    واعتلج القوم بآرائهم … نقضي بحكم عادل فاضل

    vol. 8, p. 231ولا نجعل الباطل حقا ولا … نلظ (١) دون الحق بالباطل

    نخاف أن تسفه أحلامنا … فنخمل الدهر مع الخامل

    لا لعمري لا أخرجها من ولد الحسين إليك، ووصله عبد الملك ورجع من عنده.

  5. المدائني قال: قال عبد الملك للهيثم بن الأسود: ما مالك؟ قال:

    قوام من عيش وغنى عن الناس، فقيل له: لو أخبرته، فقال لو أعلمته مالي لحسدني إن كان كثيرا، أو حقرني إن كان قليلا، وقوم يقولون أن الهيثم قال هذا لمعاوية، والثبت أنه قاله لعبد الملك.

    وقال الهيثم: كان يقال لا تخبروا قريشا بمالكم، فإن كان كثيرا حسدوكم، وإن كان قليلا حقروكم.

  6. المدائني عن أبي محمد المقرئ قال: قال عبد الملك لرجل من ثقيف:

    ما المروءة فيكم؟ قال: إصلاح المال والمعاش والفقه في الدين، وسخاء النفس، وصلة الرحم، فقال: كذلك هي فينا.

    قالوا: وتزوج بكر بن حصين من بني عامر بن لؤي رقية بنت سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فتقدمت إلى عبد الملك بن مروان حين حج وهو بالمدينة، فتكلمت في أمر زوجها، فقال ومن زوجك؟ قالت: بكر بن حصين، قال: انسبي لي أبا آخر فإن عهدي بالقوم بعيد، قالت: ابن أويس، قال: ويحك أو تنكح المرأة عبدها؟ فقالت: يا أمير المؤمنين:

    vol. 8, p. 232إن القبور تنكح الأيامى … النسوة الأرامل اليتامى

    المرء لا تبقى له السلامي

    المدائني قال: قال عبد الملك: رأيت الفجور في بني الروميات، ورأيت الفارسيات أذلق (١) النساء، وأمنع جانبا، ورأيت بني الهنديات أصبر لصدور العوالي.

  7. ودخل جرير علي عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي (٢) ، ولم يكن جرير رآه قبلها، فقال له عبد الملك: يا جرير أتعرف هذا؟ قال:

    يا أمير المؤمنين، فمن هو؟ قال: رجل من عامله، قال: يا أمير المؤمنين هذا من الذين قال الله عز وجل : ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ٣؟ ﴾ قال: لا ويلك، فأنشأ جرير يقول:

    ويقصر باع العاملي عن العلى … ولكن أير العاملي طويل (٤)

    فقال ابن الرقاع:

    أأمك يا ذا أخبرتك بطوله … أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول (٥)

    فقال: بل لم أدر كيف أقول.

  8. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان أن عبد الملك كتب إلى الحجاج جنبني دماء آل أبي طالب فإن بني حرب لما قتلوا حسينا نزع الملك منهم.

    vol. 8, p. 233
  9. المدائني عن يزيد بن عياض (١) قال: أراد عبد الله بن جعفر أن يفد إلى عبد الملك بن مروان، وعلى المدينة أبان بن عثمان بن عفان، فأرسل إليه بديحا يستأذنه، فقال أبان: قل له: فليبعث إلي جاريته فلانة، فرجع فأخبره بقوله فقال ابن جعفر: لا، ولا كرامة، وقال له: ارجع إلى بقيع - وكان أبان أبرص أبقع - فقل له: أما الجارية فلا، قال: فليبعث إلى بغلامه الزامر، فبعث به إليه، وقال: هو شبيهه، ثم أذن له، فوفد على عبد الملك.

  10. المدائني عن محمد بن إبراهيم قال: دخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك فحثه علي صلة ابن أبي عتيق، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وذكر له خلته، فدخل ابن أبي عتيق على عبد الملك فقال له: يا بن أبي عتيق، أخبرني عنك عبد الله بضيق من الحال؟ قال: كذب يا أمير المؤمنين، ما بي من حاجة وما أنا في ضيقة، فدخل ابن جعفر على عبد الملك فأخبره بقول ابن أبي عتيق، فلقيه ابن أبي عتيق، فقال له ابن جعفر: ويحك اتركت حظك من أمير المؤمنين وقد عطفته عليك، وحثثته علي برك؟ فقال: إني دخلت عليه وعنده جارية له، ما رأيت شيئا

    vol. 8, p. 234قط أحسن منها، فأخبرني بقولك وهي تسمع وتنظر إلي، أفكنت ترى لي يا بن أم أن أقر بالفقر بين يديها؟ ! المدائني وغيره قالوا: نذر عبد الملك دم ابن قيس الرقيات لقوله:

