أمر شبيب بن يزيد الشيباني
62 paragraphs · vol. 9, p. 17
Page 1 of 2
- vol. 9, p. 17
قال ابن الكلبي عن لوط وغيره: غزا يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة الروم فابتاع جارية من السبي ووقع عليها فولدت له شبيب بن يزيد في سنة خمسة وعشرين في يوم النحر، فقال أبوه: ولد في اليوم الذي تهراق فيه الدماء، وأحسبه سيكون صاحب دماء، وكان اسم أم شبيب جميرة.
وقال الهيثم بن عدي: كان اسم أمه غزالة واسم امرأته جهيزة بنت عمرو.
قال الكلبي: وانتقل يزيد من الكوفة إلى الموصل وكان شبيب صاحب فتك وغارات وكان يبيت الأكراد، فقال الشاعر:
لم أر أياما كأيام مالك … ولم أر ليلا مثل ليل شبيب
وكان مالك رجلا يغير بالنهار فيأخذ ما استطفّ (١) له، وكان شبيب في الديوان فرض له حين أدرك. ثم إنه تنسّك وارتدع، وذلك أنه سمع رجلا
vol. 9, p. 18يقرأ: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً. إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً. فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ إلى قوله:
﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ (١) ، فقال: ما أغفل شبيب عما خلق له وعما يراد به، فأعجب أباه ما رأى من حاله.
-
ثم إن شبيبا حج فأتى الكوفة فنزل على القعقاع بن شور الذّهلي في بدأته فبرّه وأكرمه، ثم سار فلما قضى حجته وصار بالربذة أيدع به (٢) وانقطع بقوم معه أيضا فمرت بهم هند بنت أسماء بن خارجة الفزاري فقاموا إليها فسألوها فأمرت لهم بزاد وحملان. ثم إن شبيبا قدم الكوفة فجعل يسأل عن أهل العبادة والصيام فدلّ على صالح بن مسرح، فسمع منه وقبل قوله.
-
ومضى شبيب بعد أن لقي صالحا إلى الموصل، وسار صالح يريد نصيبين للقاء أصحاب له هناك، ثم أتى دارا ومضى شبيب إلى عبد الملك بن مروان وقد كان اسمه سقط من الديوان لكثرة غيبته وتخلفه عن الإعتراض من العرّاض فحلّق على اسمه فكلم الناس عبد الملك في الفكّ عن اسمه وإدرار أرزاقه عليه فأبى وقال إنّ بكر بن وائل وبني تميم حيّان كثير شرّهما وما أحبّ أن يكثروا بهذه البلاد. فأخبر شبيب بقول عبد الملك فقال: والله لأسوءنّه فأبلغوه عني فله مني يوم أرونان (٣) .
- vol. 9, p. 19
ثم قدم على صالح بن مسرّح وهو بدارا فكان منه ما ذكرنا، وقتل صالح فبايعه أصحابه.
وقال الهيثم بن عدي: كان بنو مروان لا يفرضون لبكر ولا تميم بالشام فخرج شبيب يطلب الفريضة وقد سبقه صالح بن مسرّح بالخروج والخوارج يرون من خرج منهم، ثم خرج بعده آخران الثاني تبع للأول فكان شبيب معه حتى قتل فبويع بعده فوجّه إليه بشر بن مروان خيولا فهزمها شبيب.
-
وأقام على ذلك نحوا من سنة حتى مات بشر بن مروان، وقدم الحجاج العراق، فأقام سنة لا يعرض لشبيب حتى كثف أمره واشتدت شوكته.
-
وبلغ قطري بن الفجاءة خروج شبيب في أيام الحجاج فقال: إن الله قد قيّض للفاسق أخي ثمود رجلا من الصّفرية سيشجيه ويخزيه، والله ما نبالي في أيّ الفريقين كان الفتح.
وقال ابن الكلبي: لما اعتقد شبيب ارتفع إلى أرض الموصل، فدعا سلامة بن سيّار الشيباني إلى الخروج معه، وكان فضالة بن سيار أخوه يقول: الفضل بن سيار قد خرج قبل خروج صالح بن مسرّح فقتلته عنزة، ففرض لهم عبد الملك وأنزلهم بانقايا من حرّة الموصل - فاختار سلامة من أصحابه ثلاثين فأغار بهم على عنزة فقتل منهم بشرا، وقال شعرا يقول فيه:
فصبّحتهم قبل الشّروق بفتية … مساعير لا كشف اللّقاء ولا عزل
وليست دماء اليقدميّين بالّتي … توازي دماء الحيّ شيبان في القتل
لعلّ جيادي أن تعود عليهم … فتنزلهم دار الصّغار مع الذّلّ
vol. 9, p. 20فيقال: إن سلامة كان معه، ويقال إنه اعتذر بشغل له.
