أمر قطري بن الفجاءة
79 paragraphs · vol. 8, p. 407
Page 2 of 2
- vol. 8, p. 427
وواقع المهلب الخوارج مرات صابرهم فيها وصابروه، وكان الحجاج يوجه إليه من يأخذه بالقتال والمناجزة، ووجه إليه أمينا فكتب بخبره، فقال الشاعر في أبيات له:
فمن مبلغ الحجاج أن أمينه … زيادا أصابته رماح الأزارق
وكتب الحجاج إلى عتاب بن ورقاء، فصار إلى المهلب، فكان على جيش عبد الرحمن بن مخنف.
وقال المدائني: بعث الحجاج الجراح بن عبد الله إلى المهلب مستحثا بالمناجزة، فقال المهلب: يا أبا عقبة ما تركت حيلة أبلغ بها مكيدة إلا وقد أعملتها، وقد انتهيت في قتال هذا العدو إلى العذر، ولكن البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يعمله.
-
وكتب الحجاج إلى المهلب: «إنك أقمت في خندق احتجارا من قتال هؤلاء المارقة» ، فكتب إليه المهلب: «أتاني كتابك تعتب فيه علي على الخندقة، والخندقة حرز وحصن، وقد خندق رسول الله ﷺ بأمر الله، وذكرت أنك لا تظن في جبنا وعاتبني معاتبة الجبناء، وأوعدتني كما يوعد العاصي، فسل الجراح عما رأى» . فلما سأل الجراح قال: لم أر كما رأيت،
vol. 8, p. 428اقتتلوا ثلاثة أيام ضربا بالسيوف وطعنا بالرماح وخبطا بالعمد، فقال: لشد ما مدحته أبا عقبة، فقال: كلا ولكنه يحتمل المصيبة ويلقى كثيرا بقليل.
-
ولم يزل عتاب بن ورقاء مع المهلب حتى بعث إليه الحجاج في القدوم للقاء شبيب، فأعطي المهلب أهل البصرة ولم يعط أهل الكوفة، فسأله عتاب إعطاءهم فلم يفعل فقال له: حدثت إنك شجاع فرأيتك جبانا، وحدثت أنك جواد فرأيتك بخيلا. فقال المهلب: يا بن اللخناء. فقال:
إنها لمعمّة مخولة، فغضبت بكر بن وائل للمهلب فشتم بسطام بن نعيم بن هبيرة أخو مصقلة عتابا للحلف، وكان المهلب كارها لحلف بكر والأزد، فلما رأى أن بكرا قد نصرته سره ذلك الحلف، فلم يزل بعد ذلك يشدده ويقويه.
-
وغضبت تميم البصرة لعتاب، وأزد الكوفة للمهلب. فمشى المغيرة فيما بين أبيه وعتاب حتى أصلحه وكلم أباه فأعطى الكوفيين، فقال رجل من أهل هجر:
ألا أبلغ أبا ورقاء عنا … فلولا أننا كنا غضابا
على الشيخ المهلب إذ جفانا … للاقت خيله منا ضرابا
وكان عتاب وبنو تميم يحمدون المغيرة، وقال عتاب: إني لأعرف فضله على أبيه.
-
وكان مقام عتاب مع المهلب ثمانية أشهر يقاتل معه الخوارج بفارس وكرمان، واتخذ المهلب ركب الحديد، وكانت ركب الناس الخشب. فكان الفارس يضرب ركابه فيقطع الركاب وقدمه، فقال عمران بن عصام العنزي من عنزة:
vol. 8, p. 429ضربوا الدراهم في إمارتهم … وضربت للحدثان والحرب
حلقا ترى منه مراكلها … كمناكب الحمالة الحرب
وقالوا: كان قتال المهلب قطريا وأصحابه بسابور وما حولها ثمانية عشر شهرا. ووجه المهلب بشر بن مالك إلى الحجاج وأمر له بجائزة فردها وقال:
إنما الثواب بعد الإستحقاق، فلما ورد على الحجاج قال له: كيف تركت المهلب؟ قال: أدرك ما أمل وأمن ما خاف. فقال: كيف هو لجنده؟ قال: والد رؤوف. قال: كيف جنده له: قال: ولد بررة. قال: هذه السياسة.
