ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل

822 paragraphs · vol. 5, p. 301

Page 16 of 21

  1. وقيل: الرَّضْعةُ. وقد رُوِي: "لا تُحرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضعتان" (١) . قالوا: فأقلُّ زيادةٍ على الرَّضعتينِ تُحرِّمُ، وهي الثلاثُ. وقالت حفصةُ: لا يُحرِّمُ دونَ عشرِ رَضَعاتٍ:

    وروَى مالكٌ (٢) ، عن نافع، أنَّ صفيَّةَ ابنةَ أبي عُبيدٍ أخبَرته، أن حفصةَ أُمَّ المؤمنين أرسَلتْ بعاصم بنِ عبدِ الله بنِ سعدٍ إلى أُختِها فاطمةَ بنتِ عمرَ بنِ الخطابِ تُرْضِعُه عَشْرَ رَضعاتٍ ليدخُلَ عليها، وهو صغيرٌ يَرْضَعُ، ففعَلتْ، فكان يدْخُلُ عليها.

    vol. 5, p. 577
  2. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والطبريُّ، وسائرُ العلماءِ فيما عَلِمْتُ: قليلُ الرَّضاع وكثيرُه يُحرِّمُ في وقتِ الرَّضاع. وقال الليثُ: أجْمَع المسلمون أنَّ قليلَ الرَّضاع وكثيرَه يُحرِّمُ في المهدِ ما يُفَطِّرُ الصائم (٣) .

    قال أبو عُمر: أمَّا حديثُ عائشةَ في الخمسِ رَضَعاتٍ، فرَدَّه أصحابُنا وغيرُهم ممَّن ذهَب في هذه المسألةِ مذهبَنا، ودَفَعُوه بأنه لم يَثْبُتْ قرآنًا، وهي قد أضَافته إلى القرآنِ، وقد اختُلِف عنها في العملِ به، فليس بسنَّةٍ ولا قُرآنٍ، ورَدُّوا حديثَ: "المَصَّةُ والمَصَّتانِ" بأنَّه مرةً يَرْويه ابنُ الزبيرِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٤) ،

    vol. 5, p. 578ومرةً عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) ، ومرةً عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) . ومثلُ هذا الاضطرابِ يُسقِطُه عندَهم. وحديثُ أُمِّ الفَضْلِ (٣) وأُمِّ سلمةَ (٤) في ذلك أضْعَفُ.

  3. ورَدُّوا حديثَ عروةَ، عن عائشةَ، في الخمسِ رَضَعاتٍ أيضًا، بأن عروةَ كان يُفْتي بخلافِه، ولو صَحَّ عندَه ما خالَفه.

    vol. 5, p. 579
  4. روى مالكٌ (١) ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، أنَّه سأل سعيدَ بنَ المسيِّبِ عن الرَّضاعةِ، فقال: ما كان في الحَوْلَيْن وإن كان قطرةً واحدةً فهي تُحرِّمُ. قال: ثم سألتُ عروةَ بنَ الزبيرِ، فقال مثلَ ذلك.

  5. وروى معمرٌ، عن إبراهيمَ بنِ عقبةَ، قال: أتَيْتُ عروةَ بنَ الزبيرِ فسألته عن صبيٍّ شَرِب قليلًا مِن لبنِ امرأةٍ، فقال لي عروةُ: كانت عائشةُ لا تُحرِّمُ بدُونِ سبعِ رَضَعاتٍ أو خمس. قال: فأتَيْتُ ابنَ المسيِّبِ، فقال: لا أقولُ قولَ عائشةَ، ولكنْ لو دخَلَتْ بطنَه قطرةٌ بعدَ أن يعْلَمَ أنَّها دخَلتْ بطنَه، حَرُمَ (٢) .

  6. وروى حمَّادُ بنُ سلَمةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ سُئِلَ عن المَصَّةِ والمَصَّتين، فقال: لا تَصْلُحُ. فقيل له: إن ابنَ الزبيرِ لا يرَى بهما بأسًا. فقال ابنُ عمرَ: قضاءُ الله أحقُّ مِن قضاءِ ابنِ الزُّبيرِ، يقولُ اللهُ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} (٣) [النساء: ٢٣] .

  7. وروى حمَّاد أيضًا عن أبي الزُّبَير، قال: أمَرني عطاءُ بنُ أبي رباح أن أسألَ ابنَ عمرَ عن الرَّضعةِ والرَّضعتينِ، فسألتُه، فقال: لا يَصلُحُ. فقيل له: إن ابنَ الزُّبيرِ. فذكَر نحوَه (٤) .

