زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5
Page 28 of 40
- vol. 3, p. 503
وفيه أن العُمُومَ جائزٌ عليه الخصوصُ.
-
وفيه كراهيةُ السؤالِ على كلِّ حالٍ. وقد قدَّمْنا ذكْرَ الآثارِ فيمن تَحِلُّ له المسألةُ، ومن لا تَحِلُّ له، في كتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِه هاهنا.
-
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قولُه في هذا الحديثِ: بعَث رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عمرَ بعطاءٍ؛ أي: مِمَّا كان يقْسِمُه من الفَيْء على سبيلِ الأُعْطيةِ. وهو بعيدٌ؛ لأنَّ أوَّلَ من فرَض الأُعْطِيَةَ عمرُ بنُ الخطابِ (١) ، ويَستحِيلُ أيضًا أنْ يَرُدَّ نَصيبَه مِن الفَيْء، ويقولَ فيه ذلك القولَ، لِمَن تدَبَّرَه. والوجهُ عندي أنَّها عَطِيَّةُ على وَجْهِ الهِبَةِ والهدِيَّةِ والصلةِ. واللّهُ تعالى أعلمُ.
-
وفي الحديثِ أيضًا أن الواجِبَ قَبولُ كلِّ رزقٍ يَسُوقُه اللّهُ عزَّ وجلَّ إلى العبدِ على أيِّ حالٍ كان، ما لم يكنْ حرامًا بَيِّنًا.
- vol. 3, p. 504
حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بنُ يحيي، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا سُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُعْطِي عمرَ بنَ الخطابِ العطاء، فيقولُ له عمرُ: أعْطِه يا رسولَ الله من هو أفْقَرُ إليه مِنِّي. فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "خُذْه فتمَوَّلْه أو تصدَّقْ به، وما جاءَك من هذا المالِ وأنت غيرُ مُشرفٍ ولا سائل فخُذْه، وما لا، فلا تُتْبِعْه نفسَك" . قال سالمٌ: فمِن أجلِ ذلك كان ابنُ عمرَ لا يسألُ أحدًا شيئًا، ولا يَرُدُّ شيئًا أُعْطِيَه (١) .
-
وفيه ما كان عليه عمرُ رحِمَه اللّهُ من البِدَارِ إلى طاعةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- التي فيها طاعَةُ الله، ألا ترَى إلى قولِه: واللّه لا أسألُ أحدًا، ولا يَأْتِينِي شيءٌ مِن غيرِ مسألةٍ إلَّا أخَذْتُه؟ وهكذا يَلْزَمُ مَن جَهِل شيئًا الانقيادُ إلى العِلْم واسْتِعْمالُه.
-
حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نُميرٍ، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيد بنِ أسلمَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُى: أرسَل إليَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بمالٍ، فرَدَدْتُه، فلمَّا جِئْتُه قال: "ما حَمَلك على أن تَرُدَّ ما أرسَلتُ به إليك؟ " . قال: قلتُ: يا رسولَ الله، قُلْتَ لي: "إن خيرًا لك ألَّا تَأْخُذَ من الناسِ" . قال: "إنَّما ذلك أن تسألَ الناسَ، ومَا جاءَك مِن غيرِ مسألةٍ فإنَّما هو رزقٌ رزَقَكه اللّهُ" .
- vol. 3, p. 505
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١) : حَدَّثَنَا عمرُو بنُ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا الحَكَمُ بنُ نافعٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعيبٌ، عن الزهريِّ، قال: حدَّثني سالمُ بنُ عبدِ الله، أن عبدَ الله بنَ عمرَ قال: سِمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعْطِيني العطاء فأقولُ: أعْطِه أفْقَرَ إليه مِنِّي. حتى أعْطَاني مَرَّةً مالًا، فقلتُ: أعْطِه أفْقَرَ إليه مِنِّي. فقال: "خُذْه فتَمَوَّلْه وَتَصَدَّقْ به، وما جاءك مِن هذا المالِ وأنت غيرُ مُشْرِفٍ ولا سائلٍ، فخُذْه، وما لا، فلا تُتْبِعْه نفسَك" .