    إنما مصعب شهاب من الل … هـ تجلت عن وجهه الظلماء (١)

    قال ابن قيس: فسألت عن من أستعين به عليه، فقيل لي روح بن زنباع، فأتيت روحا فقال: ما ذاك عندي، فأتيت عبد الله بن جعفر، فاستجرت به، فقال: لي أقم، فإن لي في كل ليلة رجلا أدخله معي إلى أمير المؤمنين فكن ذلك الرجل، فلما كان الليل أدخلني، وأمرني أن أجيد الأكل وآخذ ما بين يديه، وبين يدي عبد الملك، فنظر إلي، فقال: من هذا؟ قال ابن جعفر هذا القائل

    ما نقموا من بني أمية إلا … أنهم يحلمون إن غضبوا

    وإنهم سادة الملوك فما … تصلح إلا عليهم العرب (٢)

    فقال عبد الملك: ابن قيس؟ قال: نعم: فقال أما دمه فقد حقنه الله عز وجل ، وأما العطاء فلا عطاء له عندي، فقال ابن جعفر لابن قيس:

    اللهم غفرا، إذا خرج العطاء فلك عندي عطاؤك.

    وقال كثير يمدح عبد الملك:

    يحيّون بسامين طورا، وتارة … يحيون عباسين شوس الحواجب

    من النفر البيض الذين إذا انتجوا … أقرت لنجواهم لؤي بن غالب

    vol. 8, p. 235كريم يؤول الراغبون ببابه … إلى واسع المعروف جزل المواهب

    إمام هدى قد سدد الله رأيه … وقد أحكمته ماضيات التجارب (١)

    وقال فيه أيضا:

    قضى نحبه مروان ثم وليتنا … فكن يا بن مروان تجود وتدفع (٢)

    وقال كعب بن جعيل:

    أمير المؤمنين هدى ونور … كاجلى دجى الظلم النهار

    قريع بني أمية من قريش … هم السر المهذب والنضار

    وقال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط:

    نبئت أن ابن القلمس عابني … ومن ذا من الناس الصحيح المسلم

    فأبصر سبل الرشد سيد قومه … وقد يبصر الرشد الرئيس المعمم

    فمن أنتم ها خبّرونا من أنتم … فقد جعلت أشياء تبدو وتكتم

    فقال له عبد الملك: ما كنت أرى أن مثلنا يقال لهم من أنتم؟ أما والله لولا ما تعلم، لقلت قولا يلحقكم بأصلكم الجلائب، ولضربتك حتى تموت.

    وقال أعشى بني شيبان:

    عرفت أمية كلها … لبني أبي العاص الإمارة

    لأبرّها وأحقها … عند المشورة بالإشارة

    المانعين لما ولوا … والنافعين ذوي الضرارة

    وهم أحقهم بها … عند الحلاوة والمرارة

    vol. 8, p. 236وقال المدائني: قال قبيصة بن ذؤيب ووشى به قوم إلى عبد الملك، فجفاه وكانت له منزلة عنده:

    إن مسيري في المسير ومنزلي … لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرب

    وما أنا إن قربت يوما ببائع … خلاقي وديني لابتغاء التحبب

    ولكن أرى حق الإمام ونصحه … وطاعته حقا كما هي للأب

    وهذا باطل وقد نسبنا الشعر إلى صاحبه الذي قاله، وذكرنا حديثه فيما مضى من أحاديث عبد الملك.

  11. المدائني قال: أمر عبد الملك مسلم بن ربيعة أبا إسحق بن مسلم أن يقتل رجلا من قيس فأبى فحبسه فقال:

    ألا أبلغ سراة الحي قيسا … شآميهم ومن هو بالعراق

    بأني بالرهاء بها مقيم … قصير الخطو مشدود الوثاق

    وما كانت عقوبتهم بسجني … لمعصية وما خافوا شقاقي

    ولكني كرهت دماء قومي … وما لي بعد قومي من تلاق

    ويقال أن محمد بن مروان أمره بذلك.

