أمر قطري بن الفجاءة

79 paragraphs · vol. 8, p. 407

Page 1 of 2

  1. قالوا: لما قتل الزبير بن علي بأصبهان أراد الخوارج ان يولوا أمرهم عبيدة بن هلال، فقال عبيدة: أنا أدلكم على من هو خير مني. قطري بن الفجاءة. فبايعوه، وكان قطري يكنى أبا نعامة. فلما بلغ الأحنف خبره ومسيره من أصبهان قال: إيه أبا نعامة، ان ركب بنات سجاح وقاد بنات صهال، وأمسى بأرض وأصبح بأخرى وجبى المال، وأعطى الرجال طال أمره، فبلغ ذلك قطريا فنادى في عسكره: ألا لا يصحبنا إلا رجل معه بغل فكان ذلك مما ينكر على الأحنف. واسم الفجاءة فيما ذكر الكلبي عن شرقي القطامي جعونة.

    vol. 8, p. 407
  2. وقال غيره أن اسمه مازن بن زياد بن يزيد بن حنثر بن حارثة بن صعير بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم.

    وقال الكلبي: غاب مازن بن زياد باليمن دهرا ثم أتاه فجاءة فسمي الفجاءة، وكان اعتقاد قطري وبيعته في سنة إحدى وسبعين.

  3. وأتى قطري فارس وعليها عمر بن عبيد الله بن معمر فاقتتلا، ثم صار قطري والخوارج إلى رام هرمز وكان المهلب بن أبي صفرة بالبصرة، وقد أراد المصعب بن الزبير المصير إلى باجميرى (١) للقاء عبد الملك فسأله المهلب أن يكون معه أو بقربه فأبى وقال: ان أهل مصرك محتاجون أن تدفع عنهم هذا العدو المطل عليهم فأنا أؤثرهم بك لأني خائف أن تسبيهم الحرورية فسار المهلب لقتال الخوارج فلما بلغ ذلك قطريا صار إلى كرمان فقال بعض أصحاب قطري:

    هربنا نريد الخفض من غير علة … وللحرب ناب لا يفل ومخلب

    فقولا لأصحاب القرآن نصيحة … دعو الظن إن الظن بالناس يكذب

    عسى أن تقولوا أن فينا منافقا … يعيب أمير المؤمنين ويقصب

    فلا والذي أرسى ثبيرا مكانه … ورضوى بأكناف الحجاز وكبكب

    لقد قلت هذا غير طالب عيبه … وفي عيبه لو عبت جذع موعب (٢)

    vol. 8, p. 408
  4. فلما بلغ قطريا الشعر رجع إلى رامهرمز، فسار إليه المهلب فقاتله ثلاثة أشهر أو أكثر، وقتل مصعب بن الزبير فبلغ خبر قتله قطريا قبل أن يبلغ المهلب، فناداهم الخوارج: ما تقولون في مصعب؟ قالوا: إمام هدى.

    قالوا: فما تقولون في عبد الملك؟ قالوا: ضالّ مضلّ. فمكثوا يومين أو ثلاثة ثم أتى المهلب قتل مصعب واجتماع الناس على عبد الملك، وورد على المهلب كتاب عبد الملك بتوليته قتال الخوارج فضجوا في عسكره، وأقبل

    vol. 8, p. 409الخوارج فوقفوا على الخندق فقالوا: ما تقولون في مصعب بن الزبير؟ قالوا:

    لا نخبركم، قالوا: فعبد الملك؟ قالوا: إمام هدى. قالوا: يا أعداء الله كان بالأمس عندكم ضالا وهو اليوم إمام هدى. لعنكم الله يا فساق يا عبيد الدنيا. وهذا أثبت الأخبار ولم يأت قطري فارس لمكان عمر بن عبيد الله، فقتل مصعب وقطري برامهرمز.

  5. [ولاية خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد]

    قالوا: قدم خالد البصرة واليا من قبل عبد الملك بن مروان، وجهه من الكوفة وقال له: أكرم جفريتك - يعني من نصره يوم الجفرة - فعزل خالد المهلب عن قتال الأزارقة: قطري وأصحابه، وولاه الأهواز وكور دجلة، وولى فارس ابنيه، فجعل أحدهما في بعض كورها، والآخر على باقيها، وبعث أخاه عبد العزيز بن عبد الله على قتال قطري وأصحابه، فسار إلى قطري ومعه فرسان أهل البصرة، ومعه مقاتل بن مسمع، وكان معه ابن قيس الرقيات.