-
وأقبل شبيب في أصحابه نحو زاذان (١) ومعه أمه في مظلة من مظالّ الأعراب، وكان حملها من الموصل معه، وانضمّ إليه قوم، منهم أبو الصقر ابراهيم المحلّمي وكان نازلا في بني تميم بن شيبان، وكان الحجاج قد ولى سفيان بن أبي العالية الخثعمي طبرستان فكتب إليه أن ينكفئ راجعا لمواقعة شبيب، ونادى في جيش الحارث بن عميرة الهمداني بالكوفة والمدائن فساروا عليهم سورة بن أبجر بن نافع بن العرباض أحد بني أبان بن دارم فلم يتخلف منهم كثير أحد.
-
وعجل سفيان بن أبي العالية إلى محاربة شبيب بخانقين قبل مصير سورة إليه، وأكمن شبيب لابن أبي العالية مصاد بن يزيد أخاه، واستطرد لهم حتى ظنوا أنهم قد هزموه، ثم خرج عليهم الكمين فقاتلوهم من ورائهم، وكرّ شبيب فواجههم فانهزموا، وثبت سفيان بن أبي العالية في نحو من مائتين فقاتلهم فأحاط به أصحاب شبيب فقاتل دونه غلام له يقال له غزون.
-
وأقبل سفيان إلى مهروذ (٢) فنزل بها وكتب إلي الحجاج بخبره ومواقعته شبيبا بخانقين، وكتب الحجاج إلى سورة يعنّفه ويأمره أن يأتي شبيبا، فبعث سورة إلى المدائن فانتخب له منها خمسمائة رجل من جندها فتوافوا إليه مع من معه وخرج لطلب شبيب وهو يجول (بجوخى) وأتى شبيب المدائن فقتل من ظهر له وأخذ دواب من دواب الجند ولم يدخل البيوت.
- vol. 9, p. 21
ثم إن شبيبا أتى النهروان فوقف أصحابه على قبور من قتله علي بن أبي طالب فاستغفر لهم وكان في مائة، فلقيه سورة في نخبة من معه فقاتله شبيب وهو يقول: «من ينك العير ينك نيّاكا» . فهزمه شبيب واتبعه حتى بلغ المدائن ودنا من بيوتها، فرمي وأصحابه من فوق البيوت.
-
ثم أتى شبيب كلواذى (١) ، ثم أقبل يسير إلى أرض جوخى وصار إلى جبال تكريت ولحق الجند بالكوفة فغضب الحجاج على سورة بن أبجر وقال:
والله لأسوءنّه، ووجّه الجزل وهو سعيد بن شرحبيل بن عمرو بن الأرقم الكندي، وبعضهم يقول سعيد بن عمرو. والأول أثبت.
-
وضم إليه أربعة آلاف مقاتل، وأقبل الجزل يطلب شبيبا في أرض جوخى وشبيب يريه الهيبة له فيخرج من طسّوج إلى طسّوج، وكان يومئذ في ستين ومائة.
-
واستبطأ الحجاج الجزل فولّى سعيد بن المجالد بن عمير بن ذي مرّان الهمداني - جدّ المجالد بن سعيد المحدّث - جيشه وضمّه إليه فصار من تحت يده وقال له: لا تفعل كما فعل الكندي يطلب طلب السّبع ويحيد حياد الضّبع.
-
وأتى شبيب براز الروز (٢) فالتقوا وعلى ميمنة ابن المجالد عياض بن أبي لينة وعلى ميسرته عبد الرحمن بن عوف الرؤاسي أبو حميد بن عبد الرحمن، فهزمهم شبيب وحمل على سعيد بن المجالد فضربه ضربة خالطت دماغه فقتله شبيب.
- vol. 9, p. 22
وقاتل الجزل قتالا شديدا حتى صرع فسقط بين القتلى، فحمل إلى المدائن ولحق الجيش بالكوفة، وكتب الجزل إلى الحجاج بالخبر فأجابه بجواب لطيف، وفيه يقول بعض الكنديين:
جاؤوا بشيخهم وجئنا بالجزل … شيخ إذا ما لقي القوم نزل
ولم يلبث الجزل أن مات، وقال المحلّ بن وائل:
كيف رأيت يا بن ذي مرّان … جلادنا عند قرى الهروان
أذاقك العلقم والذّيفان … والموت أسياف بني شيبان
وبعث الحجاج إلى الجزل ابن أبجر الطبيب ليعالجه وبألف درهم.