  8. وفي هذا الحديثِ ما كانوا عليه مِن التبَنِّي، وأن مَن تَبنَّى صبيًّا كان يُنْسَبُ إليه، حتى نزَلتْ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: ٥] . فنُسِخ ذلك، فلا يجوزُ اليومَ أن يُقالَ ذلك في غيرِ الابنِ الصَّحِيح، وكذلك لا يجوزُ عندي أن يقولَ المولى: أنا ابنُ فُلان، أو يكْتُبَ به شهادتَه، ولكنْ (١) يقولُ: مولى فلانٍ. واللهُ أعلمُ.

    vol. 5, p. 580
  9. حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مُعلَّى (٢) بنُ أسدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ المختارِ، قال: حدَّثنا موسى بنُ عقبةَ، قال: حدَّثني سالم، عن عبدِ الله بنِ عمر، أنَّه كان يقولُ: ما كنّا نَدْعُوه إلَّا زيدَ بنَ محمدٍ، حتى نزَل القرآنُ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} (٣) .

  10. حديثٌ ثالثَ عشرَ لابنِ شهابِ، عن عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبير، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدٍ القارِيِّ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطّابِ يقولُ: سمِعتُ هشامَ بن حَكِيم بنِ حزام يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" على غيرِ ما أقرؤُها، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أقرأنِيها، فكِدْتُ أن أعجَلَ عليه، ثم أمهلتُه حتى انصرَف، ثم لبَّبتُه بردائِه (٢) ، فجئتُ به رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: يا رسولَ الله، إني سمِعتُ هذا يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" على غيرِ ما أقرأتَنِيها (٣) ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقرأْ" (٤) . فقرَأ القراءةَ التي سمِعتُه يقرأُ، فقال لهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هكذا أُنزلَتْ" . ثم قال لي: "اقرأْ" ، فقرأتُ، فقال: "هكذا أُنزلَتْ، إنَّ هذا القرآنَ أُنزِل على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤُوا ما تَيسَّر منه" .

    قال أبو عُمر: لا خلافَ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ومتنِه، وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدٍ القاريُّ قيلَ: إنَّه مسَح النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على رأسِه وهو صغيرٌ.

    vol. 5, p. 581
  11. وتوفِّي سنةَ ثمانين وهو ابنُ ثمانٍ وسبعين (١) ، يُكْنَى أبا محمدٍ، والقارةُ: فخِذٌ من كِنانةَ، وقد ذكَرناه في القبائل من كتابِ "الصحابةِ" (٢) ، والحمدُ لله.

    vol. 5, p. 582
  12. ورواه معمرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن المِسْورِ بنِ مَخْرَمةَ وعبدِ الرحمنِ بنِ عبدٍ القاريِّ، جميعًا سمِعا عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: مرَرتُ بهشامِ بنِ حَكِيم بنِ حزام وهو يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" في حياةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستمعْتُ قراءتَه، فإذا هو يقرأُ على حروفٍ كثيرةٍ لم يُقرئْنِيها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكدْتُ أُساورُه (٣) ، فنظَرْتُ (٤) حتى سلَّم، فلما سلَّم لبَّبْتُه بردائِه فقلتُ: مَن أقرأك هذه السورةَ التي أسمعُك تقرؤُها؟ قال: أقرأنِيها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: قلتُ له: كذَبْتَ، فوالله إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لهو أقرأني هذه السورةَ. قال: فانطلقْتُ أقودُه إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ: يا رسولَ الله، إني سمِعتُ هذا يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" على حروفٍ لم تُقرئْنِيها، وأنتَ أقرأتَني في سورةَ "الفرقانِ" ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أرسلْه يا عمرُ، اقرأْ يا هشامُ" ، فقرَأ عليه القراءةَ التي سمِعتُه يقرؤُها، فقال النبيُّ عليه السلامُ: "هكذا أُنزلَتْ" . ثم قال: "اقرأْ يا عمرُ" ، فقرأْتُ القراءةَ التي أقرأَنِيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: "هكذا أُنزِلت، إن هذا القرآنَ أُنزِل على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ما تيسَّر منه" (٥) .