    وقال أبو الحسن المدائني: لما قدم خالد وذكر عزل المهلب عن قتال الأزارقة قال له ابن النعمان بن صبهان الراسبي: إن أهل البصرة قد كانوا أمنوا العدو والمهلب بالأهواز وابن معمر بفارس، وقد عزلت معمرا عن فارس فإن عزلت المهلب لم تأمن العدو.

    فقال خالد: ذهب المهلب بحظ هذا المصر فأعزله وأوجه عبد العزيز إلى هذه المارقة، فقال له أمية أخوه: لا تعزل المهلب فإن ظفره لك وهزيمته عليه. فأبى إلا عزله. وكتب إلى المهلب فقدم عليه.

    vol. 8, p. 411
  6. وتجهز خالد وشخص إلى الأهواز، وأقبل قطري والخوارج إلى الأهواز فخرج إليهم خالد ومعه المهلب فالتقوا بكريج دينار، فقاتلوا خالدا ومنعوه من حط أثقاله وصبر لهم يومه كلّه فقتل الربيع بن زياد اليشكري، وهو يومئذ على شرطته.

    vol. 8, p. 412
  7. وتحاجزوا عند المساء فقال له المهلب: إنك لا تدري أتطول حربك أم تقصر وما ههنا لا يحمل متعلقك وسرحك، فاقطع دجيلا فتصير بين مناذر والسوس وجنديسابور ونهرتيرى. ففعل وارتحل قطري فنزل مدينة نهرتيرى، وكان الخوارج قد بنوها وخندقوا وعقدوا جسرا وجعلوا كرسيه في الخندق.

  8. ونزل خالد رستاقا من مناذر يقال له برتا، فقال المهلب: ان قطريا قد تحصن وأنت أولى بهذا منه فخندق وفرغ سفنك وأدخلها الزايذان فإني لا آمن البيات، قال: يا أبا سعيد الأمر أعجل من ذلك، فقال المهلب لبعض أصحابه: أخرجوا ما كان لكم من متاع في هذه السفن فإني أرى أمرا ضائعا، وقال لزياد بن عمرو: خندق فخندق.

  9. ودعا المهلب فيروز حصين إلى التحول إليه فقال: يا أبا سعيد الرأي رأيك ولكني أكره مفارقة أصحابي. قال: فكن يا أبا عثمان قريبا منا إذا رأيت مفارقة أصحابك، فقال: أما هذا فنعم. وكان زياد يومئذ على شرطة خالد بن عبد الله، وقاتلهم الخوارج أربعين يوما لا ينفسونهم.

  10. وكتب عبد الملك إلى بشر بن مروان أن يمد خالدا بجيش عليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي ففعل، وقال بشر لعبد الرحمن: إذا فرغتم من الحرب فسر إلى الري. فقدم عبد الرحمن على خالد، وقال

    vol. 8, p. 413المهلب لخالد: أصلح الله الأمير إنك قد أبيت أن تخندق وأن تدخل سفنك الزايذان فحول ما في سفنك فأبى.

  11. وأقبل الخوارج يريدون أن يبيتوا خالدا، فأخذوا سفنا فيها قصب فألهبوا فيها النيران وحدروها على سفن خالد، وأقبلوا هم على خيولهم، وأحرقت النيران سفن خالد، وأقبل الخوارج حتى خالطوا عسكر خالد لا يلقون أحدا إلاّ قتلوه ولا دابة إلاّ عقروها ولا فسطاطا إلاّ هتكوه وألهبوا فيه النار، فبعث المهلب يزيد ابنه في مائة فارس فخرج من الخندق، وجاء الصلت بن الغضبان الجذعي في مائة، وجاء فيروز حصين في مائة من مواليه، وجاء عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في مائة، فحمل الخوارج عليهم فصرع يزيد بن المهلب فقاتلوا عنه حتى ركب، وأبلى عبد الرحمن بن الأشعث فصرع، وحامى عليه قوم من همدان، وأبلى الصلت، ورماهم فيروز بالنشاب حتى أخرجوهم من العسكر، فانصرفوا على حاميتهم إلى عسكرهم، ونادى ملاّحو قطري ملاّحي خالد: تعالوا إلى خير الناس وأوفاهم فقال أعشى همدان لعبد الرحمن بن الأشعث في قصيدة.

