زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5
Page 16 of 40
- vol. 3, p. 289
وأخبَرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ العَبديُّ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن
vol. 3, p. 290موسى بن طلحةَ، عن أبيه طلحةَ بن عُبيدِ الله، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جعَلتَ بينَ يديكَ مثلَ مُؤخِرَةِ الرَّحْل (١) ، فلا يَضُرُّكَ مَن مرَّ بينَ يدَيْك" .
-
وحدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٢) : أخبَرنا العبّاسُ بن محمدٍ الدُّوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يزيدَ المُقرئُ، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ بن شُرَيْحٍ، عن أبي الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشة، قالت: سُئِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ تبُوكَ عن سُترةِ المُصلِّي؟ فقال: "مثلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل" .
-
وأمَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالدُّنُوِّ من السُّترة. رواه سهلُ بن أبي حَثْمةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلَّى أحدُكم إلى سُترةٍ فلْيَدْنُ منها، لا يقْطَعُ الشيطانُ عليه صلاتَه" . وهو حديثٌ مختلَفٌ في إسنادِه، ولكنَّه حديثٌ حسنٌ، ذكره النسائيُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما (٣) .
- vol. 3, p. 291
ومقدارُ الدُّنُوِّ من السُّترةِ موجودٌ في حديث مالكٍ (١) ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن بلالٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حين (٢) صلَّى في الكعبةِ جعَل عَمُودًا عن يسارِه، وعَمُودَيْن عن يَمِينِه، وثلاثةَ أعْمدةٍ وراءَه، وكان البيتُ يومَئذٍ على ستَّةِ أعمدةٍ، وجعَل بينَه وبينَ الجدارِ نحوَ ثلاثةِ أذْرُع. هكذا رواه ابنُ القاسم وجماعةٌ عن مالك (٣) . وقد ذكَرنا ذلك في باب نافعٍ، وإليه ذهَب الشافعيُّ وأحمدُ، وهو قولُ عطاءٍ. قال عطاءٌ: أقلُّ ما يكْفيكَ ثلاثةُ أذرُع (٤) . والشافعيُّ، وأحمدُ، يستَحِبّان ثلاثةَ أذْرُع ولا يُوجبانِ ذلك. ولم يَحُدَّ مالكٌ فيه حدًّا (٥) . وكان عبدُ الله بن مغفَّلٍ يَجعلُ بينَه وبينَ السُّترة ستَّةَ أذْرُع (٦) .
وقال عكرمةُ: إذا كان بينَك وبينَ الذي يَقطعُ الصلاةَ قَذْفةُ حَجَرٍ لم يَقْطع الصلاةَ (٧) .
-
وروى سهلُ بن سعدٍ السَّاعديُّ، قال: كان بين مُقام النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبينَ القبلةِ مَمَرُّ عَنْزٍ:
vol. 3, p. 292حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا القَعْنَبيُّ والنُّفيليُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا عبدُ العزيز بن أبي حازم، قال: حدَّثني أبي، عن سَهْل بن سعدٍ، قال: كان بينَ مُقام النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبينَ القبلةِ مَمرُّ عَنْزٍ.
قال أبو عُمر: حديثُ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن بلالٍ: أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جعَل بينَه وبينَ الجدار في الكعبةِ ثلاثةَ أذْرُعٍ، أصحُّ من حديث سهلِ بن سعدٍ من جهةِ الإسناد، وكلاهما حسنٌ.
-
وأمّا استقبالُ السُّترة والصَّمْدُ إليها (٢) ، فلا تحديدَ في ذلك عندَ العلماء، وحَسْبُ المُصلِّي أنْ تكونَ سُتْرَتُه قُبالةَ وجهِه. وقد رَوَينا عن المقدادِ بن الأسود، قال: ما رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى إلى عُودٍ، ولا عمودٍ، ولا شجررة، إلّا جعَله على حاجبِه الأيمَنِ، أو الأيْسَرِ، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا. أخرجه أبو داود (٣) .
-
فهذا ما جاء من الآثار التي عوَّل (٤) العلماءُ عليها، ولا أعلَمُ اختلافَهم في العمل بها، ولا أنكَر أحدٌ منهم شيئًا منها، وإنْ كان بعضُهم قد استَحسن شيئًا، واسْتَحسن غيرُه ما يَقْرُبُ منه، وهذا كلُّه بحمدِ الله سواءٌ، أو قريبٌ من السَّواءِ إن شاء الله.
