زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5
Page 27 of 40
- vol. 3, p. 489
وإنَّما حُمِلْنا على تَخْرِيج هذه الوُجوهِ؛ لإجْماعِ الأُمَّةِ أنَّ مَن أحْصَنَ فَرْجَه عن الزِّنى، ومنَعَ لِسانَه مِن كلِّ سوءٍ، ولم يَتَّقِ ما سِوَى ذلك مِن القتلِ والظُّلْمِ، أنَّه لا تُضْمَنُ له الجنةُ، وهو إن مات -عندَنا- في مَشِيئَةِ الله تعالى، إن شاء غَفَر له، وإن شاء عذَّبَه، إذا مات مسلمًا.
-
وقولُه -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّقُوا المُوبِقَاتِ المُهْلِكاتِ" (١) . يَعْنِي الكبائرَ. أعَمُّ مِن هذا الحديثِ. قال اللهُ -عزَّ وجلَّ-: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: ٣١] . والمُدْخَلُ الكريمُ: الجَنَّةُ.
-
وقد اخْتَلف العلماءُ في الكبائرِ، فأمَّا ما أتَى منها في الأحادِيثِ المرفوعةِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم -وهو المَفْزَعُ عند التَّنازُعِ- فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عيسى، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ محمدِ بن حَبابَةَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعدِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ عُتْبَةَ، قال: حدَّثني طَيْلَسَةُ بنُ عليٍّ، قال: أتَيْتُ ابنَ عمرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وهو تحتَ ظِلِّ أرَاكٍ، وهو
vol. 3, p. 490يَصُبُّ على رأسِه الماءَ، فسألْتُه عن الكبائرِ؟ فقال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "هُنَّ تِسْعٌ" . قلتُ: وما هُنَّ؟ قال: "الإشراكُ بالله، وقَذْفُ المحْصَنَةِ" . قال: قلتُ: قبلَ الدَّمِ؟ قال: نعم، "وقَتْلُ النفسِ المؤمِنَةِ، والفِرَارُ مِن الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكلُ الرِّبَا، وأكلُ مالِ اليَتِيمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والإلحادُ بالبيتِ الحَرامِ؛ قِبْلَتِكم أحياءً وأمواتًا" (١) .
قال أبو عُمر: طَيْلَسَةُ هذا يُعْرَفُ بطَيْلَسَةَ بنِ مَيَّاسٍ، وميَّاسٌ لَقْبٌ، وهو طَيْلَسَةُ بنُ عليٍّ الحَنَفِيُّ، يُقالُ فيه: طَيْلَسَةُ وطَيْسَلَةُ.
-
وقد روَى هذا الحديثَ يحيى بنُ أبي كثيرٍ، وزِيَادُ بنُ مِخْرَاقٍ، عن طَيْلَسَةَ، عن ابنِ عمرَ مَرْفُوعًا (٢) . فهذا حديثُ ابنِ عمرَ.
-
وروَى ابنُ مسعودٍ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سُئِل: أيُّ الكبائرِ أعْظَمُ؟ فقال: "أن تُشْرِكَ بالله وهو خَلَقَك، وأن تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أن يَأْكُلَ معك، وأن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ" (٣) .
- vol. 3, p. 491
وفي حديثِ عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص (١) ، وأنسِ بنِ مالكٍ (٢) ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "الكبائِرُ، الشِّرْكُ باللّه، وقتلُ النفسِ التي حَرَّمَ اللّهُ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ" .
-
ولَفْظُ حديثِ أَنَسٍ: "أكْبَرُ الكَبَائِرِ" .
-
وروَى أبو بَكْرِةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَ ذلك، وزاد: "وشهادَةُ الزُّورِ" (٣) .
-
وروَى الشعبيُّ، عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، أنه قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ما الكبائِرُ يا رسولَ الله؟ قال: "الإشراكُ باللّه" . قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عُقُوقُ الوَالِدَيْن" . قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم اليمينُ الغَمُوسُ" . قال: وما اليمينُ الغَمُوسُ؟ قال: "الذي يَقْتَطِعُ مالَ امْرِئ مسلم بيمينٍ هو فيها كاذِبٌ" (٤) .