    ويوم أهوازك لا تنسه … ليس الثنا والمدح بالبائد

    وأصبح عسكر خالد كأنه حرة سوداء من الرماد، فنادى الخوارج خالدا: ذهبت سفنك لولا هذا الساحر المزوني لأهلكك الله وأخزاك.

  12. وقال خالد للمهلب لما رأى ما بعسكره من القتلى والجرحى: كدنا نفتضح. فقال: إن لم تخندق عادوا إليك. فقال: اكفني أمر الخندق فقام المهلب بالخندق حتى أحكمه فقاتل قطري خالدا بعد أن خندق ثلاث

    vol. 8, p. 414مرات، ثم ارتحل إلى كرمان. ورجع خالد إلى البصرة وخلف أخاه على الأهواز عاملا عليها.

    وقال قطري لما بلغه انصراف خالد: إن أتاكم عتاب بن ورقاء أتاكم شجاع يلقاكم في سرعان الخيل، وإن أتاكم حجازي فهو ما تريدون، وإن أتاكم ابن معمر فليست ثم مناظرة، هي دفعة إما له وإما عليه وفيها الموت.

  13. وإن جاءكم المهلب فإن ناجزتموه ناجزكم وإن طاولتموه طاولكم وهو البلاء.

    قال أبو الحسن المدائني: أقام قطري وأصحابه بكرمان خمسة أشهر ثم أتوا فارس فقال له مقاتل بن مسمع: ولّ عبد العزيز قتال الأزارقة وانتخب له، ففعل.

  14. وشخص عبد العزيز في ثلاثين ألفا ويقال في خمسة وعشرين ألفا وعلى شرطه هراسة بن الحكم، أحد بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وعلى بكر بن وائل مقاتل بن مسمع، وعلى بني تميم عبس بن طلق، وحمل عبد العزيز معه امرأته ابنة المنذر بن الجارود، واستعمل خالد المهلب على الأهواز، فأقام بها في ثلاثمائة.

    وقال عبد العزيز حين سار للقاء الخوارج: زعم البصريون أن هذا الأمر لا يقوم له إلاّ المهلب، وسيعلمون.

  15. وكان الخوارج بأزدشيرخره، فلما قرب عبد العزيز منهم قيل له: إن الخوارج منك قريب فانزل الناس على غير تعبئة، فما حطوا الأثقال حتى طلع عليهم سعد الطلائع في سبعمائة وهم على غير تعبئة فناوشوهم ثم ولى الخوارج منهزمين مكيدة منهم، وقال سعد: استطردوا لهم، واتبعهم عبد

    vol. 8, p. 415العزيز والناس فقيل له: ارجع واتركهم حتى يحط الناس أثقالهم. فقال:

    لا حتى أخرجهم من هذا الرستاق فانتهوا إلى عقبة فصعدوا فيها ولهم بها كمين، ثم انحدروا من العقبة واتبعهم عبد العزيز وأصحابه، وخرج الكمين عليهم فحكّموا، وعطف قطري والخوارج فقاتلوهم فقال عبد العزيز لعبس بن طلق: انزل. فنزل وهو أعرج فقتل، وصبر الناس فقتل مقاتل بن مسمع وهراسة بن الحكم وسليم بن سلمة الليثي وجعفر بن داود بن قحذم أحد بني قيس بن ثعلبة، وانحاز عبد العزيز والناس واتبعوهم فقتلوهم حتى فرسخين وأسروا منهم أسرى فشدوهم وثاقا وألقوهم في غار، وسدوا عليهم بابه فماتوا فيه.