-
أخبرني عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الوَرَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا الخَضرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حَدَّثَنَا القعنبيُّ، قال: حَدَّثَنَا البُهْلُولُ بنُ راشدٍ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن أبيه، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعطِيني العطاء، فأقولُ: أعْطِه مَن هو أفْقَرُ إليه منِّي. حتى أعطاني مَرَّةً مالًا، فقلتُ: أعطِه من هو أفْقَرُ إليه مِنِّي. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "خُذْه، وما جاءك من هذا المالِ من غيرِ مسألةٍ ولا إشرافٍ، فخُذْه" (٢) .
-
وعندَ ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ إسنادٌ آخرُ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، عن حُوَيْطِبِ بنِ عبدِ العُزَّي، عن عبدِ الله بنِ السَّعْدِيِّ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بمَعْناه سواء.
- vol. 3, p. 506
روَى هذا الحديثَ بهذا الإسنادِ عنه جماعةٌ من أصحابِه؛ منهم الزُّبيدِي (١) ، ومعمرٌ (٢) ، وابنُ عُيينةَ (٣) ، وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٤) ، ويقولونَ: إن ابنَ عيينةَ إنَّما سَمِعه مِن مَعْمَرٍ، وعنه يَرْويه (٥) .
-
وقيل لمالكٍ: الحديثُ الذي إلى: "مَا جاءك من غيرِ مسألةٍ فإنَّما هو رِزْقٌ رَزَقَكه اللّهُ" أفيه رُخْصَةٌ؟ قال: نعم. قيل: فمَن أُعْطِي شيئًا ووُصِل به؟ قال: تَرْكُه أحَبُّ إليَّ وأفْضَلُ، إن كان له عنه غِنًى، إلَّا أن يخافَ على نفسِه الجُوعَ وهو مُحْتاجٌ، فلا أرَى به بأسًا.
-
وروَى حمَّادُ بنُ سلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي رافع (٦) ، عن أبي هريرةَ، قال: ما أحدٌ من الناسِ يُهْدِي إليَّ هَدِيّةً إلَّا قبِلْتُها، وأمَّا أنْ أسْألَ، فلم أكنْ لأسْأل (٧) .
- vol. 3, p. 507
أخبَرني عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ الله -يَعْنِي أحمدَ بنَ حنبَلٍ- يُسْألُ عن قولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "ما أتاك من غيرِ مسألةٍ ولا إشْرَافٍ" أيَّ الإشْرافِ أراد؟ فقال: أن تَسْتَشْرِفَه وتقولَ: لعلَّه يَبعَثُ إليَّ بقلبِك. قيل له: وإن لم يتَعَرَّضْ؟ قال: نعم، إنَّما هو بالقلبِ. قيل له: هذا شديدٌ. قال: وإن كان شديدًا، فهو هكذا. قيل له: فإن كان رجل لم يُعَوِّدْني أن يُرسِلَ إليَّ شيئًا، إلَّا أنَّه قد عَرَض بقَلْبي، فقُلْتُ: عسى أن يَبعَثَ إليَّ شيئًا؟ فقال: هذا إشرافٌ؛ فأما إذا جاءك مِن غيرِ أن تَحتسِبَه ولا خَطَرَ على قَلْبِك، فهذا الآن ليس فيه إشْرَافٌ. قلتُ له: فلو عرَض بقَلْبِه، لو بعَث إليه، فبعثَ إليه، أيَلْزَمُه أن يَرُدَّه؟ قال: لا أدرِي ما يَلْزَمُه ولكنْ له حِينَئِذٍ أن يَرُدَّه. قلتُ له: وليس عليه واجِبٌ أن يَرُدَّه؟ قال: لا. ثم قال: إن الشأنَ أنَّه إذا جاءه مِن غيرِ مسألةٍ ولا إشرافٍ، كان عليه أن يأْخُذَ بقولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "فلْيقْبَلْه" . قال: فحينئذٍ يَنْبَغِي له أن يأخُذَ، ويَضيقُ عليه إذا كان من غيرِ إشرافٍ ولا مسألةٍ، أن يَرُدَّ، فإذا كان فيه إشرافٌ، فله أن يَرُدَّ، ولا يَلْزَمُه أن يأخُذَ، وإن أخَذه، فهو جائزٌ، ولو سأل، لم يكنْ له أنْ يأْخُذَ، وضاق عليه ذلك بالمسألةِ، إذا لم تَحِلَّ له (١) .