  13. وهكذا رواه يونسُ (١) ، وعُقَيلٌ (٢) ، وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٣) ، وابنُ أخي ابنِ شهابٍ (٤) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن المِسْورِ وعبدِ الرحمنِ بنِ عبدٍ القاريِّ، جميعًا سمِعا عمرَ بنَ الخطابِ. الحديثَ.

    vol. 5, p. 583
  14. ففي روايةِ معمرٍ تفسيرٌ لروايةِ مالكٍ في قولِه: يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" ؛ لأن ظاهرَه السورةُ كلُّها أو جملتُها، فبان في روايةِ معمرٍ أن ذلك في حروفٍ منها بقولِه: يقرأُ على حروفٍ كثيرةٍ.

  15. وقولُه: يقرأُ سورةَ "الفرقانِ" على حروفٍ لم يُقرِئْنِيها. وهذا مجتمَعٌ عليه، أن القرآنَ لا يجوزُ في حروفِه وكلماتِه وآياتِه كلِّها أن يُقرأ على سبعةِ أحرفٍ، ولا شيءٍ منها، ولا يمكنُ ذلك فيها، بل لا يوجدُ في القرآنِ كلمة تحتملُ أن تُقرأ على سبعةِ أوجُهٍ إلا قليلًا؛ مثلَ: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: ٦٠] . و: {تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: ٧٠] . و: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: ١٦٥] . ونحو ذلك (٥) ، وذلك يسير جدًّا، وهذا بيِّنٌ واضحٌ يُغني عن الإكثار فيه.

  16. وقد اختلَف الناسُ في معنى هذا الحديثِ اختلافًا كثيرًا؛ فقال الخليلُ بنُ أحمدَ: معنى قولِه: "سبعةِ أحرفٍ" : سبعُ قراءاتٍ، والحرفُ هاهنا: القراءةُ. وقال

    vol. 5, p. 584غيرُه: هي سبعةُ أنحاءٍ، كلُّ نحوٍ منها جزءٌ من أجزاءِ القرآنِ خلافُ الأنحاءِ غيرِها. وذهَبوا إلى أن كلَّ حرفٍ منها هو صِنفٌ من الأصنافِ، نحوَ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} الآية [الحج: ١١] . وكان معنى الحرفِ الذي يُعبدُ اللهُ عليه صِنفٌ من الأصنافِ، ونوعٌ من الأنواع التي يُعبدُ اللهُ عليها، فمنها ما هو محمودٌ عندَه تبارك وتعالى، ومنها ما هو بخلافِ ذلك. فذهَب هؤلاء في قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُنزِل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ" إلى أنها سبعةُ أنحاءٍ وأصنافٍ؛ فمنها زاجرٌ، ومنها آمِرٌ، ومنها حلالٌ، ومنها حرامٌ، ومنها محكمٌ، ومنها متشابِهٌ، ومنها أمثالٌ (١) . واحتجُّوا بحديثٍ يروِيه سلمةُ بنُ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ حدَّثناه محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال (٢) : حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي داودَ،

    vol. 5, p. 585قال (١) : حدَّثنا أبو الطَّاهرِ أحمدُ بنُ عمرٍو المصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني حَيْوةُ بنُ شُريح، عن عُقَيلِ بنِ خالدٍ، عن سلمةَ بنِ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "كان الكتابُ الأوَّلُ نَزل مِن بابٍ واحدٍ، على وجْهٍ واحدٍ، ونَزل القرآنُ مِن سَبْعَةِ أبوابٍ، على سَبْعَةِ أوجُهٍ؛ زاجرٍ، وآمِرٍ، وحَلالٍ، وحَرَام، ومُحْكَم، ومُتَشابِهٍ، وأمْثال، فأحِلِّوا حَلالَه، وحرِّموا حرامَه، واعتَبِرُوا بأمْثالِه، وآمِنُوا بتشابهِهِ، وقولوا: آمَنَّا به كُلٌّ من عندِ رَبِّنا" .