- vol. 3, p. 293
وأمّا صفةُ السُّتْرةِ، وقدرُها في ارتفاعِها وغِلَظِها، فقد اختَلَف العلماءُ في ذلك؛ فقال مالكٌ: أقلُّ ما يُجْزِئُ في السُّترةِ غلظُ الرُّمْحِ، وكذلك السَّوْطُ والعَصا، وارتفاعُها قَدْرُ عَظْمِ الذِّراع، هذا أقلُّ ما يُجزئُ عنده (١) . وهو قولُ الشافعيِّ في ذلك كلِّه (٢) .
وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: أقلُّ السُّترة قَدْرُ مُؤخِرَةِ الرَّحل، ويكونُ ارتفاعُها على ظَهْرِ الأرضِ ذراعًا (٣) . وهو قولُ عطاءٍ (٤) . وقال قتادةُ: ذِراعٌ وشبرٌ (٥) .
وقال الأوزاعيُّ: قَدرُ مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ. ولم يَحُدَّ ذِراعًا، ولا عَظْمَ ذراع، ولا غيرَ ذلك، وقال: يُجْزِئُ السَّهْمُ، والسَّوْطُ، والسَّيفُ. يعني في الغِلَظ (٦) .
-
واختلَفوا فيما يُعْرَضُ ولا يُنْصبُ، وفي الخطِّ، فكُلُّ من ذكَرنا قولَه أنّه لا يُجْزِئُ عندَه أقلُّ من عَظْمِ الذِّراع، أو أقلُّ من ذراع، لا يُجيزُ الخَطَّ، ولا أنْ يَعْرِضَ العَصا والعُودَ في الأرضِ فيُصَلِّيَ إليهما، وهم: مالكٌ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ
vol. 3, p. 294وأصحابُه، كلُّهم يقولُ: الخطُّ ليسَ بشيءٍ، وهو باطلٌ. ولا يَجوزُ عند واحدٍ منهم إلّا ما ذكَرنا (١) . وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ (٢) .
وقال أحمدُ بن حنبلٍ، وأبو ثورٍ: إذا لم يَجعَلْ تلقاءَ وجهِه شيئًا، ولم يجدْ عصًا يَنصِبُها، فلْيَخُطَّ خطًّا. وكذلك قال الشافعيُّ بالعراق. وقال الأوزاعيُّ: إذا لم يَنْتَصِبْ له عرَضَه بينَ يدَيْه، وصلَّى إليه، فإنْ لم يَجِدْ خَطَّ خطًّا. وهو قولُ سعيدِ بين جبيرٍ (٣) . قال الأوزاعيُّ: والسَّوْطُ يَعْرِضُه أحبُّ إليَّ من الخَطِّ. وقال الشافعيُّ بمصرَ: لا يَخُطُّ الرجلُ (٤) بينَ يَديْهِ خطًّا، إلّا أنْ يكونَ في ذلك حديثٍ ثابتٍ فيُتَّبَع (٥) .
قال أبو عُمر: احتجَّ من ذهَب إلى الخطِّ بما أخبَرناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بن الأشعث، قال (٦) : حدَّثنا مُسدَّدٌ،
vol. 3, p. 295قال: حدَّثنا بشرُ بن المُفضَّل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أُميَّة، قال: حدَّثني أبو عَمْرِو بن محمدِ بن حُرَيثٍ، أنّه سمِع جدَّه حُريثًا، يُحَدِّثُ عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صلَّى أحدُكم فلْيجْعَلْ تِلقاءَ وجهِه شيئًا، فإنْ لم يَجِدْ، فليَنصِبْ عَصاه، فإنْ لم يكنْ معه عصًا، فليَخُطَّ خطًّا، ولا يضُرُّه مَن مرَّ بينَ يَدَيْه" .
-
وهذا الحديثُ عند أحمدَ بن حنبلٍ (١) ومن قال بقوله حديث صحيح، وإليه ذهَبوا، ورأيتُ أنَّ عليَّ بن المدينيِّ كان يُصَحِّحُ هذا الحديثَ ويَحتجُّ به.
وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٢) إذْ ذكَر هذا الحديثَ: أبو عَمْرو بن محمدِ بن حُريثٍ هذا مجهولٌ، وجدُّه أيضًا مجهولٌ، ليس لهما ذكرٌ في غير هذا الحديث، ولا يُحتجُّ بمثلِ هذا من الحديث.
