أمر سليمان بن عبد الملك
70 paragraphs · vol. 9, p. 99
Page 2 of 2
- vol. 9, p. 108
وأقيمت الصلاة فبادر إليها، وكان أهل إفريقية قد أجمعوا على قتله، فضربه رجل منهم بعمود على رأسه فقتله، وقال لمحمد: اذهب حيث شئت.
قالوا: وكان سليمان نهما بخيلا على الطعام فمد رجل يده إلى دجاجة كانت بين يديه، فقال له: كل مما بين يديك. فقال: أو ههنا حمى؟ ! فرمى إليه بالدجاجة وقال: كلها لا بارك الله لك فيها.
-
المدائني قال: قال سليمان ليزيد بن المهلب: أكره منك ثلاثا، خفّك أبيض مثل ثوبك، وطيبك يرى وطيب الرجل يوارى، وأنك تكثر مسّ لحيتك. فغيّر الخفّ والطّيب، ولم يدع مسّ لحيته.
-
وكان يزيد يقول: ما رأيت عاقلا قط إلا ومعوّله إذا فكّر على لحيته.
-
المدائني قال: ضمّ سليمان بن عبد الملك عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود إلى ابنه أيوب، فأتاه فحجبه، فجلس في بيته فتعتّب أيوب عليه
vol. 9, p. 109فعاتبه عون فغضب فشكاه إلى أبيه فلامه فقال: ضممتني إلى رجل إن أتيته حجب، وإن جلست عنه عتب، وإن عاتبته غضب.
-
حدثني أبو مسعود القتّات عن ابن الكلبي أن قوما وفدوا إلى سليمان فقال متكلمهم: إنا والله ما أتيناك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فدخلت علينا منازلنا، وأما الرهبة فآمنناها فضلك وعدلك، ولقد حبّبت إلينا الحياة، وهوّنت علينا الموت، لأنا نثق بإحسانك لأنفسنا، ونرجوك لمن تخلف بعدنا من أعقابنا، فأحسن صلتهم والنظر لهم.
قالوا: وكان سليمان أكولا يؤتى في كل يوم من صلاة الغداة بعشر رقاقات وخروفين عظميين، ودجاجتين سمينتين، فيأكل ذلك كله بخلّ فيه الجذان ومرى (١) .
وقال الواقدي: غزا سليمان الصائفة مسلمة بن عبد الملك وعلى الصائقة أيوب ابنه فلما جاوزوا الدرب مات، ومات سليمان، وقد نفذ مسلمة، فأقفله عمر بن عبد العزيز.
-
المدائني قال: حج سليمان فقال لقيّمه على طعامه: أطعمني من خرفان المدينة، أو قال من جداء المدينة، ودخل الحمام ثم خرج وقد شوي له أربعة وثمانون خروفا أو جديا، فجعل القيّم يأتيه بواحد واحد فيتناول
vol. 9, p. 110جرمازجة (١) ويضرب بها شحم كليته، فأكل أربعة وثمانين جرمازجة بشحم أربعة وثمانين كلية، ثم قال: ادع يا غلام عمر بن عبد العزيز، وأذن الناس.
-
ووضع الغداء فأكل معهم كما أكلوا.
وقال المدائني: حج سليمان وأتى الطائف فلقيه ابن أبي زهير الثقفي رجل من أهلها فسأله أن ينزل عليه فقال: إني أخاف أن أبهظك. فقال:
قد رزق الله خيرا كثيرا، فنزل عليه فجعل يأتيه من حائطه، وهو فيه، بخمس رمانات خمس رمانات حتى أكل مائة وسبعين رمانة.
-
ثم أتى بخروف، وست دجاجات فأكل ذلك، ثم أتي بمكوك زبيب فأكله، ثم وضع الطعام فأكل وأكل الناس. وفتح ابن أبي زهير أبواب الحيطان فأكل الناس من الفاكهة، فقال سليمان: قد أضررنا بالرجل.
-
وأقام بالطائف سبعا ثم صار إلى مكة وقال لابن أبي زهير: الحقني.
-
فلم يفعل فقيل له: لو لحقته، قال: أقول ماذا؟ أعطني ثمن طعامي؟ ! وقال المدائني: خرج سليمان من منزله يريد منزل يزيد بن المهلّب فقال يزيد: الغداء يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فأكل أربعين دجاجة جردناج سوى ما أكل سوى ذلك من الطعام.