  12. المدائني عن علي بن حماد قال: قال الأخطل لعبد الملك بن مروان:

    يا أمير المؤمنين زعم ابن المراغة أنه يبلغ مدحك في ثلاثة أيام وقد أفنيت في مدحك حولا بقصيدة قلتها فما بلغت كل الذي أردته، فقال عبد الملك:

  13. فأنشدني قصيدتك فأنشده:
  14. خف القطين فراحوا عنك أو بكروا … وأزعجتهم نوى في صرفها غير (١)

  15. فجعل عبد الملك يتطاول، ثم قال: ويحك يا أخطل أتريد أن أكتب إلى الآفاق بأنك أشعر العرب؟ قال: أنا أكتفي بقولك يا أمير المؤمنين، فأمر له بقصعة مملوءة دنانير ودراهم، وألقى عليه خلعته وخرج به مولى لعبد الملك وهو يقول: هذا شاعر أمير المؤمنين.

    vol. 8, p. 237
  16. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال سعيد بن المسيب لعبد الملك:

    بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء؟ قال: والدماء يا أبا محمد فنستغفر الله.

  17. المدائني عن عبد الله بن مسلم الفهري قال: دخل الأخطل على عبد الملك وهو سكران فقال له: يا أبا مالك مالك؟ قال: إن أبا نسطور وضع في جمجمتي ثلاثا وأنشد:

    إذا شرب الفتى منها ثلاثا … بغير الماء حاول أن يطولا

    مشي قرشية لا عيب فيها … وأرخى من مآزره ذيولا (١)

  18. المدائني قال: دخل على عبد الملك رجل فتكلم فأحسن حتى سكت، فأراد أن يسبر عقله ليعرف ما عنده، فإذا هو مضعوف فقال: زيادة منطق على عقل خدعة، وزياد عقل على منطق هجنة، وأحسن ذلك ما زين بعضه بعضا، وبعضهم يروي هذا عن سليمان بن عبد الملك، وهو عن عبد الملك أثبت.

    وقال: وذكر تشقيق الخطب والإسهاب عند عبد الملك فقال: من أكثر فأحسن قدر على أن يقل فيحسن.

  19. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد فإنه بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما ينفق أمير المؤمنين في الجمعة، وتنفق في الجمعة ما ينفق أمير المؤمنين في الشهر، وتنفق في الشهر ما ينفق أمير المؤمنين في السنة، وهذا ما لا قوام معه يا حجاج.

    عليك بتقوى الله في كل حالة … وكن لوعيد الله ربك تخشع

    ووفر خراج المسلمين وفيئهم … وكن لهم حصنا يذود ويمنع

    vol. 8, p. 238
  20. فكتب إليه الحجاج:
  21. أتتني كتب للخليفة ضمنت … قراطيس تطوى كي تصان وتطبع

    ومنها كتاب فيه لين وشدة … وذكر وفي الذكرى لذي اللب منفع

    وكانت بلادا جئتها ذات فتنة … بها كل نيران الحوادث تلمع

    فما زلت فيها أعمل الحزم جاهدا … فاعطي على حين العطاء وأمنع

    فلا تتهمني إنني لك ناصح … ولست مع النصح المبين أضيع

    فرد عبد الملك عليه كتابه، وكتب في حاشيته: «صدقت يا أبا محمد وبررت.

  22. المدائني قال: قال عبد الملك: أي الشعراء أشجع شعرا؟ قالوا:

  23. عمرو بن معد يكرب، قال وكيف وهو يقول:
  24. وجاشت إلي النفس أوّل مرة … فردت على مكروهها فاستقرت (١)

  25. فقيل ابن الإطنابة؟ فقال وكيف وهو القائل:
  26. أقول لها وقد جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي

    vol. 8, p. 239فقالوا عنترة؟ فقال: وكيف وهو يقول:

    إذ يتقون بي الأسنة لم أخم … عنها ولكني تضايق مقدمي (١)

  27. قيل: فعامر بن الطفيل؟ فقال: وكيف وقد قال:
  28. أقول لنفس لا يجاد بمثلها … أقلي مراحا إنني غير مدبر (٢)

  29. ولكن أشجع الناس شعرا المزني الذي يقول:
  30. وإني لدى الحرب العوان موكل … بتقديم نفس لا أحب بقاءها

  31. وعبّاس بن مرداس حين يقول:
  32. أقاتل في الكتيبة لا أبالي … أحتفي كان فيها أم سواها

    المدائني عن عوانة قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج في أمر استشاره فيه واستكتمه إياه فانتشر وبلغ عبد الملك ذلك، فكتب إليه كتابا عاتبه فيه، وتمثل بهذين البيتين في كتابه:

