أمر أبي فديك عبد الله بن ثور أحد بني قيس بن ثعلبة بن عكابة

50 paragraphs · vol. 8, p. 445

Page 2 of 2

  1. وطلبه عمر بن عبيد الله بن معمر، وبلغ الأعرابي أن عمر يطلب ابن صباح الزماني، فلما سار بقية يومه قال للأعرابي: أتدري من أنا؟. قال:

    لا. قال: أنا عبد الله بن صباح الزماني هربت من السجن وعمر يطلبني وإن يأخذني هلكت وذهب بعيرك فأنت أعلم.

    قال: غررتني. قال: أتراني أضعفت لك كراءك وأنا آمن. فطرد به شلا حتى قدم اليمامة، ثم أتى البصرة فاستجار بعامر بن مسمع فأخذ له عامر بن مسمع الأمان من خالد، فكان يغدو إلى خالد.

    vol. 8, p. 460
  2. وتزوج ابن صباح ابنة عطية بن الأسود، فأقام بالبصرة حتى قدم الحجاج بن يوسف فدخل عليه فقال له: من أنت؟. فقال: رجل من ربيعة. قال: هات نسبا أقرب من هذا. قال: من بني بكر بن وائل.

    قال: من أيّهم؟. قال: من بني مازن. قال: فمن أنت؟ قال: عبد الله بن صباح. قال: صاحب خيل أبي فديك؟. قال: نعم. قال: لئن تغيبت عني لأقطعن يدك ورجلك، ولأضربن عنقك.

  3. فخاف وهرب إلى اليمامة فكان في أصحاب ابراهيم بن عربي، وأظهر التوبة من رأي الخوارج، فرأى يوما رؤوسا تشيط فغشي عليه، فعلم أنه على رأيهم.

    قالوا: وقدم المنهزمة من أصحاب أبي فديك إلى البصرة، فكان أول من دخلها منهم عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، ثم تتابعوا فسر ذلك خالد بن عبد الله، ودعا بسرير له فجلس عليه وأعلم الناس أن عمر قد انهزم، وأرسل إلى عبد الله بن عمير الليثي وكان قد انهزم عن بعض الخوارج فبشره بانهزام عمر، فأعتق كل مملوك له.

    vol. 8, p. 461
  4. وبعث خالد يوم جاء خبر هزيمتهم رسولا إلى عبد الله بن عبيد الله بن معمر فأخبره بأن أخاه قد انهزم فقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ إني لأنتظر من الله إحدى الحسنيين الشهادة أو الظفر، فأما الهزيمة فلا أخافها عليه لا سيما ومعه ابنة عمه.

  5. ودخل المهلب على خالد فقال له: يا أبا سعيد ما عندك من خبر أبي حفص؟. فقال: عندي أن أبا فديك قد قتل ورأسه يأتيك. قال:

    وما علمك؟ قال: وجهت مع المغيرة ابني غلامين فقلت: إن ظفر عمر فوجه إلي فلانا، وإن ظفر أبو فديك فوجه فلانا، ولا ترسل واحدا منهما حتى يتبين لك الظفر. فبعث بالذي أمرته أن يرسله إذا ظفر عمر. قال: ما أتاك الغلام إلا منهزما. قال: ما بذلك أخبرني.

    قالوا: فإنه ليحدث إذ دخل رسول عمر بن عبيد الله برأس أبي فديك فألقاه بين يديه فقال: ويحك كيف كان الأمر؟ قال: انهزم الناس وصبر عمر وعباد ونفير يسير معهما ساعة ثم كر أهل الحفاظ فقاتلوا الخوارج فقتل

    vol. 8, p. 462أبو فديك، وأخذ الرسول بأذنيه ثم هزه وقال: يا أبا فديك كيف رأيت ضرب بني عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي؟ وذلك أن عمر بن عبيد الله من ولده.

  6. فتناول خالد نعليه فانتعل وقال: أف، ودخل مغموما. فكان عباد بن الحصين يقول: ما رأيت أحدا يقاتل يوم أبي فديك غير المغيرة بن المهلب وسنان بن سلمة بن المحبق.

    وقالت عائشة بنت طلحة يومئذ: من الرجل الذي كان إذا صاح كادت الأرض تتصدع من صوته؟ فقال لها عمر: ذاك عباد بن الحصين.