  16. وحوى قطري عسكر عبد العزيز وأخذوا امرأته أم حفص بن المنذر بن الجارود. وأخذوا امرأة سليم بن سلمة وغيرها. وساقوا النساء إلى عسكرهم، وضربت امرأة منهن الرجل الذي أخذها بسوارها فشجته فقتلها وكان يقال لها ريمة، ونادوا على أم حفص فتزايد عليها قوم أسلموا من المجوس وصاروا خوارج ففرض لهم الخوارج في خمسمائة خمسمائة فسموا البنجكية حتى بلغوا بها سبعين ألفا، فغم ذلك قطري بن الفجاءة وقال:

    ما ينبغي لرجل من المسلمين المهاجرين أن يكون له سبعون ألف درهم، وإن هذه لفتنة، فضربها أبو الحديد العبدي فقتلها فأخذوه فقال قطري:

    مهيم يا أبا الحديد. قال: يا أمير المؤمنين خشيت الفتنة عليهم في هذه المشركة، قال: أحسنت، وقال آل الجارود: ما ندري أنذم أبا الحديد أم نشكره؟ فقال رجل من الخوارج:

    vol. 8, p. 416كفانا فتنة عظمت وجلت … بحمد الله سيف أبي حديد

    تغالى المسلمون بها وقالوا … على فرط الهوى هل من مزيد

    فزاد أبو الحديد بنصل سيف … رقيق الحد فعل فتى رشيد

    وجاء يومئذ العلاء بن مطرّف بن شهاب التميمي من بني عبشمس ومعه امرأتان له إحداهما عبشمية من بني ملادس والأخرى ضبيّة يقال لها أم جميل وهي مطلقة، وقال:

    ألست كريما إذ أقول لفتيتي … قفوا فاحملوها قبل بنت عقيل

    بنت عقيل يعني العبشمية المطلقة

    ولم لم يكن عودي نضارا لغودرت … بخسف غداة الروع أم جميل

    فقلت لبئس الفحل فحلك إن نجا … وآل ولما يذعروا بقتيل

    وما سر لي من والد ترك عرسه … فكيف إذا غب الحديث أقول

    وحممتها عند الفراق ببكرة … حفاظا وإخوان الحفاظ قليل

    العلاء ابن عم عمرو القنا الخارجي، وكان قطري يقدمه أمامه، وكان العلاء يتمنى أن يلقاه عمرو فلقيه فتمثل عمرو:

    تمناني ليلقاني لقيط … وذاك عليه لو يدري بلاء

    ثم قال له: النجاء يا أبا الصدي.

    وقال الهيثم بن عدي: كان على عبد العزيز سلاح مظاهر، فضرب ثلاثين ضربة فلم تحكم فيه، وفر فقال بعضهم: قبح الله ابن السوداء، فر وإن الدّولة له.

    vol. 8, p. 417قال: وقال ابن قيس الرقيات:

    عاهد الله إن عدته المنايا … ليعودن بعدها حرميا

    مرة يسكن الصفاح ونعمان (١) … ن ومرا ومرة في حديا

    حيث لا يشهد الصفوف ولا يسم … ع يوما لركز خيل دويا (٢)

  17. حدثني خلف بن سالم عن وهب بن جرير عن أبيه عن عمه صعب بن زيد قال: لما توجه عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد إلى قطري أتاني كردوس حاجب المهلب وأنا بالأهواز فقال: أجب. فأتيته فقال: يا صعب كأني انظر إلى هزيمة عبد العزيز ولا أدري من يفجأنا وليس معي جند فأعلم أين مستقر عبد العزيز، فخرجت حتى علمت مكانه وما بينه وبين الخوارج، ثم خلفت عمران بن عزيز البرساني ليكتب بخبرهم، وإذا كردوس قد دعاني بعد مقدمي بثلاث، فأتيت المهلب وأقرأني كتاب عمران بن عزيز بهزيمة عبد العزيز، فقال: اخرج حتى تلقى الفلّ وتعلم العلم، فخرجت على فرسي فسمعت بالليل كلام عبد الله بن قيس الجهضمي فناديته فعرفني فقلت: ما وراءك؟ قال: الشر. قلت: أين عبد العزيز؟ قال: أمامك. فانتهيت إلى ماهزويان (٣) فإذا خمسون فارسا معهم لواء فجاءني رجل يركض فقلت: لمن هذا اللواء؟ فقال: لعبد العزيز. فدنوت

    vol. 8, p. 418منه فسلمت عليه ثم قلت: أيها الأمير لا يعظم عندك ما لقيت فإنك كنت في شر جند كلهم متأمّر مقاتل وهراسة والهذيل بن عمران وأشباههم، ثم تركتهم وأقبلت إلى المهلب فقلت: الخبر ما يسرّك، هزم الرجل وافتضح.