-
وكان مع قطري رجل حداد يقال له أبزي يتخذ نصالا مسمومة.
-
فذكر ذلك للمهلب فقال: أكفيكموه. فكتب المهلب إلى أبزي: «إنه قد أتتنا نصالك، وقد بعثت إليك بألف درهم فزدنا نصالا» . وبعث بالكتاب فألقي في عسكر قطري فأخذ الكتاب فدفع إلى قطري، فسأل أبزي عن الخبر فقال: لا أدري ولا أعلم ما هذا الكتاب. فأمر به فقتل. فقال له عبد ربه: قتلت رجلا بغير ثقة ولا بيان يحل به دمه؟ فقال: يمكن هذا أن يكون حقا، ويمكن أن يكون باطلا. فرأيت في قتله صلاح الدين أمثل، وللإمام أن يحكم بما يرى فيه الصلاح، وليس للرعية أن ترد عليه. فتنكر له عبد ربه وجماعة وخالفوه في القول ولم يفارقوه.
-
وأرسل المهلب رجلا نصرانيا وقال له: إذا رأيت قطريا فاسجد له فإن نهاك فقل إنما سجدت لك، ففعل النصراني ذلك فقال له قطري: مه. إنما السجود لله. قال: ما سجدت إلاّ لك، فقال رجل من أصحابه: قد عبدك من دون الله، وقرأ: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ
vol. 8, p. 430جَهَنَّمَ﴾ (١) . فقال قطري: قد عبد النصارى المسيح ابن مريم، وإنما عنى الله الأصنام، فقام رجل فقتل النصراني فقالوا: قتلت ذميا، فاختلفوا.
-
ودس المهلب أيضا إلى عسكر قطري رجلا فقال: أرأيتم إن خرج إليكم رجلان مهاجران فمات أحدهما قبل أن يصل إليكم، وأتاكم الآخر فامتحنتموه فلم يجز المحنة فما تقولون في الميت؟ فقال بعضهم: الذي مات مؤمن وهذا كافر حتى يجيز المحنة. وقال آخر: هما كافران. واختلفوا فارتحل قطري إلى اصطخر في سنة سبع وسبعين في صفر.
وقال المهلب: الاختلاف أشد عليهم وأسرع في هلاكهم فلا تشغلوهم بالقتال عن الجدال، فتركهم شهرين، ثم أتاهم بإصطخر، فتركهم شهرا وهم يخوضون في اختلافهم. فقال لهم صالح بن محزاق مولى قريش، ويقال مولى آل مصقلة الشيباني: إن المسلم يغضي عينه على ما يقذيها، ويدع حسنا لقبيح، وصغيرا لمخافة كبير، والله إن الأمر الذي أتيتموه لقبيح، وفي الفتنة الحق، فاتقوا الله وراجعوا سلامة صدوركم فقد أطمع اختلافكم عدوكم فيكم.
-
وخرج عمرو القنا فنادى: يا معشر المحلّين، هل لكم في الطراد فلا عهد لنا به منذ حين. وقال:
ألم تر أنا مذ ثلاثون ليلة … قريب وإعلاء الكتاب على خفض
vol. 8, p. 431فتصايحوا، وأبلى المغيرة بن المهلب وصرع فاستنقذه فرسان من الأزد، واستاق الخوارج سرح المهلب فقال الرجل الذي كان يسوق السرح:
نحن خدعناكم بسوق السرح … وقد نكأنا القرح بعد القرح
فلحق ذلك الرجل بنو المهلب فردوا السرح.
-
وأراد الخوارج هدم فسا، فاشتراها أزادمرد بن الهربذ منه بمائة ألف درهم، وارتحل الخوارج يريدون كرمان فنزلوا صاهك (١) الصغرى وهي من اصطخر، فاتبعهم المهلب فقاتلهم، فقال غلام لأكتل بن منجب السدوسي:
- اليوم آتيك بجارية من جواريهم. فقال أكتل:
-
أخلاج إنك لن تعانق طفلة … سرحا بها الحادي كالتمثال
حتى تلاقي في الكتيبة مقدما … عمرو القنا وعبيدة بن هلال
وترى المقعطر في الكتيبة معلما … في عصبة قسطوا مع الضلال
والمقعطر عبدي.