-
واختلف القائلون بالخطِّ في هيئةِ الخَطِّ؛ فقالت منهم طائفةٌ: يكونُ عَرْضًا. منهم الأوزاعيُّ. وقالت طائفةٌ: يكونُ طُولًا كالعَصا يُقيمُها، منهم عبدُ الله بن داودَ الخُرَيبيُّ (٣) . وقالت طائفةٌ: يكونُ كالهلالِ والمِحْراب، منهم أحمدُ بن حنبلٍ (٤) .
- vol. 3, p. 296
حديث ثامن عَشَر لزيد بن أسلم مسندٌ صحيح
مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخيلُ ثلاثة (٢) : لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، فأمّا الذي هي له أجْرٌ، فرجلٌ رَبَطها في سبيل الله فأطال لها في مَرْجٍ أو روضةٍ، فما أصابَتْ في طيَلِها ذلك من المَرْجِ أو الرَّوضةِ كانت له حَسَناتٌ، ولو أنّها قَطَعَتْ طِيَلَها ذلك فاسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفين، كانت آثارُها وأرواثُها حسناتٍ له، ولو أنّها مرّتْ بنَهَرٍ فشرِبَتْ منه ولم يُرِدْ أن يَسْقيَ به، كان ذلك له حسناتٍ، فهي لذلك أجرٌ. ورجلٌ ربَطها تَغَنِّيًا وتَعفُّفًا، ولم يَنْسَ حَقَّ الله في رقابِها ولا ظُهورِها، فهي لذلك سترٌ. ورجلٌ ربَطها فَخْرًا ورياءً ونِواءً لأهلِ الإسلام، فهي على ذلك وِزْرٌ" . وسُئِلَ عن الحُمُرِ فقال: "لم يُنْزَل عليَّ فيها شيءٌ إلّا هذه الآيةُ الجامعةُ الفاذّة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} " [الزلزلة] .
-
أبو صالح السَّمَّانُ اسْمُه ذَكْوانُ، وهو والدُ سُهيلِ بن أبي صالح، مدنيٌّ، نزَل الكوفةَ، ثقةٌ مأمونٌ على ما روَى وحَمَل من أثرٍ في الدِّين، من خيارِ التابعين، وهو مولًى لجُويريةَ، امرأةٍ من غَطَفان، روَى عنه من أهل المدينة سُمَيٌّ، وزيدُ بن أسلمَ، والقعقاعُ بن حكيمٍ، وعبدُ الله بن دينارٍ، وابنُه سُهيلٌ، وروَى عنه من أهل الكوفة: الأعمشُ، والحكمُ بن عُتَيبةَ، وعاصمُ بن أبي النَّجُودِ، وتُوُفِّي أبو صالحٍ
vol. 3, p. 297السَّمَّانُ بالمدينة سنةَ إحدَى ومئةٍ، وكان أبو هريرةَ إذا نظَر إلى أبي صالحٍ هذا قال: ما على هذا ألّا يكونَ من بني عبدِ منافٍ (١) .
-
وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الأعيانَ لا يُؤْجَرُ المرءُ في اكتِسابها، إنّما يُؤْجَرُ في استعمالِ ما ورَد الشرعُ بعملِه مع النِّيّة التي تَزْكُو بها الأعمالُ، إذا نوَى بها صاحبُها وجهَ الله والدارَ الآخرةَ وما يُقَرِّبُه من ربِّه، إذا كان ذلك على سنَّةٍ، إلّا ترَى أنّ الخَيْلَ أجر لمن اكتَسَبها، ووِزْرٌ على مَن اكتَسَبها، على ما جاء به الحديثُ، وهي جِنْسٌ واحدٌ، قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) } [محمد: ٣١] ، وقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: ٧، الملك: ٢] ، وقال: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: ١٢٩] .