-
وأقبل شبيب إلى كرخ بغداد ولم يعرض لأهل سوقها العتيق، ثم سار شبيب جوادا حتى أتى الكوفة فنزل عند دار الرزق وقد أمر الحجاج أهل الكوفة فعسكروا بالسّبخة وعليهم عثمان بن قطن الحارثي.
-
ووجّه الحجاج سويد بن عبد الرحمن السعدي للقائه فحمل عليه شبيب حملة منكرة، ومضى حتى قطع بيوت الحيرة، ثم مضى شبيب إلى الأنبار ثم أتى دقوقا، ثم مضى إلى آذربيجان وناحية أرمينية، فتركه الحجاج وخرج إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة.
-
ثم إن شبيبا أقبل يريد الكوفة وبلغ الحجاج ذلك فأقبل من البصرة جوادا إلى الكوفة وأتى شبيب حربى (١) وهي دجلة فعبر منها، وقال لأصحابه: ليس الحجاج بالكوفة فما دون دخولها بإذن الله شيء.
- vol. 9, p. 23
فخرج مبادرا ونزل الحجاج الكوفة العصر، ونزل شبيب السّبخة المغرب، فلما صلى المغرب والعشاء الآخرة جاء حتى ضرب باب القصر بعمود وتمثّل.
عاري الجواعر من ثمود أصله … عبد ويزعم أنّه من يقدم
ثم إنه اقتحم المسجد الأعظم وعلا المنبر وأقعد غزالة وهي امرأته وهي من سبي أصبهان على المنبر لئلا يصيبها الرمي، ويقال بل كانت نذرت أن تصعد المنبر فصعدته.
وقال بعضهم: لم تكن امرأته ولا أمّه ولكنها كانت من الخوارج ثم خرج.
-
ونادى الحجاج في الناس فكان أول من أتاه: عثمان بن قطن بن عبد الله، ثم وجّه الحجاج بشر بن غالب الأسدي في ألفين وزائدة بن قدامة الثقفي وأبا الضريس مولى بني ثعلبة بن يربوع تميم في ألف، وأعين مولى بشر بن مروان - ويقال مولى سعد بن أبي وقاص - في ألف، ووجّه محمد بن موسى بن طلحة التيمي، وزياد بن عمرو العتكي فنزل هؤلاء الأمراء أسفل الفرات فتجنبهم شبيب وأخذ نحو القادسية.
-
وبعث الحجاج زحر بن قيس الجعفي في ألف وثمانمائة جريدة وقال:
اتبعه فإن لم يعطف إليك فلا تقاتله.
-
وبلغ شبيبا خبره فأقبل إليه والتقيا فهزم أصحاب زحر ونزل فقاتل حتى صرع، فلما أمسى تحامل حتى دخل الكوفة وبه بضع عشرة ضربة، فأكرمه الحجاج وبرّه وقال: من أراد أن يرى شهيدا يمشي على الأرض وهو من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.
- vol. 9, p. 24
ويقال إن زائدة لقيهم وعلى ميمنته بشر بن غالب وعلى ميسرته زياد بن عمر العتكي، فصيّر شبيب سويد بن سليم في كردوس حيال الميمنة، وصيّر أخاه حيال الميسرة، ووقف بحيال القلب، فشدّ سويد على زياد فصابره ساعة ثم انهزم زياد وقد أحاط به ثلاثون سيفا، وقتل زائدة، وبلغ شبيبا مكان الأمراء بأسفل الفرات فسار إليهم ودافعهم وأفرد بإزاء كل أمير منهم جماعة من أصحابه وعليهم رجل يسوسهم، فقتل زائدة بن قدامة، وقاتل زياد بن عمر العتكي من يليه فصابرهم ثم هزموه.
-
وقاتل محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فقتل، ودخل أبو الضريس جوسقا هناك فقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف، فبايعه قوم منهم عبد الرحمن بن جندب وأبو بردة بن أبي موسى، ثم خرج شبيب بأصحابه إلى نفر (١) ثم أتى خانيجار (٢) فأقام بها، فوجّه إليه الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في كثف ومعه من كندة خمسمائة فارس فدخل على الجزل وهو يعالج الموت فقال له: إنك تقاتل قوما كأنهم قد خلقوا من أضلاع الخيل وبنوا على ظهورها أسود غاب يستطعمون الموت، هجهجوا (٣) أقدموا وإن كفّ عنهم لم يكفّوا.