قالوا: ومضى قطري إلى السيرجان، ورجع المهلب إلى فارس، وبعث الحجاج كردما على فارس فسأل المهلب الحجاج أن يجعل له كورا سماها ففعل، فكان المغيرة والرقاد يجبيان ولا يعطيان الجند فقال رجل من بني ضبة:
ولو علم ابن يوسف ما نلاقي … من البلوى بمنزلة الطراد
بكت عيناه من شفق علينا … وأصلح ما استطاع من الفساد
قرونا أرض فارس في جمادى … إلى شعبان نقطع كل واد
vol. 8, p. 432ترى الشيخ البجال على حمار … يسوق به فتى رخو النجاد
ألا قل للأمير جزيت خيرا … أرحنا من مغيرة والرقاد
وفي كردم يقال:
لو رآها كردم لكردما … كردمة العير أحسّ الضيغما
قال ابن الكلبي: وهو كردم بن مرثد الفزاري:
وأتى المهلب السيرجان فقاتل قطريا بها فصعد قطري المنبر (١) فخطب فقال: «أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة نضرة، حفت بالشهوات ورامت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وتحلت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا يدوم خيرها، ولا تؤمن فجيعتها، غرارة ضرارة، وحائلة زائلة، ونافذة بائدة، أكالة غوالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضى عنها أن تكون كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ (٢) . مع أنّ امرأ لم يكن منها في حيرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم يطله فيها رخاء إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة. وإن جانب منها اعذوذب وحلا، أمرّ منها جانب وأوبأ، وإن أتت امرأ من غضارتها ورقا أردفته من نوائبها تعبا، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن
vol. 8, p. 433إلا أصبح منها في قوادم خوف. غرارة غرورها فيها، فانية فان من عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منهما استكثر مما يؤمّنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ويبكي عينه، كم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة قد صرعته، وذي احتيال قد خدعته، وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة قد ردته ذليلا، ومن ذي تاج قد أكبته لليدين والفم. سلطانها ذلّ وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب وجارها مخروب، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (١) ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا وأوضح منكم آثارا وأعد عديدا وأكثف جنودا، وأشد عنودا، تعبدوا للدنيا أيّ تعبد، وآثروها أي إيثار، فظعنوا عنها بالكره والصغار، فهل يعلم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، أو أغنت عنهم فيما أهلكتهم بخطب، بل قد أرهقتهم وضعضعتهم بالنوائب، وقد رأيتم شكرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند، هل زودتهم إلا الشغب أو احلتهم إلا الضنك أو توردت بهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة؟. فهذه تؤثرون؟ أم على هذه تحرصون أم إليها تطمئنون؟
- vol. 8, p. 434
يقول الله تبارك وتعالى : ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ (١) . فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لأبد، فإنما هي كما وصفها الله عزّ اسمه باللعب واللهو، وقد قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (٢) . وقد ﴿قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ (٣) ثم حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا يتركون ضيفانا. وجعل لهم من الضريح أجنانا ومن التراب أكفانا. ومن الرفات جيرانا. وهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما. إن أخصبوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا جميع وهم آحاد، جيرة وهم أبعاد متناؤون لا يتزاورون.
-
حلماء قد ذهبت أضغانهم. وجهلاء قد ماتت أحقادهم. لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم. وكما قال الله عزّ اسمه: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ (٤) استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، فجاؤوها كما فارقوها حفاة عراة فرادى غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة وإلى خلود الأبد. يقول الله عز وجل : ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ (٥)
- vol. 8, p. 435
فاحذروا ما حذركم الله، واشفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه».
