أمر سليمان بن عبد الملك
70 paragraphs · vol. 9, p. 99
Page 1 of 2
- vol. 9, p. 99
وسليمان بن عبد الملك وأمه وأم الوليد ولاّدة بنت العباس بن جزي، ويكنى أبا أيوب، وكان فصيحا، نشأ في أخواله بني عبس، وكان أبيض جعدا، ولي سنة ست وتسعين، وكان جميل المذهب، حسن السيرة، أخرج المحبّسين، وردّ المسيّرين، وأنصف من المظالم.
-
وكان الوليد أخوه ولاه فلسطين، فأحدث مدينة الرّملة وبنى مسجدها، وأتاه نعي الوليد، وكان ولي العهد بعده فخرج من فلسطين الى دمشق، فكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، ومات بدابق (١) ، ودفن بها، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، وذلك في سنة تسع وتسعين، وكان يوم مات ابن خمس وأربعين سنة.
-
فولد سليمان بن عبد الملك: أيوب وأمه أم أبان بنت خالد بن الحكم بن أبي العاص، وأمها أم عثمان بنت خالد بن عقبة بن أبي معيط.
- vol. 9, p. 100
ويحيى، وعبد الله، أمهما عائشة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان.
-
ويزيد، والقاسم، وسعيدا، أمهم أم يزيد بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية.
-
وعبد الواحد، وعبد العزيز، أمهما أم عمرو بنت عبد الله بن خالد بن أسيد.
-
وداود، ومحمدا، وعمر، وعمرا، وعبد الرحمن، لأمهات أولاد شتى، والحارث لأم ولد.
-
وأم أيوب كانت عند عبد العزيز بن الوليد فهلكت، فجاء عبد العزيز الى سليمان أبيها، فقال له سليمان: أدفنت أم أيوب ثم تأتيني؟. فقال:
يا أمير المؤمنين أنا بها أعظم مصيبة منك. قال: وبلغني أنك نازعت الحارث ابن أمير المؤمنين في الصلاة عليها، فقال: ما بلغ بي الجهل أن أفعل ذلك.
-
فأما أيوب بن سليمان، فكان من فتيان قريش عفافا وأدبا، وكان أبوه قد بايع له بالعهد، وكان مؤدبه وحاضنه عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وقال فيه جرير:
إنّ الإمام الذي ترجى فواضله … بعد الإمام وليّ العهد أيوب (١)
-
وهلك في حياة أبيه.
وقال الفلتان أخو بني عبد الله بن دارم:
من يك جارا لقوم لا وفاء لهم … فإنّ جاري وليّ العهد أيّوب
ورثاه عبد الله بن عبد الأعلى بقصيدة يقول فيها:
vol. 9, p. 101ولقد عجبت لذي الشماتة إن أري … جزعي ومن يذق الفجيعة يجزع
فاشمت فقد قرع الحوادث مروتي … واجذل بمروتك التي لم تقرع
إن تبق تفجع بالأحبّة كلّهم … أو تردك الأحداث إن لم تفجع
من لا تخرّمه المنيّة لا يرى … منها على خوف لها وتوقّع
قد بان أيوب الذي لفراقه … سرّ العدوّ غضاضتي وتخشّعي
أيوب كنت تجود عند سؤالهم … وتظلّ منخدعا وإن لم تخدع
ولا عقب لأيوب.
-
وحدثني هشام بن عمار الدمشقي، أبو الوليد، عن مسلم بن أبي سليم الحمصي قال: خرج سليمان إلى دابق ليغزي الناس، فأغزاهم وعليهم ابنه أيوب بن سليمان، ومعه مسلمة بن عبد الملك.
-
وكان أيوب ولي عهده، فلما احتضر سليمان قال: ان ابني أيوب بإزاء عدو ولا أدري ما يحدث به فإن أهمل الأمر إلى قدومه ضاع وانتشر ولم تؤمن الفتنة على الناس في جميع الأقطار، ولعل الحدثان أن يكون قد غاله، على أني وليته العهد وأنا أظن أنّ عمري يطول. وهو حدث.
-
فولى عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك من بعده، وأيوب إن كان بعد يزيد، وكره أن يخرجها من ولد عبد الملك فيختلفوا ويحدثوا أحداثا تدعو إلى الفتنة.
-
وصوّب رجاء بن حيوة رأيه في ذلك، وقوّى عزمه. وتوفي أيوب في غزاته وقد أقبل، وذلك حين شارف الثغر خارجا أو داخلا.
وقال هشام: وقد تقوّل قوم أن نعي أيوب أتى سليمان يوم مرض ففعل ما فعل.
vol. 9, p. 102وقال المدائني، وأبو اليقظان: مات بالشام.
-
وأما محمد بن سليمان فكان صاحب فتوّة وباطل، وقد أدرك الوليد بن يزيد.