-
وعن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "شُرْبُ الخَمْرِ مِن الكَبَائِرِ" (٥) .
- vol. 3, p. 492
وعنه أيضًا، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "مِن الكبائِرِ أن يَسُبَّ الرجلُ والِدَيْه" (١) . يَعْنِي: يَسْتَسِبُّ لهما. وهو يدْخُلُ في بابِ العُقوقِ.
-
وحديثُ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما تَعُدُّون الكبائِرَ فيكم؟ " . قُلْنا: الشِّرْكُ باللّه، والزِّنَي، والسَّرِقَةُ، وشربُ الخمرِ. قال: " هُنَّ كَبائِرُ، وفِيهِنَّ عُقُوباتٌ، ألا أُنَبْئُكم بأكْبَرِ الكبائِرِ؟ " . قُلْنا: بلى. قال: "شَهَادَةُ الزُّورِ" (٢) .
-
وفي حديث خُرَيْم بنِ فاتِكٍ، قال: صلَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- صلاةَ الصُّبْحِ يومًا، فلمَّا انصَرَفَ قام قائمًا، فقال: "عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالإشْرَاكِ باللّه" . ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم تَلَا: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: ٣٠] (٣) .
- vol. 3, p. 493
وروَى ابنُ المبارَكِ، عن سفيانَ، عن عاصِم ابنِ بَهْدَلَةَ، عن وائلِ بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقولُ: عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ باللّه. ثم قَرأ: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} (١) .
-
ورُوي عن محُارِبِ بنِ دِثَارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: سمِعتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "شاهِدُ الزُّورِ لا تَزُولُ قدَمَاه حتى تَجِبَ له النارُ" (٢) .
قال أبو عُمر: الفِرارُ مِن الزَّحْفِ مَذْكُورٌ في حديثِ ابنِ عمرَ المذكورِ (٣) ،
vol. 3, p. 494وفي حديثِ ابنِ عباسٍ (١) ، وفي حديثِ أبي أيُّوبَ الأنصارِيِّ (٢) ، وفي حديثِ عبدِ الله بنِ أنيسٍ الجُهَنِيِّ، كلُّها عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وفي حديثِ أبي أيُّوبَ: "وَمَنْعُ ابنِ السبيلِ" (٣) . ولا أحْفَظُه في غيرِه.
-
وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن كثيرِ بنِ زيدٍ، عن الوليدِ بنِ رَبَاحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّقُوا السَّبْعَ الموبِقاتِ" . قُلْنا: وما هي؟ قال: "الشِّرْكُ باللّه، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّم اللّهُ إلَّا بالحقِّ، والزِّنَي،
vol. 3, p. 495وأكلُ الرِّبَا، وأكلُ مالِ اليَتِيم، وشهادَةُ الزُّورِ، وقَذْفُ المحْصَنَاتِ" (١) .
-
وحديثُ عبدِ الله بنِ أُنيسٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَه في السَّبْعِ الكبائرِ، إلَّا أنَّه ذكَرَ فيهنَّ العُقُوقَ، ولم يَذْكُرْ قَذْفَ المحْصَناتِ (٢) .
-
فهذا ما في الآثارِ المَرْفُوعَةِ مِن الكبائرِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وهو يُخرَّجُ في التَّفْسِيرِ المرفوعِ، وهي مَشْهُورَةٌ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ، ترَكْتُ ذِكْرَ أسانِيدِها خَشْيَةَ الإطالَةِ.
-
وأجْمَعَ العلماءُ على أنَّ الجَوْرَ في الحُكْم مِن الكَبائرِ لمَن تعَمَّدَ ذلك
vol. 3, p. 496عالِمًا به، رُوَيتْ في ذلك آثارٌ شديدةٌ عن السَّلَفِ. وقال اللّهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٥) } [المائدة: ٤٤] و: {الظَّالِمُونَ} [المائدة: ٤٥] . و: {الْفَاسِقُونَ} [المائدة: ٤٧] . نزَلَتْ في أهل الكتابِ. قال حُذَيْفَةُ، وابنُ عباسٍ: وهي عامَّةٌ فينا (١) . قالوا: ليس بكُفْرٍ يَنْقُلُ عن المِلَّةِ إذا فعَلَ ذلك رجلٌ مِن أهلِ هذه الأُمَّةِ، حتى يَكْفُرُ باللّه وملائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليوم الآخِرِ. رُوِي هذا المعْنَى عن جماعَةٍ مِن العلماء بتَأْوِيلِ القرآنِ؛ منهم ابنُ عباسٍ، وطاوسٌ، وعطاءٌ (٢) . وقال اللّهُ عزَّ وجلَّ: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) } [الجن: ١٥] . والقاسِطُ: الظالِمُ الجائِرُ.