-
ثم ارتحل قطري إلى جيرفت واتبعه المهلب فنزل على ليلتين منه، واختلفوا فقال المهلب: الاختلاف خير لنا وشر لهم، وإنما اختلفوا لأنهم اتهموا عبيدة بن هلال بامرأة رجل قصّار رأوه يدخل إليها بغير إذن متفضلا فأخبروا قطريا فقال لهم: إنه عبيدة وموضعه من الدين والعسكر ما علمتم، فقالوا: لا نصالح على الفاحشة. فقال قطري لعبيدة: إني على أن أجمع بينك وبينهم فلا تكاشف مكاشفة البذيء ولا تخضع خضوع المريب.
-
ثم جمع قطري بينهم وبينه فقرأ عبيدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (١) الآية. فبكوا وقاموا إليه فعانقوه وقالوا: استغفر لنا. فقال عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة: والله لقد خدعكم، وإنه لكما ظننتم. فبايع عبد ربه منهم قوم وتنكروا لقطري وخالفوه في أمور فعلها نقموها عليه، فصار مع عبد ربه نصف عسكر قطري، فحارب عبد ربه قطريا فقتل من أصحابه قوم، وقتل صالح بن مخراق مع عبد ربه، فكره قطري أن يقيم بين عسكرين يقاتلانه، فخرج يلتمس منزلا، فجاء المهلب حتى نزل في معسكره، وقاتل عبد ربه وكتب إلى الحجاج بالخبر وأشار عليه أن يوجه إلى قطري من يتبعه ويحاربه.
- vol. 8, p. 436
وألصق المهلب بعبد ربه، وقال عبد ربه: يا معشر المهاجرين إن قطريا وعبيدة هربا رجاء البقاء ولا سبيل إليه فألقوا عدوكم غدا فإن غلبكم على الحياة فلا يغلبنكم على الموت.
-
فقاتلوا المهلب فقتل عبد ربه، وطلب بعض أصحابه الأمان، ومضى عمرو القنا إلى خراسان فمات بها، ومضى بعضهم إلى سجستان.
-
وحوى المهلب عسكر الخوارج وأصاب به جرحى فدفع كل جريح إلى قومه، ورجع المهلب إلى جيرفت فقال: الحمد لله الذي ردنا إلى الخفض والدعة فما كان عيشنا بعيش.
قالوا: ونظر المهلب في مجلسه إلى قوم لا يعرفهم فقال: ما أشدّ عادة السلاح. قالوا: فقام في الحين فلبس سلاحه وقال: خذوا هؤلاء فأخذوا فقال: من أنتم؟ قالوا: أردنا غرتك لنقتلك. فقتلهم.
وقال الهيثم بن عدي: اعتزل عبد ربه الصغير في أربعة آلاف، والصغير مولى بني قيس، واعتزل عبد ربه الكبير في سبعة آلاف، والكبير مولى بني يشكر. فقاتل المهلب الصغير فقتله وأصحابه، ومضى قطري وبقي الكبير فقاتله المهلب فقتله أيضا.
قالوا: وكتب المهلب إلى الحجاج: «أما بعد فالحمد لله الكافي بالإسلام فقد ما سواه، الذي أوجب المزيد بالشكر، وقد كان من أمرنا وأمر عدونا ما قد انتهى إليك خبره بعد مطاولة نلنا فيها منهم ما لم ينالوه منا، وأدنيت السواد من السواد حتى تعارفوا بالوجوه وقاتلت الأغمار، وكان
vol. 8, p. 437ما يسوءهم منا دون ما يسرهم (١) ، وما يسرنا منهم فوق الذي يسوءنا حتى وقع بينهم الاختلاف ففرق الله أهواءهم وألقى بأسهم بينهم، ولم يزل الله يمحصنا (٢) ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم حتى بلغ بنا وبهم الكتاب أجله، فقطع دابر الكافرين والحمد لله رب العالمين (٣) ».
-
فكتب إليه الحجاج: «إن الله صنع بالمسلمين خيرا، وقد فرغتم من عدوكم وأراحكم من كثير مما كنتم فيه، فاقسم ما أفاء الله عليك فيمن معك. فأما قطري وعبيدة فنحن كافوك إياهم بعون الله وتوفيقه، فأقبل وليكن معك بنوك وفرسانك ولا تطمعن أحدا في اللحاق بأهله دون قدومك علي، واستخلف على كرمان» .