-
وأما عبد الواحد فولاه مروان بن محمد بن مروان مكة والمدينة فصلى بالناس بالموسم، ثم هرب من الإباضية حيث خرجوا عليه، فقال الشاعر:
جاء الذين يخالفون بدينهم … دين النبيّ ففرّ عبد الواحد
ترك القتال وما به من علّة … إلا الوهون وعرقة من خالد (١)
-
وقتله صالح بن علي بن عبد الله، وأخذ ماله بالشام. وله عقب.
- ومدحه ابن هرمة فقال:
-
إذا قيل من خير من يرتجى … لمعتر فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل عند الوغى … بإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك … إليه به قبل أزواجها (٢)
-
وأما عبد الرحمن بن سليمان فهلك وهو شاب.
-
وأما الحارث بن سليمان فكان من رجالاتهم جلدا وذكرا، وأدرك قتل الوليد بن يزيد، وقال فيه الشاعر:
كأنّك برد ذو حواش مسهّم … به حرق قد شابه وهو واسع
بلوناكم حتى عرفنا خياركم … فخيركم رثّ المروءة واضع
vol. 9, p. 103فقال هشام بن عبد الملك لهذا الشاعر: ويلك عممت بني مروان.
فقال: لا ولكني عنيت بني سليمان.
-
وأما يزيد بن سليمان فمات قبل المسوّدة، وقتل ابنه عبد الله بن علي.
-
وأما داود بن سليمان فهو الذي قال له رجل: هلك أبوك بشما (١) ، وهلكت أمك بغرا (٢) ، وكانت أم داود عطشت في طريق مكة، فشربت فأكثرت فماتت.
قالوا: وكان الحجاج بن يوسف وقتيبة بن مسلم أشارا على الوليد بتولية ابنه عبد العزيز العهد مكان سليمان أو بعده، فحقد على قتيبة سليمان، فلما استخلف سليمان قال قتيبة وهو بخراسان: أيها الناس قد وليكم هبنّقة القيسي، وذلك أن سليمان كان يعطي أهل الشرف واليسار والنباهة ولا يرفع خسيسة ولا يصطنع خاملا، وذلك أن هبنّقة كان يخص سمان إبله بالمرعى والعلف ويضرب المهازيل، ويقول: أنا لا أصلح ما أفسد الله، ولا أفسد ما أصلح، فنسب إلى الحمق، وكان ذلك سبب مخالفة قتيبة حتى قتل بخراسان:
وفي سليمان يقول الفرزدق:
وإلى سليمان الذي سكنت … أروى الهضاب له من الذعر
وتراجع الطرداء إذ وثقوا … بالأمن من رتبيل والشحّر (٣)
vol. 9, p. 104كنّا نناجي الله نسأله … في الصبح والأسحار والعصر
ألاّ يميتك أو يكون لنا … أنت الإمام ووالي الأمر
فأجاب دعوتنا وأنقذنا … بخلافة المهديّ من ضر
إنّي لأرجو أن يقيم لنا … سنن الخلائف من بني فهر (١)
- والقصيدة طويلة. وقال فيه أيضا:
-
وكم أطلقت كفّاك من قيد بائس … ومن عقدة ما كان يرجى انحلالها (٢)
-
المدائني عن عوانه قال: خرج سليمان بن عبد الملك يستسقي فسمع أعرابيا يقول:
يا ربنا ربّ العباد مالكا … قد كنت تسقينا فما بدا لكا
أنزل علينا الغيث لا أبا لكا
فقال سليمان: صدق والله فما لله أب ولا صاحبة ولا ولد.
-
المدائني عن أبي اليمان القرشي قال: خطب سليمان بن عبد الملك فقال: «اتخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه لكم قائدا، فإنه ناسخ لما قبله، ولن ينسخه كتاب بعده» . فما سمعت خطبة أوجز منها.
-
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: قال سليمان بن عبد الملك يوما: يا غلام ادع صالحا، فقال بعض الحرس:
vol. 9, p. 105يا صالحا. فقال سليمان: أنقض من صالحك ألف، فقال عمر بن عبد العزيز: وأنت يا أمير المؤمنين فزد في ألفك ألفا.
-
المدائني عن الفضل بن تميم قال: دخل رجل على سليمان فتكلم فأراد أن يسبر عقله فإذا هو مضعوف، فقال سليمان: زيادة منطق على عقله خدعة، وزيادة عقل على منطق هجنة، وأحسن من ذلك ما زان بعضه بعضا.
-
وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم عن ابن عياش قال: تقدم أبو السّمال إلى سليمان بن عبد الملك فقال: إنّ أبينا هلك، فوثب أخانا على مالنا فأخذه، فانظر في أمرنا. فقال سليمان: لا رحم الله أباك ولا عافى أخاك، ولا ردّ عليك مالك. نحّوه عني.
وقال المدائني: دخل أبو السربال الكلبي على سليمان قبل الخلافة، وهو يتغدى، فدعاه للغداء فقال سليمان: ادن يا أبا السربال. فقال:
لا والله أو أعرف من أكلائي، قال: هذا. قال: ومن هذا؟ قال:
روح بن زنباع. قال رجل: والله ما اعتركت الأضياف على باب أبيه قط.