قال أبو عُمر: الإشرافُ في اللغةِ: رَفْعُ الرأسِ إلى المطْمُوعِ عندَه والمطْمُوعِ فيه، وأن يَهَشَّ (٢) الإنسانُ ويتَعَرَّضَ.
-
وما قاله أحمدُ بنُ حنبلٍ رحِمه اللّهُ في تأويلِ الإشرافِ تَضيِيق وتَشْدِيدٌ، وهو عندِي بعيدٌ؛ لأن اللّهَ تبارَك وتعالَى تجاوَز لهذه الأُمَّةِ عمَّا حدَّثت به أنفسَها،
vol. 3, p. 508ما لم يَنطِقْ به لسانٌ، أو تَعْمَلْ به جارِحَةٌ، وما اعْتَقَده القلبُ من المعاصي ما خلا الكفرَ، فليس بشيءٍ حتى يَعمَلَ به، وخَطَراتُ النُّفوسِ مُتَجاوَزٌ عنها بإجماعٍ (١) ، والحمدُ للّه.
- vol. 3, p. 509
حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ القاسم الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَنِ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهابِ بنُ سعدٍ الحمْرَاويُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ أبي يحيى الحَضْرَمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا صالِحُ بنُ محمدٍ السَّلُوليُّ، قال: حَدَّثَنَا خالِدُ بنُ نَجيحٍ، عن موسى بنِ عُلَيِّ بن رباحٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاصِ، أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الهدِيَّةُ رِزْقٌ من رزقِ الله، فمن أُهْدِي له فلْيَقْبَلْه ولا يَرُدَّه، وليُعْطِه خَيْرًا منه أو ليُكَافِئْ" (١) .
قال أبو عُمر: المكافأةُ: الاستواءُ والاعتدالُ، ومنه قولُه: "شاتان مكافِئتان" (٢) ؛ أي: معتدِلتان، أو مِثْلانِ، واللّهُ أعلمُ.
-
أخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَرْوانَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سليمانَ الحَرِيرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ موسى الحاِسبُ، قال: حَدَّثَنَا محمودُ بنُ غَيْلانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارِثِ، قال: حَدَّثَنَا هَمَّام، عن قَتادةَ، عن عبدِ الملكِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن عرَض له شيءٌ مِن الرزقِ من غيرِ أن يَسْالَه فليَقْبَلْه، فإنَّما هو رِزْق سَاقَه اللّهُ إليه" (٣) .
- vol. 3, p. 510
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانِئ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الحَجَّاج، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المباركِ، قال: أخبَرني معقلُ بنُ عُبيدِ الله، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ أبي رباح، قال: قال أبو الدرداء: إذا أخُوك أعْطاكَ شيئًا
vol. 3, p. 511فاقْبَلْه منه، فإن كانت لك فيه حاجةٌ فاستَمْتِعْ به، وإن كنتَ غنيًّا عنه فتَصَدَّقْ به، ولا تَنْفَسْ على أخيك أن يَأْجُرَه اللّهُ فيك.
قال أبو بكرٍ: وأخبَرنا سعيدُ بنُ عُفيرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعةَ، عن بكرِ بنِ سَوَادَةَ، عن زِيادِ بنِ نُعَيْمٍ، أنَّه حدَّثَه عن ابنِ شُرَيْحٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرو، قال: ما يَمْنَعُ أحَدَكم إذا أتَاه اللهُ برِزْقٍ لم يَسْأَلْه، ولم يَسْتَشْرِفْ له، أن يَقْبَلَه؟ إن كان غَنِيًّا أُجِر في أخِيه، وإن كان فقيرًا كان رِزْقًا قسَمه اللّهُ له.