-
فاستخلف ابنه يزيد وأوصاه بالقصد والمبالغة في الأمور، وكان قد بعث بكتاب الفتح مع كعب الأشقري، ومرّة بن تليد الأزدي، أزد شنوءة، فأنشد كعب الحجاج قوله:
يا حفص إني عداني منكم السفر ..
فقال الحجاج: أخطيب أنت أم شاعر؟ فقال: خطيب شاعر.
قال: فأخبرني عن بني المهلب. قال: المغيرة سيدهم وأشجعهم وحسبك بيزيد فارسا وما يستحي شجاع أن يصد عن مدرك، وما لقي الأبطال مثل حبيب، وعبد الملك موت ناقع، وكفاك ببأس مفضل ونجدته، وأسخاهم قبيصة، ومحمد ليث عاد. ثم قال لابن تليد: أخبرني
vol. 8, p. 438كيف كانت حالكم. قال: كنا إذا لقيناهم بعفونا وعفوهم يئسنا منهم وإذا لقيناهم بجدّنا طمعنا فيهم، قال: فكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة السرح نهارا وفرسان البيات. قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان. قال: فأيهم أفضل؟ قال: هم الحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها. فوصل بني المهلب وأهل البلاء والغناء ممن كان معه وزادهم في الأعطية.
-
وولى الحجاج المهلب خراسان، وكان المهلب يقول: ما أحب أن لي مكان بيهس بن صهيب ألف فارس. فقيل إنه ليس بشجاع؟ قال: لكنه سديد الرأي عاقل حذر فهو لا يدع الاحتراس والسؤال، ولو وجد مكانه ألف فارس شجاع لناموا حتى يحتاج إليهم.
قالوا: وعقد الحجاج لسفيان بن الأبرد الكلبي على خمسة آلاف، وضرب على أهل الكوفة بعثا فخرجوا في عشرة آلاف عليهم الصباح بن محمد بن الأشعث، ويقال إسحاق بن عبد الله بن الأشعث. وجعل على جماعة الناس سفيان بن الأبرد وقال له الحجاج: أتدري إلى أين تسير؟ قال: نعم إلى كلاب النار. قال: اعلم أنك تسير إلى أسد الشرى وسباع العرب، يرون الموت قربة إلى الله ويعدون الفرار كفرا فعليك بالصبر والعزم، والقوم أصحاب مناجزة فإياك والعجلة.
-
فصار سفيان وجعل على ساقته البختري بن عامر العاملي، فمر بالأخضر بن ورقاء الكلبي ومصاد بن زياد القيني والوازع بن دوالة الكلبي وهم سكارى فشتموا البختري، فقال له سفيان: هلا ضربت أعناقهم.
-
وبلغ الحجاج أمرهم فحلق على أسمائهم فكتب فيهم فردها.
vol. 8, p. 439قالوا: ومضى قطري وأصحابه نحو مكران وما وراءها، فأوقع ببعض من كان بأطراف بلاد السند، ومضى بعض أصحابه إلى سجستان، وأتى عبيدة بن هلال قومس فصار بها، ومضى قطري في طريق خراسان ثم عدل يريد الإصبهبذ بطبرستان.
-
وبلغ الإصبهبذ ذلك فبعث إلى قطري والخوارج يسألهم عن أمرهم فقال قطري: نحن قوم أنكرنا جور سلطاننا فتنحينا عنه، ونحن قوم لا نظلم أحدا ولا نغصبه ولا ننزل عليه إلا برضاه. فأذن له الإصبهبذ في دخول بلاده، فدخل قطري طبرستان في أصحابه، فلما استقر بعث إلى الإصبهبذ يدعوه إلى الإسلام أو الجزية فقال الإصبهبذ لرسله: قولوا له أنت رجل دخلت بلادنا طريدا فآويناك وأحسنا إليك فتبعث إلي بمثل هذه الرسالة. فأرسل اليه: إنه لا يسعني في ديني غير هذا. فصار الإصبهبذ إليه ليخرجه عن بلده فأوقع به قطري وهزمه وقتل ابنه وأخوه، فخرج حتى أتى الري.