-
فأقبل شبيب حتى نزل جولايا (٤) ونزل ابن الأشعث بقربه وذلك في أيام
vol. 9, p. 25العشر، فبعث إليه شبيب: إن هذه أيام عيد فإن رأيت أن توادعنا حتى تمضي. وكان يحبّ المطاولة فوادعه فكتب عثمان بن قطن بذلك إلى الحجاج وبإقبال عبد الرحمن على الجباية واستيكاله الرعية، فولاّه جيش عبد الرحمن، وولى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبه مكانه.
-
وكان ابن أبي عصيفير الثقفي على المدائن فعزله الحجاج وولى المدائن عبد الرحمن، وخرج ابن أبي قطن فتسلم عسكر عبد الرحمن بن الأشعث، وواقع شبيبا، وهو في مائة وأحد وثمانين، فترجّل عثمان وكان على ميسرته عقيل بن شداد السّلولي فجعل يقول:
لأضربنّ بالحسام الباتر … ضرب شجاع بطل معاور
فحمل عليه شبيب فقتله، ووقع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في نهر جولايا، فدفع إليه رمح فتعلق به، وقال له محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي: اركب. فقال: أينا الرّدف؟. فبلغ الحجاج فقال: أنخوة وهو منهزم؟ وظهر شبيب عليهم، فأمر برفع السيف، ودعا إلى البيعة فبايعة قوم من الرجّالة، وقتل من كندة يومئذ مائة وعشرون ومن سائر الناس ألف، وقتل عثمان بن قطن، قتله مصاد أخو شبيب ثم أتى شبيب سفح ساتيدما (١) فقتل قوما من بكر بن وائل لم يتبعوه، ثم أتى المدائن فناظر حذيفة بن اليمان فقال الحجاج لمن قبله: والله لتقاتلنّ عن فيئكم أو لأبعثنّ إلى قوم هم أسمع وأطوع وأصبر على الّلأواء منكم، فليقاتلنّ عدوّكم وليأكلنّ فيئكم.
- vol. 9, p. 26
فقام زهرة بن حويّة التميمي فقال: إني كبير السنّ ضعيف، ولكن أبعث رجلا، وأكون معه وأشير عليه، فقال الحجاج: جزاك الله خيرا عن أوّل أمرك وآخره.
-
وكان زهرة ممن شهد القادسية، فكتب إلى عبد الملك يخبره أنّ أهل الكوفة قد عجزوا وضعفوا عن شبيب، ويسأله أن يبعث إليه رجلا ذا شجاعة ونصيحة، فوجّه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة آلاف، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ألفين، ويزيد بن هبيرة المحاربي معهما، وبعث الحجاج قبل قدومهم إلى عتاب بن ورقاء الرّياحي وهو مع المهلب، فقدم عليه فجعله على أهل الكوفة وضمّ إليه زهرة بن حويّة.
-
وكان بشر بن مروان وجّه عتّابا إلى المهلب وهو بالأهواز فحارب قطري بن الفجاءة، وأتى شبيب بهرسير (١) فنزل مدينتها، وبعث إليه مطرف بن المغيرة أن ابعث إليّ من أناظره فكان من أمره ما كان مما قد ذكرناه في كتابنا هذا.
-
ووجّه الحجاج عتّاب بن ورقاء، وشبيب يومئذ في ستمائة فواقعه عتّاب فقاتل وصبر فقتل عتاب، قتله رجل يقال له عمرو بن عبد عمرو من بني تغلب ويقال الفضل بن عامر الشيباني ويقال عامر بن عمرو، ووطيء زهرة بن حوية فجعل يذب بسيفه وهو شيخ ضعيف البصر لا يستطيع القيام، فجاء الفضل بن عامر الشيباني فقتله وذلك بسوق حكمة على ستة فراسخ من المدائن، فلما رأى شبيب زهرة قال: لئن كنت قتلت ضالا لربّ
vol. 9, p. 27يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك وعظم فيه غناؤك، ولرب خيل للمشركين قد هزمتها، وسريّة لهم قد ذعرتها.