وقال المدائني: أكل سليمان اثنين وثمانين ناهضا (٢) ، وفخّارة فيها هريسة.
vol. 9, p. 111قال: وأتاه وهو بدابق رجل من النصارى كان منقطعا إليه من قبل الولاية فقال له: هل أهديت لي شيئا؟. قال: نعم أهديت تينا وبيضا، فأتاه بزبيل مملوء بيضا مطبوخا، وبزبيل مملوء تينا فجعل يقشر البيض ويأكل بيضة بتينة حتى أتى على الزبيلين، ثم أتوه بقصعة مملوءة مخا مخلوطا بسكر فأكل ذلك فأتخم ومرض فمات.
-
المدائني قال: كان حنظلة بن عقال أكولا فأكل عند سليمان وهو يرتجز:
أعددت للفم عظيم الفلق … تكاد أطراف الرغيف تلتقي
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن الضحّاك بن زمل أن سليمان أتي بطبق عليه ثلاثمائة عيون البقر (١) ، وهو الساهلوج، فأكل جميع ما في الطبق، ثم دعا بالغداء فأمعن كأنه لم يأكل شيئا.
وقال الضحاك بن زمل: قال سليمان حين نزل من عقبة أفيق: هل عندكم شيء؟ فأتي بست دجاجات وفرخين وعشرة أرغفة، في كل رغيف رطل فأكل وهو على بعير، إذا رجل يصيح: يا أمير المؤمنين إن عاملك على كذا ظلمني، وهو يقول: كذبت لا أم لك ويأكل، فلما فرغ فهم عنه، فأمر فكتب بإنصافه.
قال: وقال الضحاك: قال سليمان وذكر عنده تشقيق الخطب والإسهاب في الكلام: من أكثر القول فأحسن، قدر على أن يقلّ فيحسن، وليس من قصر فأحسن بقادر على أن يطيل فيحسن.
- vol. 9, p. 112
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مولى لسليمان قال: كان سليمان يأكل بخمس أصابع، ويجعل له منديل على صدره ومنديل على فخذيه، وكان لا يرفع رأسه إذا أكل حتى يشرب عسّا ضخما فيه عسل، تعترى (١) ربما استعان عليه بركبتيه أحيانا، فإذا شربه تكلم.
-
فقام إليه رجل وهو يأكل فقال: يا أمير المؤمنين إني زوجت ابني وليس عندي ما أجمع به أهله إليه فأسلفني عطائي من بيت المال، فقال: ما يزال عاضّ لبظر أمه يقوم إلينا فيفسد علينا طعامنا، فتنحى الشيخ وجلس، فلما فرغ من طعامه قال: قلت ماذا لله أبوك؟. فردّ عليه مسألته فقال: وكم عطاؤك لله أبوك؟. قال: مائتا دينار. قال: يا قسّامة أعطه مائتي دينار ومائتي دينار ومائتي دينار. وطوّل نفسه حتى انقطع فنظر فإذا جميع ذلك قيمة اثنين وسبعين ألف درهم.
ثم قال: أبا زجيّ رضيت؟ قال: نعم فرضي الله عنك يا أمير المؤمنين. قال: يا قسّامة فأضعفها له، فأخذ مائة وأربعة وأربعين ألف درهم.
-
حدثني الحرمازي وأبو مسعود الكوفي قال: قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: يا أبا عمر اذكر لي حوائجك، فقال: إني لا أسأل في بيت الله غيره.
-
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: انصرف سليمان من صلاة الجمعة فأكل شحم كلى أربعين جديا وصحفة مملوءة مخا وغير ذلك، ثم
vol. 9, p. 113جامع وقام عن الجارية موعوكا فمات بدابق، وكان جميل الوجه، حسن الخلق، يقول: أنا الملك الشاب.
قال الحزين:
فيا قوم ما بالي وبال ابن نوفل … وبال بكائي نوفل بن مساحق
ولكنّها كانت سوابق عبرة … على نوفل من كاذب غير صادق
فهلاّ على قبر الوليد سفحتها … وقبر سليمان الذي عند دابق
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده وعوانه قالا: لما مات الحجاج، وكان قد استخلف على حرب العراق يزيد بن أبي كبشة، وعلى خراجها يزيد بن أبي مسلم مولاه فأقرّهما الوليد حتى مات، وأقر عمال الحجاج، وكان الوليد يقول: الحجاج جلدة ما بين عيني، لا بل جلدة وجهي كله.