    فقال: ويحك، وما يسرني في فضيحة رجل من قريش وفل جيش المسلمين، فوجهني إلى خالد فامتنعت وقلت أهديك إذا إلى بيت الله، فوجه عمران بن عزيز وقال: أنا بينه وبين أخيه فلا أجد بدا من أن أبعث إليه بخبره قال: فلما أتى خالدا فأخبره قال: كذبت وكذب من بعث بك والله لهممت أن أضرب عنقك.

    قال عمران: ورد علي رجل من قريش وقال: كذبت فقلت: أصلح الله الأمير إن كنت كاذبا فاقتلني وإن كنت صادقا فأعطني مطرف هذا المتكلم. قال: لهان ما أخطرت به دمك.

    قال صعب: وقدم عبد العزيز على المهلب فوصله وكساه وبره وشخص معه إلى البصرة، واستخلف بالأهواز ابنه حبيب بن المهلب وقال:

    لا تبرح موضعك حتى ترى الخيل فإن رأيتها فصر إلى مناذر ثم اقطع الجسر وخذ على نهر تيرى حتى تقدم إلى البصرة، ففعل حبيب ذلك حين رأى الخوارج وقدم البصرة فغضب خالد فتوارى حبيب حتى كلمه فيه المهلب فرضي. وتزوج حبيب في تواريه أم عباد بن حبيب وهي من بني هلال.

    قال صعب: وكتب خالد إلى عبد الملك يعتذر لعبد العزيز وقال للمهلب: ما تراه صانعا في؟ قال: يعزلك. قال: تراه قاطعا رحمي؟.

    قال: نعم قد علم أمر أمية وانهزامه عن أبي فديك، وعلم أمر عبد العزيز وأخذ خالد ما كان في بيت المال.

    vol. 8, p. 419وقال الهيثم: لما أمد المهلب بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قال له:

    يا بن أخي خندق على أصحابك. قال: يا أبا سعيد أنا أعلم بهم منك، والله لهم أهون عليّ من ضرطة جمل. فقتل من أصحابه ولقوا شرا ولقب ضرطة الجمل. فقال الشاعر:

    تركت فرساننا تدمى نحورهم … وجئت منهزما يا ضرطة الجمل

    وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أخذ خالد بن عبد الله ما كان في بيت المال بالبصرة وهو خمسة عشر ألف ألف درهم.

    وقال أبو الحسن المدائني وغيره: كتب عبد الملك إلى خالد: إني عهدت إليك أن تولي المهلب قتال الخوارج، فلما ملكت أمرك آثرت هواك على طاعتي فعزلت المهلب ووليته الجباية، ووليت أخاك عبد العزيز قتال الأزارقة فقبح الله هذا الرأي، أتبعث أخاك وهو رجل من أهل مكة وتدع المهلب وقد مارسهم وقد قال الأول: يا عجبا من ضأن يطأن الرّحض (١) ولعمري لو عاقبتك على قدر جرمك لأتاك مالا بقية بعده، ولكني ذكرت الرحم فحجزني ذلك فجعلت عقوبتك عزلك.

  18. وانتشر الخوارج وقال بعض الشعراء:
  19. بعثت غلاما من قريش فروقة … وأخرت ذا الرأي الأصيل المهلبا

    أبى الذم واختار الوفاء وجربت … مكيدته عند الأمور وجرّبا

    وقال أبو الحديد:

    vol. 8, p. 420عبد العزيز فضحت جيشك كلهم … وتركتهم صرعى بكل سبيل

    من بين ذي رمق يجود بنفسه … وملحب (١) وسط الغبار قتيل

    هلا صبرت مع الشهيد مقاتل … إذ رحت منتكث القوى بأصيل

    وتركت جيشك لا أمير عليهم … فارجع بعار في الحياة طويل

    ونسيت عرسك إذ تقاد سبيّة … تبكي العيون برقة وعويل

    وقال أيضا:

    عبد العزيز فضحت جيشك كلهم … وتركتهم صرعى بكل مكان

    لما رأيت أبا نعامة مقبلا … نجيت نفسك والرماح دوان

    ورأيت سعدا في الطلائع معلما … ولصالح شغبا على الأقران

    أسلمت عرسك والبلاء موكل … بالقول عند تشاجر المران (٢)