-
وفيه أن الحَسَناتِ تُكتَبُ للمَرْءِ إذا كان له فيها سَبَبٌ، وإنْ لم يَقْصدْ قَصْدَها، تفَضُّلًا من الله تعالى على عبادِه المؤمنين، ورحمةً منه بهم، وليس هذا حكمَ اكتساب (٢) السَّيِّئاتِ إن شاء اللهُ؛ يدُلُّك على ذلك أنّه لم يَذْكُرْ في هذا الحديثِ حرَكاتِ الخَيْل وتَقَلُّبَها في سيئاتِ المُفْتَخِر بها، كما ذكَر ذلك في حَسَنات المُحتسِب (٣) المريد بها البِرَّ، ألا ترى أنّها لو قطَعَتْ حَبْلَها نهارًا فأفسَدَتْ زرعًا، أو رَمَحَتْ فقتَلتْ أو جَنَتْ، أنّ صاحبَها بَريءٌ من الضَّمانِ عندَ جميع أهل العلم. ويُبيِّنُ ذلك أيضًا قولُه في هذا الحديث: "ولو أنّها مرّتْ بنهَرٍ فشرِبَتْ منه ولم يُرِدْ أنْ يَسْقِيَها، كان ذلك له حسناتٍ" . وفي هذا دليلٌ على أنّ المُسلمَ إذا صنَع شيئًا
vol. 3, p. 298يُريدُ به اللهُ عزّ وجلّ، فكلُّ ما كان بسببٍ منه وإليه كان له حُكمُه في الأجرِ، واللهُ أعلم.
-
ومن هذا الباب قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "من كان مُنتظِرًا الصلاةَ فهو في صلاةٍ" (١) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "انتظارُ الصلاة بعدَ الصلاةِ، فذلكم الرِّباطُ" (٢) ؛ لأن انتظارَ الصلاةِ سببُ شُهودِها، وكذلك انتظارُ العدُوِّ في الموضع المَخُوف، فيه إرصادٌ للعدُوِّ، وقُوَّةٌ لأهلِ الموضع، وعُدَّةٌ للقاءِ العدُوِّ، وسبَبٌ لذلك كلِّه. ومنه قولُ معاذِ بن جبل: وأحتسِبُ في نَوْمَتي مثلَ ما أحتَسِبُ في قومَتي (٣) ؛ وكان ينامُ بعضَ الليل ويقومُ بعضَه، وبالنوم كان يقوَى على القيام، وكذلك يقوَى برَعْي الخَيْل وأكْلِها وشُربِها على ملاقاةِ العدُوِّ إذا احتيجَ إليها، وهذا كلُّه تَعظيمُ فضلِ (٤) الرِّباط؛
- vol. 3, p. 299
لأنّه جُلوسٌ وانتظارٌ واستعدادٌ للعدُوِّ، مع ما فيه من الخوفِ والرَّوْعات أحيانًا. وقد يُكتبُ للرجل عملُه الذي كان يَعمَلُه إذا حبَسه عنه عذرٌ من مرضٍ أو غيرِه، وفي ذلك المعنى شعبةٌ من هذا المبنى (١) . وقد أتَيْنا بما رُوِيَ فيه من الآثارِ في بابِ محمدِ بن المنكَدرِ، والحمدُ لله.
-
وروَى يحيى بن سلام، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: مَنِ ارتبَطَ فرسًا في سبيل الله كان بولُه ورَوْثُه في أجرِه (٢) .
-
وروَى صالحُ بن يحيى بن المِقْدام بن مَعْدي كَرِبَ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ارتبَط فَرسًا في سبيلِ الله كان عَلفُه وشُربُه وبولُه ورَوْثُه في ميزانِه يومَ القيامة" (٣) .
-
وأمّا قولُه: "ربَطها في سبيل الله" فإنّه يعني: ارْتَبَطَها، من الرِّباط، قال الخليل (٤) : الرِّباطُ ملازمةُ الثُّغُورِ ومواظبةُ الصلاةِ أيضًا. قال: والرِّباطُ الشيءُ الذي يُرْبَطُ به ويَرْبُطُ أيضًا.