-
وكان موت الوليد للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، فلما ولي سليمان بن عبد الملك، وهو بالرملة، ولى يزيد بن أبي كبشة صلاة العراق وحربها، وصالح بن عبد الرحمن السجستاني مولى بني مرة بن عبيد خراج العراق، وولى سليمان بعد أربعين يوما من خلافته يزيد بن المهلب حرب العراق وخراجه فاستعفاه من الخراج، فأراد تولية يزيد بن أبي مسلم الخراج، وقد كان ابن المهلب وصفه له بالعفاف، فقال عمر بن عبد العزيز: أتولّي ابن أبي مسلم؟ فقال: نعم إنه عفيف عن الدرهم، فقال عمر: إن الشيطان أيضا عفيف عن الدرهم لم يأخذ درهما قط.
-
فاستشار يزيد بن المهلب فيمن يوليه خراج العراق فأشار عليه بصالح بن
vol. 9, p. 114عبد الرحمن، وكان صالح كاتبا للحجاج بعد زاذانفروخ بن بيزي كاتبه المجوسي.
-
وشخص يزيد بن المهلب إلى العراق وخراسان مضمومة إليه، فلما قدم واسطا وجد الجراح بن عبد الله الحكمي على البصرة من قبل ابن أبي كبشة، فكتب إليه في القدوم عليه، وولى البصرة رجلا من أصحابه، وكتب سليمان إلى يزيد بن المهلب في الشخوص إلى خراسان لإصلاحها، وتسكين الناس بها بعد أن كان من أمر قتيبة ما كان، فاستخلف يزيد بواسط: الجراح بن عبد الله.
-
المدائني: أن يزيد بن المهلب كان عامل سليمان على العراق، فولّى البصرة سفيان بن عمير الكندي فجاءته امرأة بزوجها تطالبه بصداقها فقال:
ما لها عندي شيء، قال: فأين صداقها؟ قال: أكله الذئب. قال: فأنت والله ذلك الذئب، أعطها صداقها.
-
المدائني أن سليمان بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز: يا أبا حفص أيكون المؤمن في حال يعتدل فيها سروره ومكروهه؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عند أحد السرّاء والضرّاء ولكن معوّل المؤمن الصبر.
-
المدائني قال: قال سليمان بن عبد الملك لمحمد بن مالك الهمداني:
قد رأيت ولد المهلب فكلّهم جزل، فأخبرني عن المهلب، فقال: كان لا يستنهض عن عجز ولا يكفكف عن جهل، ولم أر بالعراق مثله.
-
حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قال سليمان بن عبد الملك:
لله كلمة ما قالها إلا حكيم وهي: لا ينفعك رأي من لم ينفعك ظنّه.
-
حدثني أبو الحسن المدائني قال: قال أبو جعفر المنصور: أما الوليد
vol. 9, p. 115فكان مجنونا، وأما سليمان فكان نهما همّه بطنه وفرجه، ورجل القوم هشام.
-
المدائني عن خالد بن يزيد قال: جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب فقال رجل: يا أمير المؤمنين إنّ من حدّث نفسه بطول البقاء لعازب الرأي، فكأنّ ذلك عرف في سليمان.
-
المدائني قال: وقع بين سليمان بن عبد الملك وبين أخيه مروان بن عبد الملك في حياة عبد الملك شرّ، فقال سليمان لمروان: يا بن اللخناء. ففتح فمه ليجيبه وإلى جانبه عمر بن عبد العزيز فأمسك على فمه وقال: أخوك يا أبا عبد الملك، وله السنّ عليك، فقال: يا أبا حفص رددت في جوفي أحرّ من الجمر ومال لجنبه فمات، وكان أخا يزيد بن عبد الملك لأمّه عاتكة بنت يزيد، وفيه يقول جرير:
أبا خالد فارقت مروان عن رضى … وكان يزين الأرض أن ينزلا معا
فسيروا فلا مروان للحيّ إذ شتوا … ولا الركب إن أمسوا مخيفين جوّعا (١)
-
ونظر إليه عبد الملك وهو يكفّن فقال: الحمد لله الذي رضانا بموت أبنائنا ودفنهم.