قال: وحَدَّثَنَا عليُّ بنُ بَحْرٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن عثمانَ بنِ حَيَّانَ، قال: سمِعتُ أبا الدرداء يقولُ: إن أحدَكم يقولُ: اللهمَّ ارْزُقْنِي. وقد عَلِم أن اللّهَ لا يَخْلُقُ له دينارًا ولا درهمًا، وإنَّما يَرزُقُ بعضَكم مِن بعضٍ، فإذا أُعْطِي أحَدُكم شيئًا، فلْيَقْبَلْه، فإن كان عنه غنيًّا، فلْيَضَعْه في أهلِ الحاجةِ من إخوانِه، وإن كان إليه فقيرًا، فليَسْتَعِنْ به على حاجَتِه، ولا يَرُدَّ على الله رِزْقَه الذي رَزَقه (١) .
-
قرأتُ على خلفِ بنِ أحمدَ، أن أحمدَ بنَ مُطَرِّفٍ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبَابَةَ وأيوبُ بنُ سليمانَ أبو صالحٍ، قالا: حَدَّثَنَا أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمن بنُ إبراهِيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يزيدَ المُقْرِئُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن أبي الأسودِ (٢) ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ،
vol. 3, p. 512عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن خالدِ بن عَدِيٍّ الجُهَنِيٍّ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن جاءه مِن أخيه معروفٌ مِن غيرِ سؤالٍ ولا إشرافِ نفسٍ، فلْيقْبَلْه، فإنَّما هو رزقٌ سَاقه اللّهُ إليه" (١) .
-
وأخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يزيدَ أبو عبدِ الرحمنِ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أبي أيوبَ وحَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن أبي الأسودِ، أنَّه أخبَرهما، أن بُكيرَ بنَ الأشجِّ أخبَره، أن بُسْرَ بنَ سعيدٍ أخبَره، عن خالدِ بنِ عَدِيٍّ الجُهَنِيِّ، قال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في يقولُ: "مَن جاءه مِن
vol. 3, p. 513أخيه معروفٌ مِن غير إشرافٍ ولا مسألةٍ، فليقْبَلْه ولا يرُدَّه، فإنَّما هو رزقٌ ساقه اللّهُ إليه" (١) .
-
وروَى الليثُ بنُ سعدٍ هذا الحديثَ، عن بُكيرِ بنِ الأشَجِّ، عن بُسرِ بن سعيدٍ، عن ابنِ الساعديِّ (٢) (٣) . ورِوايةُ أبي الأسودِ أصَحُّ إن شاء اللّهُ، وباللّه التوفيقُ.
- vol. 3, p. 514
حديثٌ خامسٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ
مالكٌ (١) ، عن زيدٍ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تحلُّ الصَّدقةُ لغنيٍّ إلَّا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيلِ الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بمالِهِ، أو لرجلٍ له جاز مِسْكينٌ، فتصدَّقَ على المِسْكينِ، فأهدَى المسكينُ للغنيِّ" .
-
هكذا رواه مالكٌ مُرسلًا، وتابعَه على إرسالِه ابنُ عُيينةَ وإسماعيلُ بنُ أُميَّة.
-
ورواه الثَّوريُّ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، قال: حدَّثنِي الثَّبَتُ (٢) ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. فذكَره (٣) .
- vol. 3, p. 515
ورواه معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
فأمَّا روايةُ ابنِ عُيينةَ؛ فحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأَيْليُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحلُّ الصَّدقةُ لغنيٍّ إلَّا لخمسةٍ؛ رجلٍ اشتراها بمالِهِ، أو رجلٍ أُهديَتْ لَه، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لغازٍ في سبيلِ الله" (١) .
-
وأمَّا روايةُ إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ، فرواها ابنُ عُليَّةَ عن إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بلفظِ حديثِ مالكٍ حرفًا بحرفٍ (٢) .