  17. وهذا حديثٌ عندَ أهلِ العلمِ لا يثبُتُ؛ لأنَّه يروِيه حَيْوَةُ، عن عُقَيلٍ، عن سلمةَ هكذا. ويرويه الليثُ، عن عُقيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سلمةَ بنِ أبي سلمةَ، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرسلًا (٢) . وأبو سلمةَ لم يلقَ ابنَ مسعودٍ، وابنُه سلمةُ ليس ممَّن يُحتجُّ به. وهذا الحديثُ مُجتمَعٌ على ضعفِه من جهةِ الإسناد، وقد ردَّه قومٌ من أهلِ النَّظرِ؛ منهم: أحمدُ بنُ أبي عمرانَ، قال: مَن قال في تأويلِ السبعةِ الأحرفِ هذا القولَ، فتأويلُه فاسدٌ؛ لأنَّه مُحالٌ أنْ يكونَ الحرفُ منها حرامًا لا ما سواه، أو يكونَ حلالًا لا ما سواه؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يكونَ القرآنُ يُقرأُ على أنَّه حلالٌ كلُّه، أو

    vol. 5, p. 586حرامٌ كلُّه، أو أمْثالٌ كلُّه، ذكره الطحاويُّ (١) ، عن أحمدَ بنِ أبي عمرانَ، سمعَه منه، وقال: هو كما قال ابنُ أبي عمرانَ. قال: واحتجَّ ابنُ أبي عمرانَ بحديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ، أنَّ جبريلَ أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اقرَأْ على حرفٍ" (٢) ، فاستزادَه حتى بلَغ سبعةَ أحرفٍ. الحديثَ.

    وقال قومٌ: هي سبعُ لُغاتٍ في القرآنِ مُفْتَرقاتٍ، على لغاتِ العربِ كلِّها؛ يَمنِها ونزارِها؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمها كُلّها (٣) ، وكان قد أُوتيَ جوامعَ الكلم. وإلى هذا ذهَب أبو عُبيدٍ (٤) في تأويلِ هذا الحديثِ، قال: ليس معنَاه أنْ يُقرأ الحرفُ (٥) على سبعةِ أوجُهٍ، هذا شيءٌ غيرُ موجودٍ، ولكنَّه عندَنا أنَّه نزَل على سبع لغاتٍ مُفترقةٍ في جميع القرآنِ من لغاتِ العربِ، فيكونُ الحرفُ منها بلغةِ قبيلةٍ، والثاني بلغةِ قبيلةٍ أُخرَى سوَى الأولى، والثالثُ بلغةِ أُخرَى سواهما، كذلك إلى السبعةِ. قال: وبعضُ الأحياءِ أسعدُ بها وأكثرُ حظًّا فيها من بعض. وذكر حديثَ

    vol. 5, p. 587ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ، أنَّ عثمانَ قال لهم حينَ أمَرهم أن يكتبوا المصاحفَ: ما اختلفتُم أنتم وزيدٌ (١) فاكتُبوهُ بلسانِ قُريشٍ، فإنَّه نزَل بلسانِهم (٢) . وذكر حديثَ ابنِ عباسٍ أنَّه قال: نزَل القرآنُ بلغةِ الكعبَيْن: كعبِ قُريشٍ، وكعبِ خُزاعةَ. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأنَّ الدارَ واحدةٌ (٣) . قال أبو عُبيدٍ: يعني أنَّ خُزاعةَ جيرانُ قُريشٍ، فأخَذوا بلغتِهم، وذَكَروا (٤) أخبارًا قد ذكرْنَا أكثرَها في هذا الكتاب، والحمدُ للّه.

    وقال آخرونَ: هذه اللُّغاتُ كلُّها السبعةُ إنَّما تكونُ في مُضَرَ، واحتجُّوا بقولِ عثمانَ: نزَل القرآنُ بلسانِ مُضَرَ. وقالوا: جائزٌ أنْ يكونَ منها لقريشٍ، ومنها لكِنانةَ، ومنها لأسَدٍ، ومنها لهُذيلٍ، ومنها لتميم، ومنها لضبَّةَ، ومنها لقيسٍ، فهذه قبائلُ مُضَرَ، تستوعبُ سبعَ لُغاتٍ على هذه المراتبِ. وقد رُويَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يحبُّ أن يكونَ الذين يكتُبونَ المصاحفَ من مُضَرَ (٥) .

  18. وأنكرَ آخرونَ أن تكونَ كلُّها في مُضَرَ، وقالوا: في مُضَرَ شواذُّ لا يجوزُ أن يُقرأَ القرآنُ عليها، مثلُ: كشكشةِ قيسٍ، وعنعنةِ تميم.

