[خطبة الحجاج في أهل الكوفة]

7 paragraphs · vol. 8, p. 274

  1. أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني

    إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها.

    قد شمرت عن ساقها فشمري … ليس هذا أوان عشّك فادرجي

    هذا أوان الشد فاشتدي زيم … قد لفها الليل بسواق حطم

    ليس براعي إبل ولا غنم … ولا بجزار على ظهر وضم

    قد لفها الليل بعصلبي … مهاجر ليس بأعرابي

    إني والله يا أهل العراق لا أحلق إلا فريت ولا أعد إلا وفيت، والله إني لأحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله. إن الله ضرب ﴿مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١) . فأنتم أولئك، أو أشباه أولئك، فاستوسقوا واستقيموا ولا تميلوا، فقد بين الصبح لذي عينين، والله لأمرينكم بالهوان حتى تدوروا، ولأعصبنكم عصب السلمة حتي تذلوا، ولأقرعنكم قرع المروة حتى تلينوا، ولأضربنكم، ضرب غريبات الإبل حتي تنقادوا، إنه والله ما يقعقع لي بالشنان، ولا أغمر تغماز التين، ولا أجلس على الدّبر، إني امرؤ فررت عن ذكاء، وجريت إلى الغاية وانتضيت عن تجربة، إن أمير المؤمنين عبد الملك نكت كنانته، ونثلها

    vol. 8, p. 275بين يديه، وعجم عيدانها، فوجدني أمرها معجما، وأشدها مكسرا، فوجهني إليكم، ورمى بي في نحوركم، فأنتم أهل بغي وخلاف، وشقاق ونفاق، طالما أوضعتم في الضلال، وسننتم سنن الغي تسائلون ماذا قال أميركم؟ وماذا يقول؟ وها، وها. وإياي وهذه الزرافات والجماعات، وكان ويكون، وما أنتم وذاك؟ إني أرى الدماء بين العمائم واللحى، والذي نفس الحجاج بيده لتسلكنّ طريق الحق، ولتستقيمن عليه، أو لأجعلن لكل امرئ منكم شغلا في جسده، فاقبلوا الإنصاف، ودعوا الإرجاف، وقول القائل منكم: أخبرني فلان عن فلان، قبل أن أوقع بكم إيقاعا يترك النساء أيامى، والولدان يتامى، فتقلعوا وقد جنيتم العافية، وغنمتم حظوظكم من السلامة، الا ولا يركبن رجل إلا وحده، ولا يحفظن إلا نفسه. فقال محمد بن عمير: لله أبوه! لقد كدنا نقع منه في شر، وجعل الحصا يتناثر من بين أصابعه.

    وقال المدائني في اسناده: قدم الحجاج في سنة خمس وسبعين في رجب، فبدأ بالكوفة، فخطب أهلها وتوعدهم، وأرسل إلى وجوههم، وإلى كثير من العامة، فقال: أخبروني عن الولاة قبلي، ما كانوا يعاقبون به العصاة؟ قالوا: الضرب والحبس، قال: لكني لا أعاقبهم إلا بالسيف، إن المعصية لو ساغت لأهلها ما قتل عدو، ولا جبي فيء، ولا عز دين، ولو لم يغز المسلمون المشركين، لغزاهم المشركون. وقد أجلتكم ثلاثا، فمن وجدته بعد ثالثة من جيش ابن مخنف، فبرئت منه الذمة.

    وقال ليزيد بن علاقة السكسكي صاحب شرطه: اجعل سيفك سوطا، فمن وجدته بعد ثالثة عاصيا فاقتله.

    vol. 8, p. 274
  2. وقيل إن الحجاج قال في خطبته:
  3. جاءت به والقلص الأعلاط (١) … تهوي هوي سائق الغطاط (٢)

  4. ليس هذا أوان عشك فادرجي.