-
واستمكن شبيب من أهل العسكر فقال: ارفعوا عنهم السيف، ودعاهم إلى البيعة فبايعوه ثم هربوا من تحت ليلتهم، ودخل سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الكوفة فيمن معهما.
-
وخطب الحجاج أهل الكوفة فقال: لا أعز الله من أراد العزّ بكم، لا تشهدوا معنا قتال عدونا وألحقوا بالنصارى واليهود.
-
وأقبل شبيب إلى الكوفة فقتل عامل سوراء (١) ، وأخذ ما كان عنده من المال، وزحف إليه الحجاج نفسه ومعه سفيان بن الأبرد، فجعل أهل الكوفة يقولون:
دبوا دبيبا … واحذروا شبيبا
وسار شبيب إلى السبخة فوجّه إليه الحجاج غلمانا له فقتلهم، ووجه إليه عمارة الطويل فاستعلى عليه، فقال شبيب: قاتلني رجل ما أحسبه ولا أراه إلا طويل بني المجنون.
-
وأخذ أهل الكوفة بأفواه السكك وأشرعوا الرماح في وجوههم، وقاتل خالد بن عتّاب بن ورقاء الخوارج فقتل مصاد أخا شبيب وجهيزة أم شبيب وكانت قد قاتلت قتالا شديدا، وقال الناس:
أمّ شبيب ولدت شبيبا … هل تلد الذّيبة إلا ذيبا
vol. 9, p. 28وقتلت غزالة واحتز رأسها فقال الحجاج: والله ما قوتل شبيب قبل يومه هذا ومرّته هذه.
-
وهرب شبيب فبعث الحجاج في إثره حبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ثلاثة آلاف من أهل الشام فقاتله بالأنبار حتى كره بعضهم بعضا.
-
وأتى شبيب واسطا من ناحية أرض جوخى، ثم أتى الأهواز وتجاوزها إلى فارس حتى إذا قوي واستراش عاد إلى الأهواز فلقيه سفيان بن الأبرد وحبيب والشاميون عند جسر دجيل بالأهواز، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى اضطر الخوارج إلى الجسر فلم يجدوا عنه محيصا، فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه مائة فقاتل أشد قتال، فلما رأى سفيان صعوبة أمرهم أمر الرماة فرشقوهم بالنبل، وكرّ شبيب على الرماة فصرع منهم أكثر من ثلاثين، ثم قال لأصحابه: اعبروا رحمكم الله. وقدّمهم وبقي في أخريات الناس.
-
ورأى فرسه رمكة (١) بعض أصحابه فتحصّن (٢) فزلّت رجل فرسه فسقط في الماء وهو يقول: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ (٣) .
-
ويقال إنه لما قاتلهم قال لأصحابه في المساء: قد انصرف عنكم عدوكم فاعبروا بنا فإذا أصبحنا قاتلناهم، ومرّ وهو يركض فلما سار في وسط الجسر قطعه قوم من بني شيبان كانوا حقدوا عليه قتل من قتل في ساتيدما، فغرق.
- vol. 9, p. 29
ويقال إنه لما حجز بينهم الليل عبر شبيب الجسر، وبصر بهم قوم من أصحاب سفيان فقطعوا الجسر فماج بهم فغرق شبيب وجماعة معه، قالوا:
فأمر سفيان فاستخرج شبيب بالشّباك وشقّ بطنه فوجد قلبه كأنه صخرة يضرب به الأرض فلا يثبت وينبو عنها نبوّ الحجر، وكان غرقه ليلا. والشراة يقولون كان على قلبه شعر وذلك باطل.
وقال معمر بن المثنى: خرج شبيب في أيام بشر بن مروان حين قتل صالح بن مسرّح، وكان معه فلم يزل يتنقّل في جوخى حتى ولي الحجاج فبعث إليه عبيد بن المخارق القيني من أهل الشام، فهزمه شبيب، ثم بعث إليه زحر بن قيس فهزم أصحابه وارتثّ وبه ثلاثون طعنة، وضربه حتى حمل في القطن، ثم بعث إليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فهزمه، ثم عتّابا فقتله، ثم الجزل الكندي فقتله، ثم بعث إليه زياد بن عمرو العتكي فانهزم، ثم بعث محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فقتله، فقال قطري حين بلغه أمر شبيب: إن الله قد قيّض للفاسق أخي ثمود رجلا من الصّفرية قد أشجاه، والله ما نبالي بأي الفريقين كان الفتح.
-
ووجه الحجاج إلى شبيب يزيد بن هبيرة المحاربي فهزمه.