  19. فأمَّا كشكشةُ قيسٍ، فإنَّهم يجعلونَ كافَ المؤنَّثِ شِينًا فيقولونَ في: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم: ٢٤] : (جعلَ رَبُّشِ تحتشِ سريًّا) .

    vol. 5, p. 588
  20. وأمَّا عنعنةُ تميم، فيقولونَ في "أنْ" : "عنْ" ، فيقُولُون: (عسى اللهُ عنْ يأتيَ بالفتح) . وبعضُهم يُبدِلُ السِّينَ تاءً، فيقولُ في "الناس" : النَّات، وفي "أكياس" : أكيَات. وهذه لُغاتٌ يُرغَبُ بالقرآنِ عنها، ولا يُحفظُ عن السَّلف فيه شيءٌ منها.

    وقال آخرون: أمَّا بَدَلُ الهمزَةِ عيْنًا، وبَدَلُ حُروفِ الحلْقِ بعضِها من بعضٍ، فمشهورٌ عن الفُصحاءِ، وقد قرأ به الجِلَّةُ، واحتجُّوا بقراءةِ ابنِ مسعودٍ: (ليسجُنُنَّه عتَّى حينٍ) (١) . وبقولِ ذي الرُّمَّةِ (٢) :

    فعيناكِ عينَاهَا وجيدُكِ جيدُها ... ولونُكِ إلَّا عَنَّها غيرُ عاطِلِ

    يريدُ: إلَّا أنَّها.

  21. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا الحسَنُ بنُ عليٍّ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا هُشيم، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمن بنِ كعبٍ الأنصاريِّ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّه كان عندَ عُمرَ بنِ الخطابِ، فقرأ رجل: (مِن بعدِ ما رأوُا الآياتِ ليسجُنُنَّه عتَّى حينٍ) ، فقال عُمرُ: مَن أقرأكها؟ قال: أَقْرأَنِيها ابنُ مسعودٍ، فقال له عمرُ: {حَتَّى حِينٍ} [يوسف: ٣٥] .

  22. وكتَب إلى ابن مسعودٍ: أمَّا بعدُ، فإنَّ اللهَ أنزلَ القرآنَ بلسانِ قريشٍ، فإذا أتاكَ كتابي هذا، فأقرئ الناسَ بلغةِ قُريشٍ، ولا تُقرِئْهم بلغةِ هُذَيلٍ، والسلام (١) .

    vol. 5, p. 589
  23. ويَحتملُ أنْ يكونَ هذا من عمرَ على سبيلِ الاختيارِ، لا أنَّ ما قرأبه ابنُ مسعودٍ لا يجوزُ، وإذا أُبيحَ لنا قراءتُه على كلِّ ما أُنزلَ، فجائزٌ الاختيارُ فيما أُنزلَ عندي، واللّهُ أعلم.

  24. وقد رُويَ عن عثمانَ بنِ عفانَ مثلُ قولِ عمرَ هذا؛ أنَّ القرآنَ نزَل بلغةِ قُريشٍ، بخلافِ الروايةِ الأولى، وهذا أثبَتُ عنه؛ لأنَّه من روايةِ ثقاتِ أهلِ المدينة.

  25. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٢) : أخبرَنا هيثمُ (٣) بنُ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال ابنُ شهابٍ: وأخبرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ حذيفةَ قدِمَ على عثمانَ، وكان يُغازي أهلَ الشام مع أهلِ العراقِ في فتح إرْمِينيةَ، وأذربيجانَ، فأفزعَ حذيفةَ اختلافُهم في القرآنِ، فقال لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمَّةَ قبلَ أنْ يختلفوا في الكتابِ كما اختلَف اليهودُ والنصارى. فأرسلَ عثمانُ إلى حَفْصَةَ: أنْ أرسلي إليَّ بالصُّحفِ ننسَخْها في المصاحِفِ، ثم نردَّها إليكِ. فأرسلَتْ بها إليه، فأمَر زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبدَ الله بنَ الزبيرِ، وسعيدَ بنَ العاص،

    vol. 5, p. 590وعبدَ الرحمنِ بنَ الحارثِ بنِ هشام، أن اكتُبوا الصُّحُفَ في المصاحفِ، وإن اختلَفتُم وزيدَ بنَ ثابت في شيءٍ من القرآنِ فاكتبُوه بلغةِ قُريش، فإنَّ القرآنَ أُنزلَ بلسانِهم. ففعَلوا، حتى إذا نسَخوا الصُّحف ردَّ عثمانُ الصُّحُفَ إلى حفصةَ، وأرسلَ إلى كلِّ أُفُقٍ مُصحفًا.