وقال أبو حاتم، عن أبي زيدٍ: الرِّباطُ من الخيل: الخمسُ فما فوقَها، وجماعةٌ
vol. 3, p. 300رُبُطٌ، وهي التي تَرتبِطُ، يقال منه: رَبَط يَربِطُ رَبْطًا، وارتبَط يَرتَبِطُ ارتباطًا، ومَربِطُ الخيلِ، ومَرابطُ الخيل. قال الشاعر (١) :
أمَر الإلهُ برَبْطِها لعدُوِّه ... في الحربِ إنّ اللهَ خيرُ مُوفِّقِ
وقالت ليلى الأخْيليّةُ (٢) :
لا تَقْرَبَنَّ الدهرَ آلَ مُحرِّقٍ ... إنْ ظالمًا أبدًا وإنْ مظلُومَا
قومٌ رباطُ الخيلِ حولَ بيُوتِهم ... وأسِنَّةٌ زرقٌ تُخَلْنَ نُجومَا (٣)
- ويُنشَدُ لابن عباسٍ من قوله:
-
أحِبُّوا الخيلَ واصْطَبِروا عليها ... فإنّ العِزَّ فيها والجَمالا
إذا ما الخيلُ ضيَّعَها أُناسٌ ... ربَطْناها فشاركَتِ العِيَالا
نُقاسِمُها المعيشةَ كلَّ يومٍ ... ونَكْسُوها البَراقِعَ والجِلالا (٤)
vol. 3, p. 301وقال مكحولُ بن عبد الله (١) :
تَلُومُ على ربطِ الجِيادِ وحَبْسِها ... وأوصَى بها اللهُ النبيَّ محمَّدا
وقال الأخطل (٢) :
ما زالَ فينا رباطُ الخيلِ نعْرِفُه ... وفي كُليبٍ رباطُ اللُّؤمِ والعارِ
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "فما أصابَتْ في طِيَلها" ، فالطِّيَلُ: الحَبْلُ يُطَوَّلُ فيه للدَّابَّة، وهو مكسورُ الأوَّلِ، وقلَّما يأتي في الأفعال، وأمّا الأسماءُ فكثيرٌ، مثلُ قِمَعٍ، وضِلَعٍ، ويطَعٍ، وعِنَبٍ، وشِبَعٍ، وسِرَرِ الصَّبِيِّ (٣) ، وطِيَلِ الدابّةِ. قال القُطاميُّ، واسمُه عُميرُ بن شُيَيم التَّغْلبيُّ (٤) :
إنّا مُحَيُّوك فاسلَمْ أيُّها الطَّلَلُ ... وإنْ بَلِيتَ وإن طالَتْ بك الطِّيَلُ
وفيه لغةٌ أخرى: طِوَلٌ (٥) ، يقالُ: طال طِوَلُكَ. و: طال طِيَلُكَ. جميعًا مكسورةَ الأولِ مفتوحةَ الثاني، قال طَرفة (٦) :
vol. 3, p. 302لَعَمْرُكَ إنّ الموتَ ما أخطَأ الفَتَى ... لَكالطِّوَلِ المُرْخَى وثنْياه باليَدِ
ولا يقالُ في الخيلِ إلّا بكسرِ الأوّلِ وفتحِ الثاني، يقالُ: أرْخِ للفَرَسِ من طِوَلِه (١) ، ومن طِيَلِه. وأمّا طوالُ الدَّهرِ وما كان مثلَه، فيُقالُ بالضَّمِّ والفتحِ، وكذلك الطّولُ والطَّوالُ من الطُّول.
-
وأمّا قولُه: "من المَرْجِ أو الروضة" . فقيلَ: المَرْجُ موضِعُ الكلأ، وأكثرُ ما يكونُ ذلك في المُطْمَئِنِّ من الأرض. والرَّوضةُ: الموضعُ المرتَفِعُ من الأرض.
-
وأما قولُه: "فاسْتَنَّتْ شرَفًا أو شرَفَيْن" فإنّ الاسْتِنانَ أنْ تَلِجَّ في عَدْوِها؛ في إقبالِها وإدْبارِها، يقالُ: جاءتِ الإبلُ سَنَنًا؛ أي: تَسْتَنُّ في عَدوِها وتُسْرِعُ، أنشَد يعقوبُ بن السِّكِّيتِ لأبي قلابةَ الهُذَليِّ (٢) :
ومنّا عُصبةٌ أُخرَى سراعٌ ... زَفَتْها الرِّيحُ كالسَّنَنِ الطِّرابِ
أي: كابلٍ تَسْتَنُّ في عَدْوِها. قال: وزَفَتْها: اسْتَخَفَّتْها. قال: والطِّرابُ التي قد طَرِبتْ إلى أولادِها.