    ألم تر أن وشاة الرجا … ل لا يتركون أديما صحيحا

    فلا تفش سرك إلا إليك … فإن لكل نصيح نصيحا

    العمري عن الهيثم عن ابن عياش قال: قال عبد الملك للشعبي: لله در ابن قميئة حيث يقول:

    كأني وقد خلفت تسعين حجة … خلعت بها عني عذار لجام

    رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى … فكيف بمن يرمى وليس برام

    فلو أنها نبل إذا لا تقيتها … ولكنني أرمى بغير سهام

    vol. 8, p. 240فقال الشعبي: وقد أحسن لبيد أيضا حين يقول:

    كأني وقد خلفت تسعين حجة … خلعت بها عن منكبي ردائيا (١)

    قال: ففكر عبد الملك ثم أنشد:

    إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله … كفى قاتلا سلخي للشهور واهلالي

    قال: ولما قتل مصعب واستقام الأمر لعبد الملك دخل عليه عمر بن عبيد الله بن معمر، وسويد بن منجوف، ونعيم بن مسعود التميمي، وقيس بن الهيثم السلمي بعد أن حبسهم على بابه حينا، فقال عبد الملك:

    إنكم سعيتم مع الشيطان فكنتم حزبه، فلما نكص نكصتم، ولم يبق أحد ممن شب نار الفتنة وسعى في الفرقة، وشتت الألفة إلا أحدث من جرمه توبة، وظهرت منه إنابة غير قتادة فكففنا عنه العقوبة أفما ترضون أن تكونوا إسوة من أبصر بعد العمى، وعرف بعد الجهل واستحق بالإنابة العفو؟ فتكلم سويد بن منجوف فقال: إنا كنا وزراء فأصبحنا أعجازا، فخذ بالتي هي أحسن ذكرا، وأبقى جمالا.

    ثم قال عمر بن عبيد الله: والله ما نعتذر إليك من معصية، ولا نتوسل إليك بطاعة، ولقد ولينا لعدوك الأعمال، وكسبنا الأموال، وقتلنا الرجال ولأن نكون كنا على ضلال، فأصبحنا على هدى، خير من أن نكون على هدى ثم نصبح على ضلال فإن تصطنعنا نكن لك كما كنا لمن كان قبلك.

  33. ثم تكلم نعيم بن مسعود فقال يا أمير المؤمنين إنا كنا أمس زبيريين فقد أصبحنا مروانيين، فأقلل العتاب، وأكرم الغلبة، وأقل بعفوك العثرة.

    vol. 8, p. 241
  34. ثم تكلم قيس بن الهيثم فقال: إنا لسنا بالحلو المأكول، ولا بالمر الملفوظ، ولا عفوك بمنكر، ولا عقابك بحتم، قد والله يا أمير المؤمنين قارعناك عن الدين والدنيا جميعا، فليسعنا ما لم يضق عن غيرنا من عفوك، فمثلنا أسديت إليه العارفة فشكرها، واتخذت عنده الصنيعة فعرفها قال:

    فرضى عنهم وأسني جوائزهم.

  35. المدائني قال: أنشد عبد الله بن الزبير قول أنس بن زنيم في مصعب حين تزوج عائشة:

    بضع الفتاة بألف ألف كامل … ويبيت أرباب الجيوش جياعا

    لو أنني عمرا أقول مقالتي … وأبثه ما قد أرى لارتاعا

    فقال عبد الله: صدق إن مصعب قدم أيره وأخر خيره، فبلغ عبد الملك قوله فقال: لكنه أخر أيره وخيره.

  36. المدائني عن علي بن حماد قال: أجرى عبد الملك الخيل فحمل مسلمة على فرس، وكانت أمه أم ولد فجاء سابقا، فقال لمصقلة بن رقبة العبدي:

    إن صاحبكم لقليل المعرفة بأولاد أمهات الأولاد حين يقول:

    نهيتكم أن تحملوا هجناءكم … على خيلكم يوم الرهان فتدركوا

    وما يستوي المرآن هذا ابن حرة … وهذا ابن أخرى بطنها متشرك

    ترعد كفاه ويسقط سوطه … وتفتر فخذاه فلا يتحرك

    وتدركه أعراق سوء ذميمة … ألا إن عرق السوء لا بد مدرك

    vol. 8, p. 242قال يا أمير المؤمنين: إن من الإماء ذوات شرف فيمن هنّ منه، وليس أولئك عنى، وقد يشتري الرجل الجارية فيعتقها ويحصنها فتكون كالحرة، وإنما عنى جمهور الإماء اللواتي لا مواضع لهن ولا هيئات.