    قال أبو عُمر: قولُ من قال: إنَّ القرآنَ نزَل بلغةِ قُريشٍ. معناه عندي: في الأغلب، واللّهُ أعلمُ؛ لأنَّ غيرَ لغةِ قريشٍ موجودةٌ في صحيح القراءات، من تحقيقِ الهمزَاتِ ونحوِها، وقريشٌ لا تهمزُ.

  26. وقد روى الأعمشُ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، قال: أُنزِل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ، صار في عَجُزِ هوازنَ منها خمسةٌ (١) . قال أبو حاتم: عَجُزُ هَوازِنَ: ثقيفٌ، وبنُو سعدِ بنِ بكرٍ، وبنُو جُشَمَ، وبنُو نَصْرِ بنِ مُعاوية. قال أبو حاتم: خُصَّ هؤلاء دونَ ربيعةَ وسائرِ العربِ؛ لقربِ جوارِهم من مولدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومنزلِ الوحي، وإنَّما مُضَرُ ورَبيعةُ أخَوانِ. قال: وأحبُّ الألفاظِ واللُّغَاتِ إلينا أن يُقرَأ بها، لُغاتُ قُريشٍ، ثم أدناهم من بُطونِ مُضر (٢) .

  27. وقد رُويَ عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ أنَّه قال: أُنزل القرآنُ على لُغةِ هذا الحيِّ من ولدِ هَوازنَ وثقيفٍ (٣) .

    vol. 5, p. 591وقال الكلبيُّ في قوله: "أُنْزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ" ، قال: خمسة منها لهوازِن، وحرفانِ لسائرِ الناس.

  28. وأنكَرَ أكثرُ أهلِ العلم أن يكونَ معنَى حديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أُنزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ" : سبعَ لُغَات. وقالوا: هذا لا معنَى له؛ لأنَّه لو كان ذلك لم يُنكِرِ القومُ في أوَّلِ الأمرِ بعضُهم على بعض، لأنَّه مَن كانت لُغتُه شيئًا قد جُبِلَ وطُبعَ عليه، وفُطِرَ به، لم يُنكَرْ عليه.

  29. وفي حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ المذكورِ في هذا البابِ، ردُّ قولِ مَن قال: سبعُ لُغَاتٍ؛ لأنَّ عُمرَ بنَ الخطابِ قُرشيٌّ عدَويٌّ، وهشامَ بنَ حكيم بنِ حزام قُرشيٌّ أسَديٌّ، ومحالٌ أنْ يُنكرَ عليه عُمرُ لُغتَه، كما مُحالٌ أنْ يُقرئَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - واحدًا منهما بغيرِ ما يعرِفُ من لُغَتِه، والأحاديثُ الصِّحاحُ المرفوعةُ كلُّها تدلُّ على نحوِ ما يدلُّ عليه حديثُ عُمرَ هذا.

    وقالوا: إنَّما معنَى السبعةِ الأحرفِ: سبعةُ أوجُهٍ من المعاني المتَّفِقَةِ المتَقاربةِ، بألفاظٍ مخُتلفةٍ، نحوَ: أقبِلْ، وهلُمَّ، وتعالَ. وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلم.

  30. فأمَّا الآثارُ المرفوعةُ، فمنها ما حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا أبو العباسِ تميمٌ (١) ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا سُحنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني سليمانُ بنُ بِلالٍ، عن يزيدَ بنِ خُصيفةَ، عن بُسْر بنِ سعيدٍ، أنَّ أبا جُهيم الأنصاريَّ أخبرَه، أنَّ رَجُلَيْن اختلَفا في آيةٍ من القرآنِ، فقال هذا: تلقَّيْتُها من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال الآخرُ: تلقَّيْتُها من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

  31. فسئلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فقال: "إنَّ القرآنَ أُنْزِل على سبعةِ أحرفٍ، فلا تمُاروا في القرآنِ؛ فإنَّ المراءَ فيه كُفر" (١) .

    vol. 5, p. 592
  32. وروى جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن مُغيرةَ، عن واصلِ بنِ حَيَّانَ، عن عبدِ الله بن أبي الهُذَيل، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ، لكلِّ آيةٍ منها ظَهرٌ وبَطنٌ، ولكلٍّ حدٌّ مطَّلَعٌ" (٢) (٣) .

  33. وروى حمَّادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبرني حُميدٌ، عن أنسٍ، عن عُبادةَ بنِ الصامِتِ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أُنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ" (٤) .