-
وأمَّا روايةُ معمرٍ؛ فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ ويعيشُ بنُ سعيدٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ غالبٍ، قال: أخبرني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح -يعني الكوفيَّ- قال: حدَّثني أحمدُ بنُ صالح -يعني المصريَّ-
vol. 3, p. 516قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاق بنُ همَّام بنِ نافع، قال (١) : حَدَّثَنَا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحلُّ الصَّدقةُ لغنيٍّ إلَّا لخمسةٍ: لعاملٍ عليها، أو لرجلٍ اشتراها بمالِهِ أو غارم (٢) ، أو غازٍ في سبيلِ الله، أو مسكينٍ تُصدِّقَ عليه فأهدَى منها لغنيٍّ" .
- vol. 3, p. 517
وحَدَّثَنَا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرَ نا عبدُ الرَّزَّاقِ. فذكَر بإسنادِه مثلَه (١) سواءً.
-
وفي هذا الحديثِ منَ الفقْهِ ما يدخلُ في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية [التوبة: ٦٠] . وتفسير لقولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحل الصَّدقةُ لغنيٍّ، ولا لذِي مِرَّةٍ سويٍّ" (٢) ، وقولُه هذا عُمومٌ مخصوصٌ بقولِه في هذا الحديثِ: "إلَّا لخمسةٍ" .
-
وأجمَعَ العلماءُ أنَّ الصَّدقةَ المفروضةَ لا تحلُّ لأحدٍ مِن الأغنياء غيرِ مَن ذُكرَ في هذا الحديثِ منَ الخمسةِ الموصوفينَ فيه، وكانَ ابنُ القاسم يقولُ: لا يجوزُ لغنيٍّ أنْ يأخذَ مِن الصَّدقةِ ما يستعينُ به على الجهادِ وينفقُه في سبيلِ الله، وإنَّما يجوزُ ذلك للفقيرِ. قال: وكذلك الغارمُ لا يجوزُ له أنْ يأخذَ منَ الصَّدقةِ ما يَقِي بها مالَه ويؤدِّي منها دينَه، وهو عنها غنيٌّ. قال: وإذا احتاجَ الغازِي في غزوتهِ -وهو غنيٌّ له مالٌ غائبٌ عنه- لم يأخذْ مِن الصَّدقةِ شيئًا، واستقرضَ، فإذا بلغَ بلدَه، أدَّى ذلك مِن مالِه.
-
هذا كله ذكَره ابنُ حبيبٍ، عن ابنِ القاسمِ، وزعَم أنَّ ابنَ نافعٍ وغيرَه خالفه في ذلك.
-
وذكَر (٣) ابن أبي زيد وغيرُه، عن ابنِ القاسمِ، أنَّه قال في الزَّكاةِ: يُعطى منها الغازِي وإنْ كان معه في غزاتِه ما يكفِيه مِن مالِه وهو غنيٌّ في بلدِه (٤) .
- vol. 3, p. 518
وروَى ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ أنَّه يُعطَى منها الغُزاةُ، ومَن لزِمَ مواضعَ الرِّباطِ، فُقراءَ كانوا أو أغنياء.
-
وذكَر عيسَى بنُ دينارٍ (١) في تفسيرِ هذا الحديثِ، قال: تحِلُّ الصَّدقةُ لغازٍ في سبيلِ الله قد احتاجَ في غزوتِه، وغابَ عنه غناه ووَفْرُه (٢) ، قال: ولا تحلُّ لمنْ كان معه مالُه منَ الغزاةِ، إنَّما تحلُّ لمنْ كان مالُه غائبًا عنه منهم (٣) .
قال عيسَى: وتَحِلُّ لعامل عليها، وهو الذي يجمعُها للمساكينِ مِن عندِ أربابِ المواشِي والأموالِ، فهذا يُعطَى منها على قدرِ سعيِه، لا على قدرِ ما جمَع مِن الصَّدقاتِ والعشورِ، ولا يُنظرُ إلى الثُّمُنِ، وليسَ الثَّمُنُ بفريضةٍ، وإنَّما له قدرُ اجتهادِه وعملِه.