-
فالذي حصَل في الآثارِ المذكورَةِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِن ذِكْرِ الكَبائرِ، سِتَّةَ عشَرَ ذَنْبًا: الإشْرَاكُ بالله، وقتلُ النَّفسِ المؤمنةِ بغيرِ الحقِّ، وعُقُوقُ الوالِدَينِ المسلمَيْن، وقَذْفُ المحْصَنَةِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، والسِّحْرُ، والفِرارُ مِن الزَّحْفِ، والزِّنَي، وأكلُ
vol. 3, p. 497الرِّبَا، وشُرْبُ الخمرِ، والسَّرِقَةُ، واليَمِينُ الغموسُ، وأكْلُ مالِ اليَتِيم ظُلْمًا، والإلحَادُ بالبَيْتِ الحَرامِ، ومَنْعُ ابنِ السبيلِ، والجَوْرُ في الحُكْم عَمْدًا.
-
ومَن جعَل الاسْتِسْبابَ للأبَوَيْن مِن بابٍ غيرِ العُقُوقِ، كانت سَبْعَةَ عشَرَ، عَصَمَنا اللّهُ مِن جميعِها برَحْمَتِه.
-
وقد روَى عمرُ بنُ المغِيرَةِ، عن داودَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الضِّرَارُ في الوَصِيَّةِ مِن الكَبائِرِ" (١) . هكذا رواه عمرُ بنُ المغِيرَةِ مَرْفُوعًا.
-
وروَاه الثوريُّ (٢) ، وزُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ (٣) ، وأبو مُعاوِيَةَ، ومنْدَلُ بنُ عليٍّ، وعَبيدَةُ بنُ حُمَيْدٍ (٤) ، كلُّهم عن داودَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ مَوْقُوفًا، قال: الضِّرَارُ في الوَصِيَّةِ مِن الكبائِرِ. ثم قرَأ: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} [الطلاق: ١] .
-
ومِن حديثِ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِي، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ أكبرَ الكبائِرِ الإشراكُ باللّه، وعُقُوقُ الوالِديْن، ومَنْعُ فَضْلِ الماء، ومَنْعُ الفَحْلِ" . وهذا حديثٌ
vol. 3, p. 498ليس بالقَوِيِّ. ذكَره البَزَّارُ، عن عمرِو بنِ مالِكٍ، عن عمرَ بنِ عليٍّ المُقَدَّمِيِّ، عن صالِحِ بنِ حَيَّانَ، عن عبدِ الله بنِ بريْد، عن أبيه (١) . وليس له غيرُ هذا الإسنادِ، وليس ممَّا يُحْتَجُّ به.
-
وقد روَى حَنَشُ بنُ قَيْسٍ الرَّحَبِيُّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن جَمَعَ بينَ صَلاتيْن مِن غيرِ عُذْرٍ فقد أتَى بَابًا مِن أبوابِ الكبائِرِ، ومَن شَهِد شَهَادةً فاجْتاحَ بها مالَ مسلمٍ، فقد تبَوَّأ مَقْعَدَه مِن النارِ، ومَن شَرِب شَرَابًا حتى يَذْهَبَ عَقْلُه الذي رَزَقَه اللّهُ، فقد أتَى بابًا مِن أبوابِ الكبائِرِ" (٢) .
-
وهذا حديث وإن كان في إسْنادِه مَن لا يُحْتَجُّ بمثلِه أيضًا، مِن أجْلِ حَنَشٍ هذا، فإنَّ مَعْنَاه صحيحٌ مِن وُجُوهِ.
-
وقد روَى شَبِيبُ بنُ بِشْرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، ما الكبائِرُ؟ قال: "الشِّرْكُ باللّه، والإياسُ مِن رَوْحِ الله، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ الله" (٣) .