  34. وروى همَّامُ بنُ يحيى، عن قَتادةَ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن سُليمانَ بنِ صرَدٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبِ، قال: قرأ أُبيّ آيةً، وقرَأ ابنُ مسعودٍ آيةً خلافَها، وقرَأ رجلٌ آخَرُ خلافَهما، فأتَيْنا النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ: ألم تقرأْ آيةَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ وقال ابنُ مسعودٍ: ألم تقرأْ آيةَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّكم مُحسنٌ مُجمِلٌ" . قال: فقلتُ: ما كُلُّنا أحسنَ ولا أجملَ. قال: فضرَب صدري وقال: "يا أُبيُّ، إنِّي أُقرِئْتُ القرآنَ، فقلتُ: على حرفٍ أو حرفينِ؟ فقال ليَ الملَكُ الذي عندي: على حرفين. فقُلتُ: على حَرْفَيْنِ أو ثلاثةٍ؟ فقال الملَكُ الذي معي: على ثَلاثةٍ. فقُلتُ: على ثلاثةٍ، هكذا حتى بلَغ سبعةَ أحرفٍ، ليس منها إلَّا شافٍ كافٍ، قُلتَ: غفورًا رحِيمًا. أو قُلتَ: سميعًا حكيمًا. أو قُلتَ: عليمًا حكيمًا، أوْ عزيزًا حكيمًا. أيَّ ذلك فإنه كذلك" . وزاد بعضُهم في هذا الحديثِ: "ما لم تختِمْ عذابًا برحمةٍ، أو رحْمةً بعَذابٍ" (١) .

    قال أبو عُمر: أمَّا قولُه في هذا الحديث: "قُلْتَ: سميعًا عليمًا، أو غَفُورًا رحيمًا، أو عَلِيمًا حكيمًا" . فإنَّما أراد به ضربَ المثلِ للحروفِ التي نزَل القرآنُ عليها، أنَّها معانٍ مُتَّفِقٌ مفهومُها، مُختلِفٌ مسموعُها، لا يكونُ في شيءٍ منها معنًى وضدُّه، ولا وجْهٌ يُخالفُ معنى وجهٍ خلافًا ينفِيه ويضادُّه، كالرَّحمةِ التي هي خلافُ العذابِ وضدُّه، وما أشبَهَ ذلك.

    vol. 5, p. 593
  35. وهذا كلُّه يَعضُدُ قولَ مَن قال: إن معنَى السبعةِ الأحرفِ المذْكُورة في الحديث:

    vol. 5, p. 594سبعةُ أوجُهٍ مِن الكلام المتَّفِقِ معناه، المخْتَلِفِ لفظُه، نحوَ: هلمَّ، وتعالَ، وعَجِّلْ، وأسرعْ، وأنْظِرْ، وأخِّرْ، ونحوَ ذلك. وسنُوردُ مِن الآثارِ وأقْوالِ علماءِ الأمصارِ في هذا البابِ ما يَبِينُ لك به أنَّ ما اختَرناه هو الصوابُ فيه، إن شاء اللهُ، وأنَّه أصحُّ مِن قولِ مَن قال: سبعُ لُغَاتٍ مُفترقَاتٍ، لما قدَّمنا ذكرَه، ولما هو موجودٌ في القرآنِ بإجماع، من كثرةِ اللُّغَاتِ المفْتَرِقاتِ فيه، حتى لو تُقصِّيَتْ لكثُرَ عددُها، وللعلماءِ في لُغاتِ القرآنِ مُؤلَّفاتٌ تشهَدُ لما قُلْنا.

  36. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشر، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أُنزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ؛ غفورًا رحيمًا، عزيزًا حكيمًا، عليمًا حكيمًا" ، وربَّما قال: "سميعًا بصيرًا" (١) .