-
وغلب قطري على طبرستان وأتى الطبري سفيان بن الأبرد وقد وافى الري فوضع يده في يده، وحدثه بما صنع قطري وقال له: أنا أدخلك عليه في طريق مختصرة حتى توافيه وهو لا يشعر بك ففعل، فقاتل سفيان ومن معه قطريا وأعانه الإصبهبذ وأساورته، وجعل قطري يقول:
أنا أبو نعامة الشيخ الهبل … أنا الذي ولدت في أخرى الإبل.
-
فطعنه رجل من أهل الشام في صدغه وانهزم أصحابه، فاتبعهم أهل الشام فقتلوا منهم خلقا.
- vol. 8, p. 440
وعثر بقطري فرسه فاندقت فخذه ووقع بين صخرتين، وانتهى إليه باذام مولى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال باذام: الساقط بين الصخرتين والله قطري. فقال قطري: يا فاسق أنا غزيلكم، أو قال:
أرينبكم الذي تطلبون، فاختلف وباذام ضربتين فكانت ضربه قطري ضعيفة. وضربه باذام فأبان يده ثم احتز رأسه، وادعى سورة بن الحر التيمي أنه قتله معه.
وقال المدائني: انهزم قطري فإذا هو قد دفع إلى غيضة، فنزل عن فرسه فقاده حتى انتهى إلى موضع فيه ماء فأقام عنده وذلك في الصبح.
-
وأقبل سورة بن الحر، وباذام مولى الأشعث بن قيس وشنظيز الثعلبي أحد بني ثعلبة بن يربوع يطلبون قطريا فأخبروا بأن رجلا دخل الغيضة فطلبوه فيها فوجدوه قائما يصلي وقد نزف دمه وضعف. فقال لهم: أنا غزيلكم الذي تطلبون، فقال سورة لباذام إن شئت أتيته أنا من بين يديه وأتيته أنت من خلفه، وإن شئت فأنا آتيه من خلفه وأنت من بين يديه. فتلقاه سورة من بين يديه وأتاه باذام من خلفه فقتلاه واحتزا رأسه فاختصما فيه، ووافاهم أبو الجهم الكلبي فأخذ الرأس وأتى به سفيان فبعث به إلى الحجاج.
-
ويقال إن سورة كان يقول: رأيت قطريا وهو على فرس وخلفه امرأة على بغل فاتبعته أنا وباذام ونحن لا نعرفه فحملت على المرأة فلما غشيتها نادت: يا أمير المؤمنين. فعطف علي وشددت عليه فعانقته فسقطنا إلى الأرض فصار تحتي، وندر سيفه من يده فزحف يريد السيف وصارت إبهامه في يدي فرضضتها حتى فتر، وجاء باذام فضرب بالسيف بطنه واقتتلت أنا وباذام على رأسه.
- vol. 8, p. 441
ويقال إن الذي قتل قطريا عثمان بن أبي الصلت.
-
المدائني قال: قال معاوية بن محصن الكندي: رأيت قطريا وقد صرع في الشعب وهو يهوي ولا أعرفه، وحوله نسوة وفيهن عجوز، فحملت عليهن فانتضت العجوز السيف فضربتني فجرحتني في عنقي فضربتها فقتلتها.
-
وأتى علج قطريا وهو لا يعرفه فقال له: اسقني ولك سلاحي، فمضى العلج فحدر عليه صخرة فأوهنت فخذه، وأتاه سورة فقتله، واختصم في رأسه سورة وباذام وشنظيز الثعلبي، وعثمان بن أبي الصلت، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث.
وقال جعفر بن عبد الرحمن: إني لما عرفته لم تكن لي همة إلا قتله لأنه قتل أبي.
قالوا: ولما قتل قطري وبعث سفيان برأسه، أتى قومس وبها عبيدة بن هلال فحصره ثلاثة أشهر، ويقال خمسة أشهر، ووضع عليه المنجنيق، فضاقوا وضجروا وصاروا إلى ذبح دوابهم وأكل لحومها، وأكلوا الجيف، فذلك حين قال عبيدة:
إلى الله أشكو ما نرى بجيادنا … بقومس هزل مخهن قليل
فإن يك أفناها الحصار فربما … تشحط فيما بينهن قتيل
وأشرف عبيدة عليهم فقال: أقرأ عليكم أو أنشدكم؟ فقالوا:
أنشد. فقال: يا فسقة. قد علمت أنكم تؤثرون الشعر على القرآن.
