٤٤ - باب ما ينهى من السباب واللعن

27 paragraphs · vol. 11, p. 464

  1. ٦٠٤٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ.

    vol. 11, p. 464
  2. تَابَعَهُ محمد بن جعفر عَنْ شُعْبَةَ.

  3. ٦٠٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ" .

  4. ٦٠٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشاً وَلَا لَعَّاناً وَلَا سَبَّاباً كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ" .

  5. ٦٠٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ

    vol. 11, p. 465غَيْرِ الإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِناً فَهُوَ كَقَتْلِهِ وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِناً بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ ".

  6. ٦٠٤٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ. فَقال النبي ﷺ : "إِنِّي لَاعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ" فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَقَالَ أَتُرَى بِي بَأْسٌ؟ أَمَجْنُونٌ أَنَا؟ اذْهَبْ ".

  7. ٦٠٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ قَالَ أَنَسٌ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قال النبي ﷺ : "خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَإِنَّهَا رُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْراً لَكُمْ فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ" .

  8. ٦٠٥٠ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ الْمَعْرُورِ هُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: "رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْداً وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْداً فَقُلْتُ لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْباً آخَرَ فَقَالَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي: " أَسَابَبْتَ فُلَاناً؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. قُلْتُ عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ قَالَ نَعَمْ هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ".

  9. قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ عَنْ بَدَلَ مِنْ وَهِيَ أَوْلَى، وَفِي الْأَوَّلِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ مَا يُنْهَى عَنْهُ. وَالسِّبَابُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ مِنَ التَّفَاعُلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى السَّبِّ وَهُوَ الشَّتْمُ وَهُوَ نِسْبَةُ الْإِنْسَانِ إِلَى عَيْبٍ مَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَحُكْمُ مَنْ بَدَأَ مِنْهُمَا أَنَّ الْوِزْرَ عَلَيْهِ حَتَّى يتعدى الثَّانِي، كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ.

  10. قَوْلُهُ في آخر الحديث الأول تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَصَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ غُنْدَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، وَمَنْصُورٍ، وَزَادَ فِيهِ زُبَيْدًا وَهُوَ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ، وَمَعْنَى اللَّعْنِ الدُّعَاءُ بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -.

  11. الحديث الثاني: قَوْلُهُ: (عَنِ الْحُسَيْنِ) هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ، وَالْإِسْنَادُ إِلَى أَبِي

    vol. 11, p. 466ذَرٍّ بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ دَخَلَهَا هُوَ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ.

  12. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِالسَّنَدِ إِلَى أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ.

  13. قَوْلُهُ: (لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَمَا قَالَ) ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ، وَفِي أُخْرَى: إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، يَعْنِي رَجَعَتْ عَلَيْهِ، وَحَارَ بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ رَجَعَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَنْتَ فَاسِقٌ، أَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ كَافِرٌ، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ كَمَا قَالَ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ صَدَقَ فِيمَا قَالَ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ فَاسِقًا وَلَا كَافِرًا أَنْ لَا يَكُونَ آثِمًا فِي صُورَةِ قَوْلِهِ لَهُ أَنْتَ فَاسِقٌ، بَلْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَفْصِيلٌ: إِنْ قَصَدَ نُصْحَهُ أَوْ نُصْحَ غَيْرِهِ بِبَيَانِ حَالِهِ جَازَ، وَإِنْ قَصَدَ تَعْيِيرَهُ وَشُهْرَتَهُ بِذَلِكَ وَمَحْضَ أَذَاهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ وَتَعْلِيمِهِ وَعِظَتِهِ بِالْحُسْنَى، فَمَهْمَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِالرِّفْقِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِالْعُنْفِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإِغْرَائِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ كَمَا فِي طَبْعِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْأَنَفَةِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْآمِرُ دُونَ الْمَأْمُورِ فِي الْمَنْزِلَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ.

  14. ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِي ذَمِّ مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ هُنَا، فَهُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَرَّقَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَيْنِ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَتْنُ فِي بَابِ مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ بِمَعْنَى رَجَعَ أَيْضًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الرُّجُوعِ فَقِيلَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا، وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: مَحْمُولٌ عَلَى الْخَوَارِجِ لِأَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ، هَكَذَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ، عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَا يَكْفُرُونَ بِبِدْعَتِهِمْ. قُلْتُ: وَلِمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ وَبِالْإِيمَانِ، فَيَكُونُ تَكْفِيرُهُمْ مِنْ حَيْثُ تَكْذِيبِهِمْ لِلشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ صُدُورِ التَّكْفِيرِ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلٍ كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي بَابِ مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ لِزَجْرِ الْمُسْلِمِ عَنْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ فِرْقَةِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ نَقِيصَتُهُ لِأَخِيهِ وَمَعْصِيَته تَكْفِيرِهِ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ.

  15. وَقِيلَ: يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَؤولَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْكُفْرِ، كَمَا قِيلَ: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ، فَيُخَافُ عَلَى مَنْ أَدَامَهَا وَأَصَرَّ عَلَيْهَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ، وَأَرْجَحُ مِنَ الْجَمِيعِ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ يُعْرَفُ مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يَقُمْ لَهُ شُبْهَةٌ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ فَقَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ تَكْفِيرُهُ، فَالرَّاجِعُ التَّكْفِيرُ لَا الْكُفْرُ، فَكَأَنَّهُ كَفَّرَ نَفْسَهُ لِكَوْنِهِ كَفَّرَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، وَمَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا كَافِرٌ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ؛ وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَيْثُ جَاءَ الْكُفْرُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ فَهُوَ جَحْدُ الْمَعْلُومِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ الْكُفْرُ فِي الشَّرْعِ بِمَعْنَى جَحْدِ النِّعَمِ وَتَرْكِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي بَابِ كُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: يَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، قَالَ: وَقَوْلُهُ: بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا أَيْ رَجَعَ بِإِثْمِهَا وَلَازَمَ ذَلِكَ، وَأَصْلُ الْبَوْءِ اللُّزُومُ، وَمِنْهُ: أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ أَيْ أُلْزِمُهَا نَفْسِي وَأُقِرُّ بِهَا، قَالَ: وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِهَا رَاجِعٌ إِلَى التَّكْفِيرَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا لَفْظُ كَافِرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْكَلِمَةِ.