  37. أخبرني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: سقى عبد الملك رجلا من كلب شرابا يزيد في الباه، ثم انصرف من عنده فأصابه شبق شديد، فلم يصل إلى منزله حتى أتبعه بجارية وقال لرسوله: قل له: إنا سقيناك شرابا تحتاج معه إلى ما بعثنا به إليك، وقد كفيت اشتراءها (١) فدونكها.

  38. المدائني عن بكر بن حبيب السهمي قال: ولد لعبد الملك ابن فقال له روح بن زنباع: يا أمير المؤمنين اسقه لبن الإبل، فاشترى عبد الملك لظئر الصبي لقحة، فكانت تحلب وتشرب الظئر لبنها وقال الحالب: كيف أحلبها أخنفا، أم مصرا، أم فطرا، والخنف ضم اليد على الضرع، والفطر أن يحلب كما يعقد ثلاثين والمصر بأطراف الأصابع؟ فقال بل أحلبها مصرا، ويقال الخنف باليد كلها والفطر أن يحلب يعقد ثلاثين، والمصر أن لا يقبض على الضرع.

  39. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن عوانة قال: توفي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بالصنبرة من الأردن، ومات خالد بن يزيد بن معاوية، وروح بن زنباع في عام واحد، فكان يسمى عام الملوك، فأرسل عبد الملك فأحصى أضياف أمية، فوجدهم خمسمائة فوصلهم عبد الملك.

  40. وكان أمية لما قدم الشام قال الناس: قدم أمية أخو خالد فقال عبد الملك: أراك ببلد لا تعرف فيه إلا بخالد، وأنت أعز من بها، فجعل له حاجتين في كل يوم، فأصبح الناس على بابه يسألونه الحوائج إلى عبد الملك ولما مات هؤلاء الثلاثة رثاهم عبد الملك:

    لعمرك لا أنسى أمية أظلمت … عليّ به أرضي معا وسمائيا

    ومن يوم روح قد علتني كآبة … وبل دموعي بالرشاش ردائيا

    وقد كاد ينسينيهما يوم خالد … أبي هاشم إذ كدت أنسى حيائيا

    ألاك الأخلاء المصافون ما بقوا … وكنت لهم ما صاحبوني مصافيا

    فقد أوحشت أوطانهم وبلادهم … وأوحش منهم مجلسي وفنائيا

    أشد بهم ركني سريري وموكبي … فكيف بصبري بعدهم وعزائيا

    المدائني قال: مرّ عبد الملك على قبر معاوية، ومعه عمر بن عبيد الله بن معمر، وابن بحدل الكلبي فقال: هذا قبر رجل كان يسكته الحلم، وينطقه العلم، هذا قبر أمير المؤمنين معاوية ثم أنشد:

    وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب

    المدائني عن مسلمة بن محارب قال: دخل علي بن عبد الله بن عباس على عبد الملك في يوم شديد البرد وقد حال بينه وبينه دخان العود فقال:

    يا أمير المؤمنين أحمد الله على ما أنت فيه من الدفء، مع ما الناس فيه من البرد، ودعا له بالبقاء، فقال له: يا أبا محمد أبعد ابن هند - وكان أميرا عشرين سنة وخليفة مثلها - أصبحت تهز على قبره ينبوته ما هو إلا كما قال الشاعر:

    vol. 8, p. 244وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب

    وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف … تقلب عصريه لغير أريب

    المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: ركب عبد الملك فتلقاه محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فمرا يتسايران حتى إذا بلغا المقابر، عدل عبد الملك فوقف، ومحمد بن جبير معه على قبر معاوية، وإذا عليه ثمامة أو عوسجة تهتز، فقال عبد الملك يرحمك الله أبا عبد الرحمن والتفت الى محمد بن جبير فقال: يا أبا سعيد ما كان علمك به قال: كان علمي به والله أنه كان ممن ينطقه العلم، ويسكته الحلم، قال عبد الملك: كذلك والله كان ثم ولى وهو يقول:

    وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب

    ابن الكلبي عن عوانة قال: لمّا أنشد عبد الملك قول خريم بن فاتك الأسدي:

    لقيت من الغانيات العجابا … ليالي أدركن مني شبابا

    علام يكحلن حور العيون … ويحدثن بعد خضاب خضابا

    ويبرقن إلا لما تعلمون … فلا تحرموا الغانيات الضرابا

    فقال عبد الملك: نعم الشفيع لهن خريم.

    vol. 8, p. 243