-
ونادى سفيان: من خرج فهو آمن. فهمّ قوم بالخروج كثير.
وقال الهيثم: نادى سفيان: يا معشر الأزارقة لا أمان عندي إلا لمن
vol. 8, p. 442جاء برأس صاحبه فكان الرجل منهم يخاف ابنه وأخاه على قتله لما هم فيه من الجهد.
-
وخرج عبيدة فاقتتلوا في يوم الجمعة إلى المساء، ثم دخل عبيدة القصر، وانهزم قوم من أصحابه فلم يدخلوا فاتبعهم سفيان، فأخذ منهم أسرى فقتلهم. وقال عبيدة:
وما زالت الأقدار حتى قذفنني … بقومس بين الفرخان وصول
إلى الله أشكو لا إلى الناس أشتكي … بقومس إذ فيها الشراة حلول
ووعظ أصحابه فقال: إنما هي ساعة حتى تظفروا أو تستشهدوا، فخرجوا وشدوا على سفيان وأصحابه وقالوا الحصن لمن غلب، فكشف أصحاب سفيان، ثم بقي في جماعة من أهل الشام ليسوا بالكثير فقال سفيان: يا أهل الشام، يا أهل الصبر والحفاظ، يا حماة الأدبار أعن هؤلاء الأكلب تفرون، فتراجع الناس فقال سفيان: الأرض، فنزلوا جميعا وصبروا فقال عبيدة: يا إخوتي روحوا إلى الجنة، وقاتل فقتل عبيدة وعامة أصحابه واستأمن الباقون، فأمنهم سفيان، وكان من المستأمنة حطان الأعسر فقال شعرا:
بليت وأبلاني الجهاد وساقني … إلى الموت، إخوان لنا وأقارب
شريت فلم أقتل وما زلت لم أصب … كذاك صروف الدهر فينا عجائب
واستأمن قيس الأصم وهو قيس بن عسعس ويلقب الخشبي، ثم كفّ بصره فمر بقومس فقال لقائده: أي موضع هذا؟ فأخبره. فقال:
- قف بي أبكي إخواني. وقال:
-
ذكرت الشراة الصادقين بقومس … وذكري لهم مما يهيج شجوني
vol. 8, p. 443وكان الحجاج كتب إلى سفيان يستبطئه في أمر عبيدة ويصغر ما عمل فقال: أن أبا محمد لا يرضي حتى جعل المحسن مسيئا والمطيع عاصيا.
قالوا: وكانت عند قطري العيوف بنت يزيد بن حبناء التميمي فولدت ابنتين: مزنة والفجاءة فأخذ سفيان الفجاءة فبعث بها إلى عبد الملك، فصارت إلى العباس بن الوليد فولدت له الحارث والمؤمل فلما ولي عمر بن عبد العزيز وأمر برد سبايا الأزارقة قال للعباس: خل سبيلها أو تزوجها إن رضيت، فتزوجها برضى منها، ويقال: إنه كانت عند العباس نعامة بنت قطري.
قال المدائني: وفد على عمر بن عبد العزيز قوم من بني مازن في أمر بنت قطري، فقال شاعرهم:
أتيناك زوارا ووفدا إلى التي … أضاءت فما يخفى على الناس نورها
أبوها عميد الحيّ عمرو وأمها … من الحنفيات الكرام قبورها
فإن تك كانت حيث كانت فإنها … لها أسرة منا كرام نفيرها
فقال عمر: قد تزوجها برضاها. وقال رجل للحارث بن العباس، أنت ابن الخلائف الأربعة. قال: ويحك من الرابع؟ قال: قطري.
وقال الهيثم: بعث سفيان برأس قطري ورؤوس أعلام من معه إلى الحجاج مع الوليد بن بخيت الكلبي.