    وقال آخر:

    ألا ليت شعري ما يقولن خالد … إذا الخيل جالت والقنا يتشاجر

    أتصبر إنّ الصبر ليس سجية … لآل أسيد يوم تسبى الحرائر

    وقال الفرزدق:

    فرّ اللئيم عن اللقاء مبادرا … وثوى بمنزله الكريم مقاتل (٣)

    وقال عبد الملك: نكس خالد الرماح على عواليها، وترك المهلب المعروف بالنجدة والعلم بمكيدة الخوارج فجعله جابيا، وولى أخاه قتال الخوارج.

    vol. 8, p. 421قالوا: ولما عزل عبد الملك خالدا جمع لبشر بن مروان الكوفة والبصرة وكتب إلى بشر: إنك أخو أمير المؤمنين يجمعك وإياه مروان، وإن خالدا يجمعني وإياه أمية فانظر لنفسك وانظر المهلب فإنه حازم صارم فوجهه إلى هذه المارقة، وأمدّه من أهل الكوفة بثمانية آلاف.

  20. فغم بشرا كتابه في المهلب وقال: والله لأقتلنه فإنه زبيري. فقال له موسى بن نصير: أصلح الله الأمير. إن للمهلب بلاء وطاعة ووفاء. فسار بشر من الكوفة إلى البصرة في آخر سنة أربع وسبعين وأول سنة خمس وسبعين، فكتب موسى بن نصير وعكرمة بن ربعي، وكان عكرمة وادا للمهلب، إلى المهلب: أن الق الأمير متذللا. فلقيه على بغل أو حمار وسلم مع العامة ثم انصرف.

  21. ودخل بشر البصرة وعن يمينه الهذيل بن عمران البرجمي وعن يساره الحكم بن المنذر بن الجارود. فقال المهلب: أميركم يشرب. قد كنا نكتفي بشاهد واحد وهذان شاهدان، وكانا يشربان.

  22. ولما نزل بشر دار الإمارة سأل عن المهلب وقال: لم أره. فقيل: بلى، قد أتاك وهو شاك. فأراد أن يوجه إلى قطري وأصحابه عمر بن عبيد الله بن معمر أو غيره فشاور، فقال له أسماء بن خارجة: ما ولاك أمير المؤمنين إلا لتعمل بما ترى. فقال له عكرمة: لا تفعل ولكن راجع أمير المؤمنين وأعلمه شكاة المهلب. فأوفد بشر إلى عبد الملك وفدا يخبرونه بوجع المهلب وأن قوما من أهل البصرة يغنون أكثر من غنائه.

  23. فخلا بعبد الله بن حكيم المجاشعي فقال له: إن لك عقلا ورأيا فمن ترى لمحاربة هذه المارقة؟

    vol. 8, p. 422قال: المهلب. قال: إنه وجع. قال: ليس وجعه مما يمنعه النهوض.

    فقال عبد الملك: أرى بشرا يريد أن يعمل بما عمل به خالد.

  24. فكتب إليه يعزم عليه أن يوجه المهلب، فأرسل بشرا إلى المهلب أن انتخب من أحببت. فقال: أنا عليل لا أقدر على الاختلاف، فأمر فحمل إليه الديوان فانتخب فلم يجز له بشر عامة من انتخب، وكلمه في قوم فخلفهم.

  25. واستقرض المهلب مالا من التجار وغيرهم وبلغت الجعالة بين الناس أربعة آلاف، وسار إليهم المهلب فلقوه فأبلى يزيد بن المهلب وهو ابن احدى وعشرين سنة فنفاهم عن الأهواز، فأتوا فارس، فوجه إليهم المهلب ابنه المغيرة فقيل له: طاول هؤلاء الكلاب وإلا فإنك ستلزم بيتك إن فرغت من أمرهم. فقال: ليس هذا من الوفاء.