قال: فمن هذا؟ قال: فلان. قال: إنه لصغير القمّة، ونظر إلى رجل من قريش أحمر أقشر، فقال أبو السربال: أما هذا فلا أسأل عنه، هذا قيصر. فضحك سليمان.
-
وجلس أبو السربال يأكل، وجاؤوا بفالوذجة، فجعل سليمان يأكل بأصابعه كلها فقال: يا أبا السربال دونك فإن هذا يزيد في الدماغ، فقال:
أصلح الله الأمير، لو كان هذا كما قلت لكان رأسك مثل رأس البغل.
- vol. 9, p. 106
حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عياش قال: تقدم رجل إلى سليمان وهو بدابق فقال: يا أمير المؤمنين، هلك أبينا، وظلمنا أخينا، فانظر في أمرنا، نظر الله إليك، فقال سليمان: نحّوه لعنه الله. فنحّي.
-
حدثني هشام بن عمار عن الوليد عن أشياخ لهم أن سليمان قال:
الحسود لا يسود.
-
المدائني عن عامر بن حفص ومسلمة: أن سليمان بن عبد الملك قال ليزيد بن أبي مسلم: لعن الله رجلا ولاّك فأجرى رسنك (١) واختارك لأمر من أمور المسلمين، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك رأيتني والأمر عنّي مدبر ولو رأيتني وهو علي مقبل عظم عندك ما استصغرت، وحسن ما استقبحت من أمري. فقال: ما تقول في الحجاج؟. فقال: يأتي يوم القيامة بين أبيك وأخيك فضعه حيث شئت.
-
حدثنا عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن الجريري قال: شكا سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان موسى شهوات إلى سليمان بن عبد الملك، وأمه آمنة بنت سعيد بن العاص بن سعيد بن أبي أحيحة، وقال: هجاني، فقال لا أم لك بم هجوته؟ قال: يا أمير المؤمنين إنما فضلت عليه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وذلك أني عشقت جارية بدمشق فسألته أن يبتاعها لي بمائتي دينار فقال لي: بورك فيك، فقال سليمان: ليس هذا موضع بورك فيك. قال: وأتيت سعيد بن خالد بن عبد الله فدعا بمطرف
vol. 9, p. 107خزّ وأمر جاريته فصرّت في كل زاوية منه مائتي دينار فمدحته. فقال: قل ما شئت بعد هذا واستنشده ما قال فأنشده:
عقيل الندى ما عاش يرضى به الندى … فإن مات لم يرض النّدى بعقيد
سعيد الندى أعني سعيد بن خالد … أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنني أعني ابن عائشة الذي … كلا أبويه خالد بن أسيد
عائشة بنت عبد الله بن خلف أخت طلحة الطلحات، فقال سعيد بن خالد:
إذا كان الأمير عليك خصما … فلا تكثر فقد غلب الأمير
- وأنشد:
-
ونستعدي الأمير إذا ظلمنا … فمن يعدى إذا ظلم الأمير
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة قال: بعث يزيد بن المهلّب سريعا مولى عمرو بن حريث إلى سليمان. قال سريع: فعلمت أنه سيسألني عن المطر، ولم أكن ارتق بين كلمتين، فأعطيت أعرابيا درهما وقلت: كيف أقول إن سئلت عن المطر؟ فقال: قل جاء مطر غزير درير، فعمد الثرى واخضرّ العمير، واستأصل العرق، ولم أر واديا إلا داريا.
-
فلما دخلت على سليمان سألني عن المطر فقلت هذا الكلام. فقال:
هذا كلام لست بأبي عذره فأصدقني. فحدثته فضحك، وضرب برجليه، وقال: لقد أصبت ابن بجدتها.
-
المدائني عن مسلمة قال: زحل أيوب بن سليمان وهو عند أبيه فقال له: مالك يا بني؟ قال: خدرت رجلي. فقال سليمان: يا بني، اذكر أحبّ الناس إليك، فقال: صلى الله على محمد. فقال سليمان: ابني سيد، وإني عنه لفي غفلة، وولاه عهده.
- vol. 9, p. 108
المدائني قال: كان محمد بن يزيد الأنصاري مع سليمان فوجهه إلى العراق حين ولي، فأطلق أهل السجون، وقسم الأموال، وضيق على يزيد بن أبي مسلم، وحمله إلى سليمان فظفر به يزيد بإفريقية عند المغرب في شهر رمضان، فجعل محمد يقول: اللهم احفظ لي اطلاقي الأسرى وإعطائي الفقراء، فقال له يزيد: أمحمد طال والله ما سألت الله أن يمكنني منك بلا عهد ولا عقد، قال: وأنا والله قد سألته أن يجيرني منك، قال يزيد: فوالله ما أجارك ولا أعاذك ولا أجابك. والله لا أريم مكاني حتى أقتلك.