وقال عَدِيُّ بنُ زيدٍ:
* فَارِهَ البالِ لَجُوجًا في السَّنَنْ (٣) *
فَارِ البال، أي: ناعمُ البالِ.
vol. 3, p. 303وقال عوفُ بن الخَرع (١) :
بَثَّوا المغيرةَ في السَّوادِ كأنّها ... سَنَنٌ تحيَّر حولَ حَوضِ المُبكِرِ
قال يعقوبُ: يقولُ: فرَّقوا الخيلَ، فكأنّها إبلٌ جاءَتْ سَنَنًا، ثم تفَرَّقَتْ حولَ حَوْض المُبكِرِ، والمبْكِرُ: الذي يَسْقِي إبِلَه بُكرَةً، يقالُ: أبكَر الرجلُ، وبكَّر وابْتَكر.
-
ومن هذا أيضًا حديثُ عُبيدِ بن عُميرٍ قال: إنّ في الجنّةِ لشجرةً لها ضُروعٌ كضروعِ البَقَر، يُغَذَّى بها ولدانُ الجنَّةِ، حتى إنّهم ليَسْتَنُّون كاسْتِنانِ البِكارةِ (٢) . والبِكارةُ: صِغارُ الإبل. ومن هذا أيضا قولُهم في المثلِ السائرِ: اسْتَنَّتِ الفِصالُ حتى القرْعَى (٣) . يُضْرَبُ هذا المثلُ للرجلِ الضعيفِ يرَى الجُلَداءَ يفعَلون شيئًا فيَفعلُ مثلَه.
-
فكأنه قال: ولو قطَعَتْ حَبلَها الذي رُبِطَتْ به، فجعَلَتْ تَجري وتعدُو من شَرَفٍ إلى شَرَفٍ - يريدُ من كُدْيَةٍ إلى كُدْيَةٍ (٤) - كان ذلك كلُّه حسناتٍ لصاحبِها؛ لأنّه أراد باتِّخاذِها وجهَ الله.
-
وأما قولُه: "شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ" فالشَّرَفُ: ما ارتفَع من الأرض.
-
وأما قولُه: "تَغَنِّيًا وتَعفُّفًا" ، فإنّه أراد استغناءً عن الناس وتعفُّفًا عن السُّؤال،
vol. 3, p. 304يقالُ منه: تغَنَّيْتُ بما رزَقَني اللهُ تَغَنِّيًا، وتَغَانَيْتُ تَغانِيًا، واسْتَغْنَيْتُ استِغناءً.
-
كلُّ ذلك قد قالَتْه العربُ في ذلك، قال الشاعر:
كلانا غَنِيٌّ عن أخيه حَياتَه ... ونحن إذا مِتْنا أشدُّ تَغانِيا (١)
وقال الأعشى (٢) :
وكنتُ امْرَأً زمَنًا بالعراقْ ... عفيفَ المناخ طويلَ التَّغَنْ
وعلى هذا المعنى كان ابنُ عُيينةَ رحمه الله يُفسر قولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" (٣) ، يقولُ: يَسْتَغْني به (٤) .
-
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "ولم يَنسَ حقَّ الله في رقابِها" ، فللعلماءِ في ذلك ثلاثةُ أقوالٍ:
قال منهم قائلون: معناه حُسنُ مِلْكَتها، وتَعَهُّدُ شِبَعِها، والإحسانُ إليها، ورُكوبُها غيرَ مَشْقوقٍ عليها، كما جاء في الحديث: "لا تتَّخِذوا ظُهُورَها كراسيَّ" (٥) .
- vol. 3, p. 305
وخصَّ رِقابَها بالذِّكر؛ لأنّ الرِّقابَ والأعناقَ تُستَعارُ كثيرًا في موضع الحقوق اللّازمة والفُروض الواجبة، ومنه قولُه عزّ وجلَّ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: ٩٢] المجادلة: ٣]، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن فارَق الجماعةَ فقد خلَع رِبْقةَ الإسلام من عُنُقه" (١) . وكثُر عندهم استعمالُ ذلك واستعارَتُه، حتى جعَلوه في الرِّباع والأموال، إلا ترى إلى قولِ كُثَيِّرٍ (٢) :
غَمْرُ الرِّداءِ (٣) إذا تبَسَّم ضاحكًا ... غَلِقَتْ لضحْكَتِه رِقابُ المالِ
قال أبو عُمر: ومن ذهَب في تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولم يَنْسَ حقَّ الله في رقابِها" إلى حُسْنِ التَّملُّكِ والتَّعَهُّدِ بالإحسانِ، فهو، واللهُ أعلمُ، مذهبُ من قال: إنّ المالَ ليس فيه حقٌّ واجبٌ سوَى الزكاة، ولم يرَ في الخيل زكاةً، وهو قولُ جمهورِ العلماء.