- vol. 3, p. 499
فهذه الكبائرُ مَن وَقَاه اللّهُ إيَّاها، وعَصَمَه عنها (١) ، ضُمِنَتْ له الجنةُ، إذا (٢) أدَّى فرائِضَه؛ فإنَّهُنَّ الحسناتُ المُذهِبَاتُ للسَّيئاتِ، ألَا تَرَى أنَّ مَن اجْتنَبَ كبائرَ ما نُهِيَ عنه، كُفِّرَتْ سَيِّئاتُه الصغائرُ بالوُضوء، والصلاةِ، والصيامِ، ومَن مات على هذا زُحْزِح عن النارِ وأُدْخِل الجنةَ وفاز، مَضْمُونٌ له ذلك؟ ومَن أتَى كبيرةً مِن الكبائرِ، ثم تاب عنها بالنَّدَم عليها، والاسْتِغْفارِ منها، وتَرْكِ العَوْدَةِ إليها؛ كان كمَن لم يَأْتِها قَطُّ، والتَّائِبُ مِن الذنبِ كمَن لا ذَنْبَ له.
-
على هذا التَّرتيبِ في الصغائرِ والكبائرِ وكَفَّارَةِ الذُّنُوبِ، جاءَ معنى كتابِ الله وسنةِ رسولهِ -صلى الله عليه وسلم- عندَ جماعَةِ العلماء بالكتابِ والسُّنَّةِ، ومَن أتى كبيرةً (٣) ومات على غيرِ تَوْبَةٍ منها، فأمْرُه إلى الله؛ إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبَه.
-
فعلى ما ذكَرْنا ووَصَفْنا خرَجَ قولُنا: إنَّ الأحادِيثَ في اجْتِنابِ الكبائرِ أعَمُّ مِن حديثِ هذا البابِ، في قولِه: "مَن وُقِي ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْهِ دَخَل الجنةَ" . واللّهُ الموَفِّقُ للصَّوابِ، لا شَرِيكَ له.
-
وقد جاء عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه تكَفَّلَ بالجنةِ لمَن جاء بخِصالٍ سِتّ ذكَرَها: أخبَرنا خَلَفُ بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ
vol. 3, p. 500عُثْمانَ، قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يُوسفَ، قال: حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ، عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيب، عن سعدِ بنِ سِنانٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَكَفَّلوا لي سِتًّا أتَكَفَّلْ لكم بالجنةِ" . قالوا: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: "إذا حَدَّثَ أحَدُكم فلا يَكْذِبْ، وإذا وَعَد فلا يُخلِفْ، وإذا اؤْتُمِن فلا يَخُنْ، وغُضُّوا أبصَارَكم، واحْفَظوا فُرُوجَكم، وكُفُّوا أيدِيَكم" (١) .
-
وأمَّا رِوايَةُ مَن روَى في حديثِ مالِكٍ هذا: لا تُخْبِرْنا. على لَفْظِ النَّهْي، فيَحْتَمِلُ عندي وجْهَين؛ أحدُهما: أن يكونَ قائلُ ذلك قالَه على مَعْنَى اسْتِنْباطِها واسْتِخْراجِها إنْ يَتْرُكْهم، وذلك على وَجْهِ التَّعْلِيم والإدْرَاكِ بالفِكْرَةِ لها، أو يكونَ رجلًا منافقًا قال ذلك القولَ زَهادَةً في سَماعِ ذلك مِن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ورَغْبَةً عنه، وكانوا قومًا قد نَهاه اللّهُ عن قَتْلِهم بما أظْهَرُوه مِن الإيمانِ، واللّهُ أعلمُ أيَّ ذلك كان، وكيف كان.
-
وأمَّا رِوايةُ مَن روَى: ألَا تُخْبِرُنا. فهي بَيِّنَةٌ في الاسْتِفْهام على وَجْهِ العَرْضِ والإغْراء والحَثِّ، كأنها "لا" التي للتَّبْرِئَةِ (٢) ، دخَلَ عليها ألِفُ الاسْتِفْهامِ، فصار مَعْنَاها ما ذكَرْنا.