  26. ثم رجع الخوارج إلى رامهرمز فكتب بشر بن مروان إلى خليفته بالكوفة أن اعقد لعبد الرحمن بن مخنف على ثمانية آلاف، فلما قدم عليه قال له: قد علمت حالك عندي فكن عند ظني بك، انظر هذا المزوني فخالفه وأوعده، فخرج ابن مخنف وهو يقول: سبحان الله، ما طمع فيه هذا الغلام مني؟ يأمرني بتصغير شيخ من شيوخ قومي وساداتهم.

  27. ونزل ابن مخنف رامهرمز، ومات بشر واستخلف خالد بن عبد الله بن أسيد فرفض أهل الكوفة وقدموا إلى بلدهم، وأراد أهل البصرة أن يفعلوا مثل ذلك فقال لهم المهلب: لستم تقاتلون لبشر ولا لخالد إنما تقاتلون عن بلادكم فلا تصنعوا كما صنع أهل الكوفة فتحربوا عدوكم عليكم. فأقام بعضهم ورجع بعض عصاة إلى البصرة، وأقام المهلب في البصريين وأقام عبد الرحمن في ناس من أهل بيته لم يكن بقي معه أحد غيرهم.

  28. فلما قدم الحجاج العراق واليا في سنة خمس وسبعين بدأ بأهل الكوفة فخطبهم وتهددهم وتوعد العصاة بالقتل وقتل بعضهم، وخطب أيضا بالبصرة وألحق الناس بالمهلب.

    vol. 8, p. 423
  29. وكتب الحجاج إلى المهلب: «إنّ بشرا رحمه الله بعثك مستكرها لنفسه عليك وأراك غناءه عنك، وإنى أعرفك حاجتي إليك فناهض عدوك ودع العلل، فوالله لأحشرن الناس إليك حشرا، فإني آخذ السميّ بالسّمي، والوليّ بالولي، حتى يكون قليل من يأتيك ككثير من فارقك، واقتل من خفته على المعصية فإني قاتل من قبلي من أهل الطبقة، فإن العاصي يجمع خلتين: إنه أخل بمركزه ووعر المسلمين من نفسه، وهو أجير لهم ليس له أن يأخذ إلا بقدر ما عمل» .

  30. فكتب إليه المهلب: «ليس معي إلا مطيع، وإن الناس إذا أمنوا العقوبة صغروا الذنوب، وإذا يئسوا من العفو كفرهم ذلك، فهب لي الذين سميتهم عصاة، وإنهم فرسان أرجو أن يقتل الله بهم هذا العدو، إن شاء الله» .

    وقال المهلب لجنده: «لقد جاءكم وال ذكر، ولولا هو كنا بمضيعة، فعليكم بالجد والحزم فإني رأيت البقاء مع الحزم، واستشعروا الصبر واعلموا أنه ليس كلّ غاز يؤوب إلى أهله، ولا كلّ سلامة تدوم لأهلها، وهؤلاء القوم يقاتلونكم عن دينكم ودنياكم، فأكرموا الخيل تنفعكم عند اللقاء، وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل، وعيّروا الجبان يأنف، فلقد رأيتني مع الحكم بن عمرو بخراسان وإنّا لنعدّ في سرعان الناس رجالا ما يعابون إلا بالجبن وإن

    vol. 8, p. 424خلفهم لرجالا ما يحتملون إلا على الناس، فما رجع مستقدم، ولا تقدم مستأخر، والرجال يحمل غثها سمينها، والشجاعة ضراوة».

  31. فلما كثر الناس قال قطري وهو برامهرمز: من يأتي سردن (١) فإنها حصينة. قال عبيدة: بل نأتي سابور، ونخرج إلى كرمان، فنمضي منها إلى حيث نشاء.

  32. فأتى قطري سابور، ونزل المهلب أرجان، وبعث خيلا إلى سردن، وخاف أن يأتيها الخوارج فيتحصنون بها، وليست بمدينة، ولكنها جبال وعقاب منيعة.

  33. وأتى المهلب كازرون فخندق، وأقبل عبد الرحمن بن مخنف في جند أهل الكوفة فنزل ناحية، وذلك أن الكوفيين أبوا أن يخالطوا البصريين، فأرسل إليه المهلب: إما أن تنزل معنا وإما أن تخندق على نفسك، فأرسل إليه: خنادقنا سيوفنا.

  34. وكتب الحجاج إلى المهلب وهو بكازرون: إنك أقبلت على جباة الخراج وأبطأت عن قتال العدو، وقد هممت أن أولي عباد بن حصين أو عبيد الله بن حكيم المجاشعي ما وليتك قبل خروج الناس عليك.