- vol. 3, p. 306
حدَّثنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونسَ، قال: حدَّثنا بَقيّ. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيْم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا عمِّي إسماعيلُ بن إسحاقَ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شَيْبَة، قال (١) : حدَّثنا أبو الأحوَص، عن أبي إسحاقَ، عن عِكْرمة، عن ابن عباسٍ، قال: من أدَّى زكاةَ مالِه فلا جُناحَ عليه ألّا يَتَصَدَّقَ.
-
وعلى هذا مذهبُ أكثر الفقهاء، أنّه ليس في الأموالِ حقٌّ واجبٌ غيرَ الزكاة. ومن حُجَّتِهم ما ذكَره ابنُ وَهْبٍ، عن عَمْرو بن الحارث، عن درَّاج أبي السَّمْح، عن ابن حُجَيْرَةَ الخَوْلانيِّ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أدَّيْتَ زكاةَ مالِكَ فقد قَضَيْتَ ما عليك" (٢) .
وقال آخرون: معنى قولِه ذلك: إطراقُ فَحْلِها، وإفقارُ ظَهْرِها (٣) ، وحَملٌ عليها في سبيلِ الله. وإلى هذا ونحوِه ذهَب ابنُ نافعٍ فيما أظُنُّ، لأنّ يحيى بن يحيى، قال: سألتُ عبدَ الله بن نافع عن حقِّ الله في رقابِها وظُهورِها، فقال: يُريدُ
vol. 3, p. 307ألّا ينسَى أنْ يتَصَدَّقَ لله ببعض ما يَكتَسِبُ عليها. وهذا مذهبُ من قال: في المال حُقُوق سوَى الزكاة. وممَّن قال ذلك: مجاهدٌ، والشعبيُّ، والحسنُ.
-
ذكَر إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا أبو بكر (١) ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ وابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: ٢٤] . قال: سوَى الزكاةِ.
قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ (٢) وعليٌّ، قالا: حدَّثنا ابنُ فُضيلٍ، عن بيانٍ، عن عامر قال: في المال حقٌّ سوَى الزكاة. وزادَ فيه إسماعيلُ بن سالم، عن الشعبيِّ قال: تَصِلُ القَرابَة، وتُعطي المساكين.
قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣) : حدَّثنا ابنُ عُلَيّة، عن أبي حيَان، قال: حدَّثنا مُزاحِمُ بن زُفَر قال: كنتُ جالسًا عندَ عطاءٍ فأتاه أعرابيٌّ فسألَه: إنّ لي إبلًا، فهل عليَّ فيها حقٌّ بعدَ الصَّدقة؟ قال: نعم.
قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٤) : حدَّثنا عبدُ الأعلى (٥) ، عن هشامٍ (٦) ، عن الحسن قال: في المال حقٌّ سوى الزكاةِ.
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن زيدٍ القاضي بمصرَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن رَوْحٍ أبو يزيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بن قريبٍ الأصمعيُّ، قال: حدَّثنا المباركُ بن فَضالةَ،
vol. 3, p. 308قال: سمِعْتُ الحسنَ يُحَدِّثُ، عن قيس بن عاصم المنْقريِّ، وكان ممّن نزَل البصرةَ من أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، أنّه لما قدِم على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فرآه قال: "هذا سيِّدُ أهلِ الوَبَر" . قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ما خيرُ المال؟ قال: "نعمَ المالُ الأربعون، والأكثرُ الستُّون، وويلٌ لأصحاب المِئينَ، ويلٌ لأصحابِ المِئينَ، إلّا من أدَّى حقَّ الله في رَسْلِها ونَجْدَتِها (١) ، وأفقَرَ ظَهْرَها، وأطْرَقَ فَحْلَها، ومنَح غزِيرَتها (٢) ، ونحَر سَمِينَها، فأطعَم القانعَ والمعْتَرَّ" . وذكَر تمامَ الحديث (٣) .