قال: وتحلُّ لغارم غُرمًا قد فَدَحَه (٤) وذهبَ بمالِه، إذا (٥) لم يكنْ غُرمُه في فسادٍ، ولا دَينُه في فسادٍ، مثلَ أنْ يستدينَ في نكاح أو حجٍّ، أو غيرِ ذلك مِن وُجُوهِ الصَّلاح والمباح.
قال: وأمَّا غارمٌ لم يَفْدَحْهُ الغُرْمُ، ولم يحتجْ، وقد بقيَ له مِن مالِه ما يكفِيه، فإنَّه لا حقَّ له في الصَّدقاتِ.
قال: وتحلُّ لرجلٍ اشتراها بمالِه، ولرجلٍ له جارٌ مسكينٌ تُصدِّقَ عليه، فأهدَى المسكينُ للغنيِّ.
- vol. 3, p. 519
وأمَّا الشَّافعيُّ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (١) ، وسائرُ أهلِ العلم -فيما علمْتُ- فإنَّهم قالوا: جائزٌ للغازِي في سبيل الله إذا ذهبَتْ نفقتُه ومالُه غائبٌ عنه أنْ يأخذَ مِن الصدقةِ ما يُبلِّغُه. قالوا: والمحتمِّلُ بحَمالةٍ في صلاحٍ وبرٍّ، والمتداينُ في غير فسادٍ، كلاهما يجوزُ له أداءُ دَينِه منَ الصدقةِ، وإنْ كان الحميلُ غنيًّا فإنَّه جائزٌ له أخذُ الصدقةِ إذا وجبَ عليه أداءُ ما تحمَّلَ به وكانَ ذلك يُجحفُ بمالِه.
-
واحتجَّ مَن ذهبَ إلى هذا بحديثِ قَبِيصةَ بنِ المخارقِ، وبظاهرِ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا.
-
فأمَّا حديثُ قَبِيصةَ؛ فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسدَّدُ بنُ مُسرهدٍ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن هارونَ بنِ رئابٍ، قال: حدَّثنِي كنانةُ بنُ نُعيمٍ، عن قَبيصةَ بنِ المخارقِ، قال: تحمَّلْتُ بحَمالةٍ، فأتيْتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أسألُه فيها، فقال: "أقمْ يا قَبيصةُ حتَّى تأتيَنا الصَّدقةُ فنأمرَ لكَ بِها" . ثم قال لي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا قَبيصةُ، إنَّ المسألةَ لا تحلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ (٢) : رجلٌ تحمَّلَ بحَمالةٍ فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُصيبَها، ثُمَّ يُمسكُ، ورجلٌ أصابتْه جائحةٌ فاجتاحَتْ مالَه، فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوامًا من عيشٍ -أو سِدادًا من عيشٍ- ورجلٌ أصابتْه فاقةٌ حتَّى يقولَ ثلاثة من ذوِي الحِجا من قومِهِ: أصابَتْ فُلانًا الفاقةُ فحلَّتْ له المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوامًا من عيشٍ -أو سِدادًا من عيشٍ (٣) - فما سواهُنَّ يا قَبيصةُ منَ المسألةِ فسُحْتٌ" (٤) .
- vol. 3, p. 520
فقولُه: "رجلٌ تحمَّلَ بحَمالةٍ، فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُؤدِّيَها، ثُمَّ يُمسكُ" دليلٌ على أنَّه غنيٌّ؛ لأنَّ الفقيرَ ليسَ عليه أنْ يُمسكَ عن السُّؤالِ مع فقرِه، ودليلٌ آخرُ وهو عطفُه ذكرَ الذي ذهَب مالُه، وذكرَ الفقيرِ ذِي الفاقةِ، على ذكرِ صاحبِ الحَمالةِ، فدلَّ على أنَّه لم يذهبْ مالُه، ولم تُصبْه فاقةٌ، واللّهُ أعلمُ.
-
وأجمَع العلماءُ على أنَّ الصَّدقةَ تحلُّ لمَن عمِل عليها وإنْ كان غنيًّا، وكذلك المشترِي لها بمالِه، والذي تُهْدَى له -على ما جاءَ في هذا الحديثِ- فكذلك سائرُ مَن ذُكِر فيه، واللّهُ أعلمُ.