  7. وقال خير بن حبيب بن عطية، أحد بني مالك بن سعد: استأذنت على عمر بن عبيد الله بن معمر بالبحرين فقال آذنه: من أنت؟ قلت:

    خير. فدخل ثم رجع إلي فقال: أي خير؟ قلت: خير بن حبيب.

  8. وعلمت أنه قد عرفني وتفاءل باسمي، فدخل ثم رجع فأذن لي فدخلت عليه وجاريته تشد عليه جيب الدرع وهي تبكي. فكلمته بحاجتي ثم خرجت وخرج، فقتل يومئذ أبو فديك.

    قال: ثم أرسل إلي بعد ذلك بأيام فدخلت عليه وعائشة إلى جنبه فلم أر زوجا قط أحسن منهما. فقال: ما قلت في عائشة؟ قلت: من يجعل الديباج عدلا للزيق. وبين يديه لؤلؤ منثور، فقال: تناول من هذا اللؤلؤ.

  9. وحفن لي حفنات منه. فبعت ذلك اللؤلؤ واشتريت بثمنه أرضا وكانت عائشة بنت طلحة تقول لعمر: أي اليومين كان أشد عليك؟ يوم أبي فديك أو يوم فارقت رملة؟ فيضحك.

  10. ويقال إنها قالت: أو يوم كنت تزور فيه رملة فترى خلقتها وعظم أنفها؟ وكان مقتل أبي فديك في سنة أربع وسبعين.

    وقال المدائني: كانت هزيمة عبد العزيز بن عبد الله بعد مقتل أبي فديك، وأوفد عمر إلى عبد الملك ببشارة الفتح وفدا فيهم الصلتان وهو قثم بن خبية بن قثم العبدي، ويقال هو تميم بن خبية بن قثم. فقال له عبد الملك: يا صلتان لعمر ثناؤك وعليه جزاؤك. فقال: يا أمير المؤمنين إني لأعيش من جدواه وأتقلب في نعماه، وإن خيره علي لكثير وقد أدرك في عدوك ما أدرك وهو محمود. فقال: صدقت، وأمر له بألفي درهم.

    وقال بعض الشعراء:

    ضجت جواثا ولم تفرح بمقدمنا … لما قدمنا وماذا ينفع الضجر

    كانت لنا هجر أرضا نعيش بها … فأرسل النار في حافاتها عمر

    وقال أعشى همدان في قصيدة له طويلة يذكر فيها قتالهم بجواثا ويفخر بصبر الكوفيين، ويذم البصريين في هزيمتهم، فمنها قوله:

    ألم يأت بشرا ما أفاءت رماحنا … وبشر بن مروان بذلك أسعد

    فإنك قد جهزت جيشا مباركا … ومثل أبي مروان بالخير يحمد

    أطعت أمير المؤمنين وإنما … جعلت غياثا كل خير تغمد

    وأعطيتنا منك العطاء مضاعفا … وزودتنا حتى جعلنا نحسد

    ولما رأينا القوم ليس لديهم … لمن زار إلا المشرفي المهند

    مشينا إليهم في الحديد كأننا … سحاب يضيء البرق فيه ويخمد

    ولما رأى أهل البصيرة حزمهم … تولّوا سراعا خيلهم ثمّ تطرد

    وما قاتلت فرسانهم عن رجالهم … وما منعوا قتلاهم أن يجردوا

    vol. 8, p. 464ولكنهم حاصوا من الموت حيصة … فهم في أصول النخل شتى وموحد

    وأهلك جمع المارقين فأصبحوا … أحاديث إذ جاروا عن الحق واعتدوا

    حدثني العمري عن الهيثم بن عدي أن سعيد بن خالد من ولد عثمان بن عفان قال لبيهس بن صهيب الجرمي: يا أبا المقدام، أمية أفضل أم عمر بن عبيد الله؟. فقال: أو كلما نشأ ناشئ من بني أمية أردتم أن تجعلوه مثل عمر؟ لا والله لعمر أجود منه جودا، وأكرم منه نفسا وأشد منه بأسا، فغضب سعيد وقال: ما أنت وذاك يا أخا جرم. فقال: اسكت فما أنت بالأول ولا الثاني ولا الثالث، ولقد كنت الرابع فربحت.

    vol. 8, p. 463