- vol. 3, p. 501
وأمَّا تَكْرِيرُه -صلى الله عليه وسلم- قولَه: "ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه" ثلاثَ مَرَّاتٍ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ جَوابًا لتَكْرِيرِ قولِه: "مَن وَقَاه اللّهُ شَرَّ اثنتَيْن" . قال ذلك ثلاثًا أيضًا.
-
وَيحْتَمِلُ أن يكونَ على ما رُوِي عنه أنَّه كان إذا تكَلَّمَ بكَلِمَةٍ كرَّرَها ثلاثًا (١) . وفي هذا رُخْصَةٌ لمَن كَرَّرَ الكَلامَ يُرِيدُ به التأكيدَ والبَيَانَ، ولا أُحِبُّ لأحَدٍ إذا كَرَّرَ كلمةً يُرِيدُ تأْكِيدَها، أنْ يُكَرِّرَها أكْثَرَ مِن ثلاثٍ وباللّه التوفيقُ.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ القاسِم بنِ شعبانَ، وحَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ رشيقٍ، قالا: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ سعيدِ بنِ بَشِيرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحِدِ بنُ غِيَاثٍ، قال: حَدَّثَنَا فَضَالُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: سَمِعْتُ أبا أُمَامَةَ الباهِليَّ صاحِبَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يَأْثُرُ حديثًا سَمِعَه مِن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه كان يقولُ: "اكْفُلُوا لي بسِتِّ خِصَالٍ، أكْفُلْ لكم بالجنةِ، إذا حَدَّث أحَدُكم فلا يَكْذِبْ، وإذا وَعَدَ فلا يُخلِفْ، وإذا اؤتُمِنَ فلا يَخُنْ، وامْلِكوا ألسِنَتَكم، وكُفُّوا أيْدِيَكم، واحْفَظُوا فُرُوجَكم" (٢) . واللفظُ لحديثِ خَلَفٍ.
- vol. 3, p. 502
حديثٌ رابعٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ
مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يَسارٍ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أرسَل إلى عمرَ بن الخطاب بعطاءٍ (٢) ، فرَدَّه عمرُ (٣) ، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لِمَ رَدَدْتَه؟ " . فقال: يا رسولَ الله، أليس أخبَرتَنا أنَّ خيرًا لأحَدِنا ألَّا يأخُذَ مِن أحَدٍ شيئًا؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما (٤) ذلك عن (٥) المسألةِ، فأمَّا ما كان عن غيرِ مسألةٍ، فإنَّما هو رزقٌ يَرْزُقُكَه اللّهُ" ، فقال عمرُ بنُ الخطاب: أمَا والذي نَفْسِي بيدِه، لا أسألُ أحدًا شيئًا، ولا يأتينِي شيءٌ مِن غيرِ مسألةٍ إلَّا أخَذْتُه.
قال أبو عُمر: لا خِلافَ عَلِمْتُه بينَ رواةِ الموطَّأ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ هكذا، وهو حديثٌ يَتَّصلُ مِن وجوهٍ ثابتةٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِن حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، ومِن غيرِ ما وَجْهٍ عن عمرَ (٦) .
-
وفيه أن يُهْدِيَ الكبيرُ إلى الصغيرِ، والجليلُ إلى مَن هو دُونَه، وأن يُهْدِي القليلُ المالِ إلى مَن هو أكْثر منه مالًا.
-
وفيه أنَّه لا يَنْبَغِي لأحدٍ أن يَرُدَّ الهدِيَّةَ إذا عَلِم طِيبَ مَكْسَبِها؛ لأنَّ قولَه -صلى الله عليه وسلم- لعمرَ: "لِمَ رَدَدْتَه؟ " كان إنكارًا منه لفعِله.
- vol. 3, p. 503
وفيه استعمالُ العُموم في الأخبارِ والأوامرِ، ألا تَرَى أن عمرَ اسْتَعْمَل ما سَمِع من النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قولَه: "خيرٌ لأحَدِكم ألَّا يأخُذَ من أحَدٍ شيئًا" على عُمُومِه؟ ولم تُوجِبْ عندَه اللغةُ في الخطابِ غيرَ ذلك، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بل بَيَّنَ له مُرادَه منه.