[قصة حبابة]
14 paragraphs · vol. 9, p. 257
- vol. 9, p. 257
عبد الله بن جعفر على مثل ذلك، فلما ولي الخلافة اشترى سلامة القس من سهيل بن عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف دينار، ويقال ان التي تزوج:
رقية بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وتزوجه سعدة أثبت.
وقال المدائني: كانت حبّابة تسمى الغالية، وكانت لرجل من الموالي بالمدينة، فلما قدم يزيد وتزوج ابنة عبد الله بن عمرو وربيحة بنت محمد، اشترى الغالية من مولاها بأربعة آلاف دينار. وبلغ ذلك سليمان فقال:
لأحجزنّ على هذا المائق السفيه، فلما بلغه قول سليمان استقال مولى الغالية فأقاله وشخص بها مولاها إلى إفريقية فباع الغالية هناك.
-
فلما استخلف يزيد واشترى سلامة من مولاها، قالت له ابنة عبد الله بن عمرو بن عثمان امرأته: هل بقي لك من الدنيا شيء مما تحبه لم تنله؟ قال: نعم الغالية، وقد بلغني أنها بيعت بإفريقية.
-
فبعثت بعض مواليها إلى إفريقية فاشتراها بأربعة آلاف دينار، وقدم بها فهيأتها ابنة عبد الله بن عمرو وأجلستها في البيت، وقالت ليزيد: إن رأيت الغالية تعرفها؟ قال: نعم لقد رأيتها فما أنساها، فرفعت الستر فرآها فقال: هي هذه. قالت: فهي لك، وأخلتها فسماها حبّابة، وحظيت ابنة عبد الله بن عمرو عنده.
-
وخطب يزيد إلى خالد بن عبد الله بن عمرو وأخي مسعدة، ابنة أخ له فقال: أما يكفيه أن أختي عنده حتى يخطب إليّ بنات أخي؟ فغضب يزيد من ذلك، فقدم خالد يسترضيه فبينا هو في فسطاطه أتته جارية لحبابة في خدمها فقالت: مولاتي تقرأ عليك السلام وتقول: قد كلمت أمير المؤمنين فيك فرضي عنك فارفع إليّ حوائجك، فرفع رأسه إلى من حضر فقال:
vol. 9, p. 258ومن مولاتها؟ فقالوا: حبّابة وحدثوه حديثها فقال للجارية: ارجعي إلى مولاتك فقولي لها إن للرضى عني سببا لست به.
-
فشكت حبابه ذلك إلى يزيد فغضب، وأرسل إلى خالد، أعوانا، ومعهم خدم حبابة فاقتلعوا فسطاطه وقطعوا أطنابه حتى سقط عليه وعلى من معه، فقال: ويلكم ما هذا؟ قالوا: رسل حبابة. فقال: ما لها أخزاها الله؟ ما أشبه رضاها بغضبها.
-
وذكروا أن يزيدا أقبل يوما يريد البيت الذي فيه حبابة، فقام من وراء الستر فسمعها ترنم وتقول:
كان لي يا يزيد حبّك حينا … كاد يقضي عليّ يوم التقينا
فرفع الستر فوجدها مضطجعة محولة وجهها إلى الحائط، فعلم أنها لم تعلم به ولم ترده بما قالت في ذلك الوقت ليسمعه فألقى نفسه عليها يقبلها وحركت منه.
قالوا: وجلس يزيد يوما وحبّابة عن يمينه، وسلاّمة عن يساره، فغنّتا فطرب، ثم قال لحبابة: غنّي صوتا. فغنت:
وبين التّراقي واللهاة حرارة … مكان الشّجا (١) ما تطمئنّ فتبرد
فقال: أطير. ومدّ يديه. فقالت: كما أنت. إن لنا فيك حاجة.
فقال: والله لأطيرنّ. قالت: فعلى من تخلف الخلافة والملك؟ قال:
عليك والله.
- vol. 9, p. 259
المدائني قال: غنت حبابة يوما، فطرب يزيد طربا شديدا، فقال:
يا حبيبتي هل رأيت أطرب مني قطّ، قالت: نعم معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار، فكتب إلى عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس عامله على المدينة في إشخاصه إليه، فأشخصه مكرما، فلما بلغه ما أراده له قال: سوءة أعلى كبر السن يستدعى طربي.
-
فلما قدم على يزيد، دعا يزيد لنفسه بطنفسة خزّ ودعا له بمثلها، وأمر فأتي بجامين مملوئين مسكا فوضعت بين يديه واحدة، وبين يدي معاوية واحدة، ثم دعا بحبابة فغنت، فأخذ معاوية وسادة فوضعها على رأسه وجعل يدور في البيت ويصيح: الدّجر (١) بالنّوى، الدجر بالنوى، فأعجب به يزيد، فضحك وأمر له بثمانية آلاف دينار.
-
وحدثني صاحب لي عن الزبير بن بكار الزبيري أن يزيد بن عبد الملك قال لحبّابة وسلاّمة: أيتكما غنتني ما في نفسي فلها حكمها، فغنّته سلاّمة، فلم تصب إرادته، ثم غنته حبابة:
خلق من بني كنانة حولي … بفلسطين يسرعون الرّكوبا
فأصابت ما في نفسه، فقال: احتكمي. قالت: تهب لي سلاّمة ومالها. قال: اطلبي غيرها، فأبت، فقال: خذيها ومالها ففعلت، فتداخل سلامة من ذلك أمر جليل، فقالت له حبابة: لن ترى مني خيرا، فسألها يزيد أن تبيعها منه بحكمها فقالت: اشهد أنها حرة فاخطبها إليّ حتى أزوجك إياها فأكون قد زوجتك مولاتي، فضحك.