    وقال الهيثم بن عدي: استبطأ الحجاج المهلب فكتب إليه: «إنك مزوني وابن مزوني (٢) ، وللعجب منك حين تهاب قتال الأزارقة، كأنك ترى

    vol. 8, p. 425أنك ترث الأرض، وايم الله لئن لم تناجزهم لأبعثن إليك من يحملك على مكروه أمرك والسلام».

  35. فكتب إليه: «أما بعد فقد جاءني كتابك وإني لمزوني وابن مزوني ما أنكر ذلك، وإنما مزون عمان سمعتها العجم بذلك ولكن الأمير أصلحه الله من قبيلة قد ادعت إلى حمير وعدة قبائل وما استقر قرارها بعد، كانوا بقية ثمود ثم انتموا إلى وحاظة من حمير، ثم إلى أياد، ثم إلى عدوان، ثم إلى قسي بن منبه» .

  36. فلما قرأ الحجاج الكتاب تبسم ثم قال: أفحشنا للرجل فأفحش.

    وقال المدائني: كتب إليه الحجاج: «إنك تشاغلت بالجباية عن الحرب» . فكتب إليه: «إن من ضعف عن الجباية فهو عن القتال أضعف، ولو وليت غيري ممن سميت لرجوت أن يكونا للولاية أهلا في فضلهما وجرأتهما، وذكرت أني رجل في الأزد من أهل عمان وإن شرا من الأزد قبيلة تنازعتها ثلاث قبائل، ثم لم يستقر لها بيت في واحدة منهن» .

  37. وناهض المهلب قطريا وأصحابه بكازرون في شهر رمضان سنة خمس وسبعين، وقاتل معه جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف في رجال من أهل الكوفة، وجعل عبيدة يقاتل وهو يرتجز.

    إني لمذك للشراة نارها … ومانع مما أتاها دارها

    وغاسل بالطعن عنها عارها

    ثم تراجعوا، وأبلى يومئذ عياش الكندي، وكان من الفرسان، فلما هلك قال المهلب: لا وألت أنفس الجبناء بعد عياش، وكان من رجال المهلب.

  38. وقتل مرّة الكنان فبكى قطري حين أتي برأسه. فقيل له: أتبكي على رجل من أهل النار؟ فقال: إنما يبكى على أهل النار. وكان من قومه.

    vol. 8, p. 426
  39. وأبلى أهل الكوفة يوم كازرون حتى عرف مكانهم، وحذر المهلب الحريش ومن معه من بني تميم البيات فقال الحريش للمغيرة بن المهلب:

    يا أبا خداش، لا تخافنّ البيات من قبلنا. وأراد الخوارج أن يبيّتوهم فلم يقدروا. وقال الحريش:

    وجدتمونا وقّرا أنجادا … لا كشفا ميلا ولا أوغادا

    وترّجل أبو الأحوص صاحب مسعود وخزيمة بن نصر العبسي وغيره، وقاتلوا فقتل ابن مخنف وارتثّ جعفر ابنه.

  40. وكان عبد الرحمن بن مخنف يلقب في قول بعضهم ضرطة الجمل، ويقولون إنه القائل ما حكي عن ابن الأشعث من قوله: هم علي أهون من ضرطة جمل.

    وقال حميد بن مسلم يرثي ابن مخنف:

    إن يقتلوك أبا حكيم غرة … فيما يشد ويقتل الأبطالا

    ولمثل قتلك هد قومك كلهم … من كان يحمل عنهم الأثقالا

    في أبيات.

    وقال سراقة بن مرداس البارقي:

    أعيني جودا بالدموع السواكب … وكيفا كراس شنة (١) مع راكب

    vol. 8, p. 427وكونا بخير قبل قتل ابن مخنف … وكل فتى يوما لبعض المذاهب

    أمات دموع الشيب من أهل مصره … وعجل في الشبان شيب الرواسب

    وقال أيضا:

    ثوى سيد الأزدين أزد شنوءة … وأزد عمان وهو رمس بكازر

    وصابر حتى مات أكرم ميتة … بأبيض من بيض الحديد البواتر

    في أبيات.