  16. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا كُفْرًا شَرْعِيًّا فَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ وَذَهَبَ بِهَا الْمَقُولُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجَعَتْ

    vol. 11, p. 467لِلْقَائِلِ مَعَرَّةُ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَإِثْمُهُ، كَذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي رَجَعَ، وَهُوَ مِنْ أَعْدَلِ الْأَجْوِبَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ رَفَعَهُ أن الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَتَأْخُذُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَآخَرُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَلَكِنَّهُ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ.

  17. الحديث الثالث: حَدِيثُ أَنَسٍ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ حُسْنِ الْخُلُقِ.

  18. الحديث الخامس: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَاتٌ، وَهُوَ ابْنُ الْجَوْنِ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ الْخُزَاعِيُّ، صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ يُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ يَسَارٌ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ، فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيُكَنَّى أَبَا الْمُطَرِّفِ، وَقُتِلَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً.

  19. قَوْلُهُ: (اسْتَبَّ رَجُلَانِ) لَمْ أَعْرِفْ أَسْمَاءَهُمَا وَوَقَعَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا السَّنَدِ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ.

  20. قَوْلُهُ: (حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْوَدَجِ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ: حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ أَنْفَهُ لَيَتَمَزَّعُ مِنَ الْغَضَبِ.

  21. قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الرَّجِيمِ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَلَفْظُهُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ يَقُولُهَا هَذَا الْغَضْبَانُ لَذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبَ: اللَّهُمَّ إِنَى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

  22. قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقَالُوا لَهُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: قَالَ: فَجَعَلَ مُعَاذُ يَأْمُرُهُ، فَأَبَى وَضَحِكَ وَجَعَلَ يَزْدَادُ غَضَبًا، قَوْلُهُ: (وَقَالَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّهُ ﷺ أَرْشَدَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ، لَكِنِ اسْتَفَادُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عُمُومِ الْأَمْرِ بِالنَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.

  23. قَوْلُهُ: (أَتُرَى بِي بَأْسٌ؟) بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ أَتَظُنُّ، وَوَقَعَ بَأْسٌ هُنَا بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي بَعْضِهَا بَأْسًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ أَوْجَهُ.

  24. قَوْلُهُ: (أَمَجْنُونٌ أَنَا) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَهَلْ بِي مِنْ جُنُونٍ؟

  25. قَوْلُهُ: (اذْهَبْ) هُوَ خِطَابٌ مِنَ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالتَّعَوُّذِ أَيِ امْضِ فِي شُغْلِكَ. وَأَخْلَقُ بِهَذَا الْمَأْمُورِ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَضَبُ حَتَّى أَخْرَجَهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ بِحَيْثُ زَجَرَ النَّاصِحَ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَا يُزِيلُ عَنْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنْ وَهَجِ الْغَضَبِ بِهَذَا الْجَوَابِ السَّيِّئِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِيذُ مِنَ الشَّيْطَانَ إِلَّا مَنْ بِهِ جُنُونٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْغَضَبَ نَوْعٌ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلِهَذَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ صُورَتِهِ وَيُزَيِّنُ إِفْسَادَ مَا لَهُ كَتَقْطِيعِ ثَوْبِهِ وَكَسْرِ آنِيَّتِهِ أَوِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَنْ أَغْضَبَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ مَنْ يَخْرُجُ عَنِ الِاعْتِدَالِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ: رَفَعَهُ إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ. . الْحَدِيثَ.

  26. الحديث السادس: عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي ذِكْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ مَشْرُوحًا، وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ: فَتَلَاحَى أَيْ تَنَازَعَ، وَالتَّلَاحِي بِالْمُهْمَلَةِ أَيِ التَّجَادُلُ وَالتَّنَازُعُ، وَهُوَ يُفْضِي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْمُسَابَبَةِ،

    vol. 11, p. 468وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ هُمَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ.

  27. الحديث السابع: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: سَابَبْتُ رَجُلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ، وَكَانَ اسْمُ أُمِّهِ حَمَامَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ، وَالْجَاهِلِيَّةُ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا هُنَا الْجَهْلُ أَيْ إِنَّ فِيكَ جَهْلًا. وَقَوْلُهُ: قُلْتُ عَلَى سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ أَيْ هَلْ فِيَّ جَاهِلِيَّةٍ أَوْ جَهْلٍ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ؟ وَقَوْلُهُ: هُمْ إِخْوَانُكُمْ أَيِ الْعَبِيدُ أَوِ الْخَدَمُ حَتَّى يَدْخُلَ مَنْ لَيْسَ فِي الرِّقِّ مِنْهُمْ، وَقَرِينَةُ قَوْلِهِ: تَحْتَ أَيْدِيكُمْ تُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي ذَمِّ السَّبِّ وَاللَّعْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ احْتِقَارِ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُعْظَمِ الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ الْحَقِيقِيَّ بَيْنَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِالتَّقْوَى، فَلَا يُفِيدُ الشَّرِيفَ النَّسَبِ نَسَبُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى، وَيَنْتَفِعُ الْوَضِيعُ النَّسَبِ بِالتَّقْوَى كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