  5. وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة الأسدي، قال:

    حدثنا أشياخنا قالوا: قدم الحجاج الكوفة، فخطب خطبته التي توعد الناس فيها، ثم قال: إياي وهذه الجماعات والزرافات والإخبار والاستخبار وسوء الأراجيف، لا يركبن أحد منكم إلا وحده ولا يخافن إلا ذنبه، إنه لو ساغت لأهل المعصية معصيتهم، ما جبي فيء، ولا قوتل عدو، ولعطلت الثغور، وأهملت الأمور، ولولا أنكم تغزون كرها ما غزوتم طوعا، وقد بلغني رفضكم المهلب، وإقبالكم إلى مصركم، عصاة مخالفين، وأقسم بالله:

    لا أجد أحدا بعد ثالثة ممن أخل بمركزه، إلا ضربت عنقه، ثم دعا بالعرفاء فقال لهم: ألحقوا الناس بالمهلب، وأتوني بكتبه بموافاتهم ولا أستبطئكم فأضرب أعناقكم.

  6. فلما كان اليوم الثالث من مقدمه، سمع في السوق تكبيرا عاليا، فصعد المنبر، فقال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قاصف، أيا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأبناء الأيامى، إلاّ يربع أحدكم على ظلعه، ويحسن حمل

    vol. 8, p. 277رأسه ويحقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم بالله ليوشك أن أوقع بكم، وقعة تكونون بها نكالا لما قبلها، وأدبا لمن بعدها. فقام عمير بن ضابئ التميمي ثم البرجمي، فسأله أن يقبل منه بديلا، وكان وطيء على بطن عثمان وهو مقتول فضرب عنقه. قالوا: ولقي رجل أعرابيا من بني تميم، فقال ما الخبر؟ قال: قدم الكوفة رجل من شر أحياء العرب، من هذا الحي من ثمود، حمش الساقين (١) ، ممسوح الجاعرتين (٢) ، أخفش العينين (٣) ، فقدم سيد هذا الحي، فضرب عنقه.

    وقال ابن الزبير لإبراهيم بن عامر الأسدي:

    أقول لإبراهيم لما لقيته … أرى الأمر أمسى منهبا متشعبا

    تحرز فأسرع والحق الجيش لا أرى … سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا

    تخير فإما أن تزور ابن ضابئ … عميرا، وإما أن تزور المهلبا

    هما خطتا سوء، نجاؤك منهما … ركوبك حوليا من الثلج أشهبا

    فأمسى ولو كانت خراسان دونه … رآها مكان السوق أو هي أقربا

    قالوا: وأتي الحجاج بعاص من بني سعد، فقال أما سمعت جريرا يقول:

    إذا ظفرت يداه بحبل عاص … رأى العاصي من الأجل اقترابا (٤)

  7. ثم أمر به فضربت عنقه.

    وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان الحجاج يفرض في ثلاثمائة، ففرض للحرنفش - أحد بني ثعلبة بن سلامان وكان يأخذ من فرض له بفرس جواد، وسلاح شاك فقال الحرنفش:

    يكلفني الحجاج درعا ومغفرا … وطرفا كميتا رائعا بثلاث

    وستين سهما صنعة يثربية … وقوسا طروح النبل غير لباث

    ففي أي هذا أجعلن دراهمي … فربي من هذا الحديث غياثي

    المدائني عن سحيم بن حفص قال: كان قدوم الحجاج الكوفة يوم جمعة فخطب ونزل فصلى، وقرأ: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (١) . وقال في خطبته: أقسم بالله لتقبلن الإنصاف ولتتركن الإرجاف، وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والهبر والهبر لأهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، وحتى تمشوا السمهى (٢) ، وتقلعوا عن ها، وها، وإياي وهذه الزرافات والجماعات.

    وقال أبو مخنف: لما خطب الحجاج خطبته، أمر مناديه فنادى: أن برئت الذمة من عاص مخل بمركزه، وجدناه بالكوفة بعد ثلاث، فألحقوا ببعث المهلب، وبمكاتبكم (٣) من الثغور، ومغازيكم للخوارج.

    vol. 8, p. 278