-
فقد جعَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الماشيةِ حقًّا سوى الزكاةِ، وهذا بَيِّنٌ في حديثِ جابرٍ أيضًا.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحٍ، حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ (٤) ، قال: حدَّثنا يَعْلَى بن عُبَيدٍ، عن عبد الملكِ بن أبي سليمان، عن أبي الزُبير، عن جابرٍ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنم، لا يُؤدِّي حَقَّها، إلّا أُقْعِدَ لها يومَ القيامة بقَاع قَرْقَرٍ، تَطَؤُه ذاتُ الظِّلْفِ بظِلْفِها، وتَنْطَحُه ذاتُ القَرْنِ بقَرْنِها، ليس فيها يومئذٍ جَمَّاءُ، ولا مكسورةُ القَرْنِ" .
vol. 3, p. 309قالوا: يا رسولَ الله، وما حقُّها؟ قال: "إطراقُ فَحْلِها، وإعارةُ دَلْوِها، ومَنْحُها، وحَلْبُها على الماء، وحمل عليها في سبيلِ الله" .
وقال آخرون: أراد بقوله: "ولم ينسَ حقَّ الله في رقابِها ولا ظُهورِها" : الزكاةَ الواجبةَ فيها. ولا أعلمُ أحدًا من فقهاءِ الأمصارِ أوجَب الزكاةَ في الخيل إلّا أبا حنيفةَ وشيخَه حَمّادَ بن أبي سُليمانَ. وخالَف أبا حنيفةَ في ذلك صاحِباه أبو يوسفَ ومحمدٌ، وسائرُ فقهاءِ الأمصار.
-
فأمّا أبو حنيفةَ فكان يقولُ: إذا كانت الخيلُ سائمةً، ذُكورًا وإناثًا يَطْلُبُ نَسْلَها، فالزكاةُ فيها عن كلِّ فرسٍ دينارٌ. قال: وإن شاءَ قوَّمَها، وأعطَى عن كلِّ مِئتَي درهم خمسةَ دَراهم (١) .
قال أبو عُمر: هذا يدُلُّ على ضعفِ قولِه؛ لأنّ المواشيَ التي تَجِبُ فيها الزكاةُ لا يجوزُ تَقْويمُها عندَ أحدٍ من أهل العلم. وحُجَّةُ من لم يُوجبِ الزكاةَ في الخيلِ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على المسلم في عَبدِه ولا في فَرسِهِ صدقةٌ" . وسيأتي هذا الحديثُ في مَوضِعِه من كتابنا (٢) هذا إن شاء الله. وروى عليٌّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "عَفَوْتُ لكم عن صَدَقةِ الخَيْلِ والرَّقيق" (٣) .
وقال الثوريُّ، عن عبدِ الله بن حسنٍ: نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُؤْخَذَ من الخيلِ شيءٌ (٤) . ولم يَبْلُغْنا أنّ أحدًا من الخلفاءِ الراشدين أخَذ من الخَيْل صدقةً، إلّا (٥)
- vol. 3, p. 310
خبرٌ رُوِيَ عن عُمرَ بن الخطابِ فيه اضطرابٌ، وعن عثمانَ فيه خَبَرٌ مُنقطِعٌ. ورُوِيَ عن عليٍّ وابن عمرَ أنْ لا صدقةَ في الخيل. وبذلك قال علماءُ التابعين، وفقهاءُ المسلمينَ، إلّا ما ذكَرنا من قول أبي حنيفةَ، وهو قولٌ ضعيفٌ.
-
فأمّا الذي رُوِي عن عُمرَ وعثمانَ؛ فروَى عبدُ الرزاق (١) ، عن ابن جُريج، قال: أخبَرني عَمرُو بن دينارٍ (٢) ، أنّ حُيَيَّ بن يعلى أخبَره، أنّه سمِع يَعلَى بن أميّةَ يقول: ابتاعَ عبدُ الرحمن بن أُميّةَ أخو يَعلَى بن أُميّةَ من رجلٍ من أهلِ اليمنِ فَرَسًا أُنثى بمئة قَلُوصٍ، فنَدِم البائعُ، فلحِق بعمرَ، فقال: غصَبَني يَعلَى وأخوه فرسًا لي. فكتب إلى يَعلَى أنِ ألْحَقْ بي. فأتاه، فأخبَره الخبرَ، فقال عمرُ بن الخطاب: إنّ الخيلَ لتَبْلُغُ هذا عندَكم؟ فقال: ما عَلِمْتُ فرسًا قبلَ هذا بلَغ هذا. فقال عمرُ: فنأخُذُ من أربعينَ شاةً شاةً ولا نأخُذُ من الخيل شيئًا! خُذْ من كلِّ فرسٍ دينارًا. قال: فضرَب على الخيل دينارًا دينارًا.