-
وكتب إلى عبد الملك بعض ولد الحكم يعزيه بمروان فكتب إليه عبد الملك.
كتبت تسأل عن صبري لتعلمه … على الرزيّة بالمأمول مروان
فقد صبرت بعون الله محتسبا … لموعد الله من فوز ورضوان
vol. 9, p. 116المدائني قال: الثبت أن أيوب بن سليمان توفي بالشام ولم يكن غازيا، وإنما كان الغازي مسلمة بن عبد الملك، وكان سليمان أراد أن يغزيه على الجيش فمرض. قال: فلما احتضر أيوب دخل عليه وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة، فجعل ينظر في وجهه فتخنقه العبرة فيردّها، ثم نظر إلى عمر فقال: إنه والله ما يملك أحد أن يستبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة والناس في ذلك أصناف: فمنهم من يغلب صبره جزعه، فذلك الجلد الحازم المحتسب، ومنهم من يغلب جزعه صبره، فذلك المغلوب الضعيف، وإني أجد في قلبي لوعة إن أنا لم أبرّدها بعبرة خفت تتصدع كبدي كمدا وأسفا.
-
فأما عمر فنهاه عن البكاء وأمره بالصبر، وأما رجاء فقال: افعل ولا تفرط فإن رسول الله ﷺ لما هلك ابراهيم ابنه قال: «تدمع العين ويفجع القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون» . فلما دفن أيوب وقف سليمان على قبره وقال:
وقفت على قبر مقيم بقفرة … متاع قليل من حبيب مفارق
ثم قال: عليك السلام يا أيوب. كنت لنا أنسا ففارقتنا، فالعيش من بعدك مر المذاق. ثم ركب دابته وقال:
فإن صبرت فلم ألفظك من جزع … وإن جزعت فعلق منفس ذهبا
فقال عمر: الصبر يا أمير المؤمنين فإنه أقرب الوسائل إلى الله.
قال: وعزى رجل سليمان عن أيوب فقال له: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تجعل آخر أمرك أوله فافعل. فقال سليمان: لقد أوجزت في التعزية وسكّنت من اللوعة، عند الله أحتسب أيوب.
- vol. 9, p. 117
حدثني الحرمازي الحسن بن علي عن العتبي قال: دخل سليمان بن عبد الملك على طاووس يعوده فلم يعظمه ولم يجبه بما يجاب به الخلفاء، فعوتب طاووس على ذلك فقال: أحببت أن يعلم أن في الناس من يستصغر ما يستعظمه المغرّون مما هو فيه.
قالوا: بينا سليمان يمشي في بستان ومعه جماعة يمشون حوله من أهل بيته وغيرهم، ومعهم يزيد بن المهلب فنظر فقال: يا يزيد ارتدف فأنا أكرم ردافة من النعمان. قال: يا أمير المؤمنين بل أمشي. فقيل ليزيد: ما منعك من الإرداف خلف أمير المؤمنين فتسيران والناس جميعا يمشون؟ فقال:
ما غبيت عن ذلك ولكني خشيت أن أثب فأقصر عن الركوب، وكرهت أن أدعو من يرفعني، وأن تنال أمير المؤمنين يدي.
قالوا: وكان عمير الهجري رواية لخطب الحجاج، فقدم فلسطين ويزيد بها عند سليمان وذلك بعد موت الحجّاج، فجلس إليه عمير فذكر شيئا منها فأمر به يزيد فأقيم ثم قال: احبسوه، ثم قال: خلّوه. فقيل لعمير:
ماذا دعاك إلى ما قلت؟ ألم تعلم ما بين يزيد والحجاج؟ قال: لم أعلم أن ههنا أميرين.
-
وحج سليمان فقدم الطائف فارتفعت سحابة فرعدت وبرقت وهو مشرف على عقبة، ثم أمطرت وانجلت فقال سليمان لعمر: يا أبا حفص كاد قلبي ينصدع. فقال: يا أمير المؤمنين كان ما رأيت من قدرة الله مع رحمته، لو كانت مع عذاب؟!