- vol. 9, p. 260
وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن ابن كناسة أخبره أنّ حبّابة وسلاّمة اختلفتا في صوت لمعبد وهو:
ألا حيّ الدّيار بسعد إني … أحبّ لحبّ فاطمة الدّيارا
فبعث يزيد إلي معبد، فأتي به فسأله عما بعث له إليه فأخبر، فقال:
لأيّتهما المنزلة؟ فقيل: لحبابة. فلما عرضتا الصوت عليه قضى لحبابة فقالت سلامة: والله ما قضى لها إلا لحظوتها، وإنه ليعلم أني المصيبة ولكن ائذن لي يا أمير المؤمنين في صلته فإن له حقا، فأذن لها. قال معبد، فكانت أوصل لي من حبابة.
قالوا: ودخلت حبابة ذات يوم على يزيد، وعلى يدها دف وهي تغني:
ما أحسن الجيد من مليكة واللّبـ … ـات إذ زانها ترائبها
يا ليتني والإله إذ هجع الناس … ونام الكلاب صاحبها
في ليلة لا نرى بها أحـ … ـد يخبر عنا إلا كواكبها
والغناء لابن سريج، فقام إليها يزيد فقبل يدها، فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك.
وقال أبو الحسن المدائني: مرضت حبابة فقعد يزيد عند رأسها، وقال: كيف أنت بأبي؟ فلم تجبه، فبكى. ويقال كان يزيد وحبابة في بستان فضاحكها ومازحها فأخذ حبة من عنب فحذفها بها فدخلت في فمها فأصابها شرق، وكان ذلك سبب مرضها الذي ماتت منه.
وقال هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: قال مسلمة بن عبد الملك:
خرجت مع يزيد في جنازة حبابة فجعلت أعزيه وأسليه وهو ضارب بذقنه
vol. 9, p. 261على صدره ما يجيبني بكلمة، فلما انصرفنا ودنا من باب القصر قال:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الصّبا … فباليأس تسلو عنك لا بالتّجلّد (١)
-
ثم دخل قصره فوالله ما خرج منه إلا ميتا لحزنه وكمده عليها.
وقال أبو الحسن المدائني: لما دفن يزيد حبابة مرض فمات بعد أربعين ليلة، ويقال بعد خمس عشرة ليلة.
وقال رجل من أهل الشام: أتى يزيد من ناحية الأردن، وحبابة معه، فماتت فمكث ثلاثا لا يدفنها حتى أنتنت، وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي، فكلم في أمرها حتى أمر بدفنها، فحملت في نطع وخرج بها وهو معهم حتى أجنّها، ثم أنشد قول كثير:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الصّبا … فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
فما مكث إلا أياما حتى دفن إلى جانبها.
-
وروى الهيثم بن عدي عن ابن عياش أن يزيد أراد الصلاة على حبابة، فسأله مسلمة بن عبد الملك ألا يفعل وقال: أنا أكفيك الصلاة عليها، فتخلف يزيد، ومضى مسلمة فأمر بعض أصحابه فصلى عليها.
وقال بعضهم: نبئت أن يزيد ضعف حين ماتت حبابة، فلم يستطع الركوب من الجزع، وعجز عن المشي فأمر مسلمة فصلى عليها، ثم قال يزيد: إني لم أصلّ عليها فانبشوا عنها وأخرجوها حتى أصلي عليها، فقال له مسلمة: أنشدك الله أن تفعل فأمسك، ولم يزل كئيبا، ولم يأذن للناس عليه إلا مرة واحدة حتى مات، وصلى عليه مسلمة.
vol. 9, p. 262وقال المدائني: جعل يزيد يطوف في داره فيقف على المواضع التي كانت تقعد فيها، فبينا هو كذلك إذ سمع وصيفة كانت لها تنشد:
كفى حزنا للهائم الصّبّ أن يرى … منازل من يهوى معطّلة قفرا
فبكى. وكان يجلس تلك الوصيفة عنده فيحدثها ويذاكرها أمر حبابة، ويأنس بها حتى مات.
-
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: أراد يزيد أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز في بعض أيامه، فبدا لحبابة هجران منه فأرسلت إلى الأحوص وكان مقيما عنده: أنشد أمير المؤمنين شيئا يدعوه إلى ترك ما أخذ فيه فأنشده:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا … فقد غلب المحزون أن يتجلّدا
بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لا مني … ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
إذا كنت معزافا عن اللهو والهوى … فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
هل العيش إلا ما تلذّ وتشتهي … وإن لام فيه ذو الشّنآن وفنّدا (١)
-
فقام يزيد وهو يقول: «هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي» حتى دخل على حبابة، وعاد الى أمره الأول، ثم ماتت فجزع عليها، وخرج حاملا جنازتها حتى كلمه مسلمة في ذلك، فرجع الى قصره، ومات بعدها بخمسة عشر يوما.
وقال المدائني: لم يعلم بموت يزيد بن عبد الملك حتى سمعوا صوت سلامة من فوق القصر وهي تقول:
vol. 9, p. 263قد لعمري بتّ ليلي … كأخي الداء الوجيع
ويبيت الحزن منّي … دون من لي من ضجيع
كلما أبصرت ربعا … خاليا فاضت دموعي
موحشا من سـ … ـيّد كان لنا غير مضيع
وا أمير المؤمنيناه قال: والشعر لبعض الأنصار إلا البيت الأخير.
وقال بعض الرواة: اشترى يزيد حبّابة وسلاّمة بمائتي ألف دينار، والأول أثبت.