  37. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن سُقَيْرٍ العبديِّ، عن سُليمانَ بنِ صُردٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: سمِعتُ رجلًا يقرأُ، فقلتُ: مَن أقرأكَ؟ فقال: رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -،

    vol. 5, p. 595فقلتُ: انطلِقْ إليه. فانطلَقْنا إليه، فقلتُ: استَقْرِئْه يا رسولَ الله، قال: "اقرأ" ، فقرأ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحسَنْتَ" ، فقلتُ: أو لم تُقْرئْني كذا وكذا؟ قال: "بلى، وأنت قد أحسَنْتَ" ، فقلتُ بيَدِي: قد أحسنْتَ! قد أحسنْتَ! قال: فضرَبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بيدِه في صَدْرِي ثمَّ قال: "اللهمَّ أذهِبْ عن أُبَيٍّ الشَّكَّ" . قال: ففِضْتُ عرقًا، وامتلأ جوفي فَرَقًا. قال: فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "يا أُبيُّ، إنَّ ملكينِ أتياني، فقال أحدُهما: اقرأْ على حَرْفٍ. قال الآخرُ: زِدْه. قُلْتُ: زدني. قال: اقرأ على حَرْفَيْن. قال الآخرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرَأ على ثلاثةِ أحرفٍ. قال الآخرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرَأ على أربعةِ أحرفٍ. قال الآخرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرأ على خمسةِ أحرفٍ. قال الآخرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرأ على ستَّةِ أحرفٍ. قال الآخَرُ: زِدْه. قُلتُ: زدني. قال: اقرأ على سبعةِ أحرفٍ. فالقرآنُ أُنزلَ على سبعةِ أحرف" (١) .

  38. وقرأتُ على أبي القاسم خلفِ بنِ القاسم، أنَّ أبا الطَّاهرِ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ عبدِ الله بنِ بُجَيْرٍ (٢) القاضِيَ بمصرَ أملى عليهم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ جعفرُ بنُ

    vol. 5, p. 596محمدِ بنِ الحسنِ الفِرْيابيُّ القاضِي، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ النُّفيْليُّ، قال: قرأتُ على معقلِ بنِ عبيدِ الله، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: أقرأني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سُورةً، فبَيْنا أنا في المَسجِدِ إذْ سمِعتُ رجلًا يقرؤُها بخلافِ قراءتي، فقلتُ: مَن أقرأكَ هذه السورةَ؟ فقال: رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. فقلتُ: لا تُفارقْني حتى نأتيَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتينَاه، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ هذا قد خالفَ قراءتي في هذه السُّورةِ التي علَّمْتَني، فقال: "اقرأ يا أُبيُّ" ، فقرأتُ، فقال: "أحسنْتَ" . فقال للآخر: "اقرأ" ، فقَرَأ بخلافِ قراءتي، فقال له: "أحسنْتَ" . ثم قال: "يا أُبيُّ، إنَّهُ أُنزلَ على سبعةِ أحرف، كُلُّها شافٍ كافٍ" . قال: فما اختلجَ في صدري شيءٌ مِن القرآنِ بعدُ (١) .

  39. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمر (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جُحادةَ، عن الحكم بنِ عُتيبةَ، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلَى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتَى جبريلُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو بأضاةِ بني غِفارٍ (٣) ، فقال: إنَّ اللهَ يأمُرُكَ أنْ تُقرئ أُمَّتَك على حرفٍ واحد. قال: فقال: "أسألُ اللهَ

    vol. 5, p. 597مغفرتَه ومعافاتَه - أو قال: مُعافاتَه ومغفرتَه - سلْ لهم التَّخفيفَ، فإنَّهم لا يُطيقونَ ذلكَ ". فانطلقَ، ثم رجعَ فقال: إنَّ اللهَ يأمرُكَ أنْ تُقرئَ أُمَّتَكَ القرآنَ على حرفينِ. فقال: " أسألُ اللهَ مغفرتَه ومُعافاتَه - أو: مُعافاتَه ومَغْفِرَتَه - إنَّهم لا يُطيقونَ ذلِكَ " (١) ، ثم رجَع فقال: إنَّ الله يأمُرُكَ أنْ تُقرئَ أُمَّتَكَ القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. قال: " أسألُ اللهَ مغفرتَه ومعافاتَه - أو مُعافاتَه ومغفرتَه - إنَّهم لا يُطيقونَ ذلكَ، فسلْ لهمُ التَّخفيفَ ". فانطلَق، ثم رجَع فقال: إنَّ اللهَ يأمرُكَ أنْ تُقرئَ أُمَّتَكَ القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فمنْ قرأ منها حرفًا فهو كما قرأ (٢) . ورُويَ حديثُ أُبيِّ بنِ كعبٍ هذا من وُجُوه.

  40. والسُّورةُ التي أنكرَ فيها أُبيٌّ القراءةَ سُورةُ "النَّحلِ". ذكر ذلك اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن هشام بنِ سعدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعب. وساقَ الحديثَ (٣) . ورُويَ ذلك من وُجُوه.