مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 20 of 79
- vol. 9, p. 50
وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَرْدِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هارُونُ بن سَعيدِ بن الهيثم، قال: حدَّثنا خالدُ بن
vol. 9, p. 51نِزارٍ، عن إبراهيمَ بن طَهْمان، عن مالكٍ ومنصُورٍ ومحمدِ بن عبيدِ الله (١) وأيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أَتَى الجُمُعةَ فلْيَغتسِلْ" (٢) .
-
وحدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله (٣) بن جَعْفرٍ والحسنُ بن رشيقٍ والعبّاسُ بن مطروح الأزديُّ، قالوا: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن جعفرٍ الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ وإسماعيلُ، وقرأتُ (٤) على عبدِ الله بن نافع، قالوا: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغتسِلْ" .
-
رَوَى هذا الحديثَ عن نافع جماعةٌ.
-
ورواهُ أيضًا سالمٌ، عن ابنِ عُمرَ، من حديثِ ابنِ شهاب (٥) .
-
ومنهُم من يرويهِ عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وقد رواهُ بُكَيرُ بن الأشجِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ (٦) .
-
حدَّثنا خَلَفُ بن القاسم بن سَهْلٍ الحافِظُ، قال: حدَّثنا الحُسَينُ بن جعفرٍ الزَّيّاتُ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن مَسْلمةَ بن قَعْنَب (٧) ،
vol. 9, p. 52قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (١) .
-
ومِمَّن روى هذا الحديثَ عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
مالكٌ، وأيُّوبَ، وعُبيدُ الله (٢) ، وابنُ جُريج (٣) ، وعبدُ العزيزِ بن أبي (٤) روّاد (٥) ، ومنصُورُ بن المُعْتمِرِ، واللَّيثُ بنُ سعد (٦) ، ومالكُ بن مِغْول (٧) ، والضَّحّاكُ بن عُثْمانَ (٨) ، وليثُ بن أبي (٩) سُلَيم، وحجّاجُ بن أرْطاةَ، وأشْعَثُ، كلُّهُم عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" .
- vol. 9, p. 53
ورواهُ مَعْمر والأوزاعيُّ وابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جاءَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (١) .
-
ورواهُ الزُّبيديُّ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، أنَّهُ أخبرَهُ، عن أبيهِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" (٢) .
-
ورَوَى يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ، بينما هُو يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذْ جاءَ رجُلٌ فجَلَسَ، فقال عُمرُ: لمَ تَحْتبِسُونَ عن الجُمُعةِ؟ فقال الرَّجُلُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما هُو إلّا أن سَمِعتُ النِّداءَ، فتوضَّأتُ، ثُمَّ أقْبَلتُ. فقال عُمرُ: والوُضُوءُ أيضًا؟ ألَمْ تسمَعْ أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جاء (٣) أحدُكُم إلي الجُمُعةِ فلْيغتسِلْ" (٤) .
-
ورَوْى مَعْمرٌ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينما هُو قائمٌ يومَ الجُمُعةِ يخطُبُ. فذكَرَ مِثلَ هذا سواءً، قال في آخِرِهِ: والوُضُوءُ أيضًا، وقد علِمتَ أنَّ رسُولَ الله كان يأمُرُ بالغُسلِ؟
-
وقد رواهُ جماعةٌ، عن ابنِ شِهابٍ كذلك مُسندًا.
-
واختُلِف فيه عن مالكٍ، فرواهُ عنهُ جُمهُورُ أصحابِهِ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، أنَّ عُمرَ، مُرسلًا.
-
ورواهُ بعضُهُم عنهُ، عن ابنِ شِهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمر، أنَّ عُمرَ، مُتَّصِلًا.
- vol. 9, p. 54
وقد ذكَرْنا ذلك كلَّهُ في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، من كِتابِنا هذا، وذكَرْنا كثيرًا من أسانيدِ هذه الآثارِ هُناك، واسْتَوعبنا القولَ في وُجُوبِ غُسْلِ الجُمُعةِ وسُقُوطِهِ، ومن رآهُ سُنَّةً، وكيفَ الوجهُ فيه بما للعُلماءِ في ذلك من المذاهبِ هُنالِك أيضًا، فلا وجهَ لإعادةِ شيءٍ من ذلكَ هاهُنا.
-
وأمّا حديثُ ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ في هذا البابِ؛ فحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحْوَصِ، قالا جميعًا: حدَّثنا يزيدُ بن خالدِ بن مَوْهَبٍ الرَّمليُّ (٢) ، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فَضالةَ، عن عيّاشِ بن عبّاس، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن حَفْصةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ (٣) قال: "على كلِّ مُحتلِم الرَّواحُ إلى الجُمُعةِ، وعلى من راحَ إلى الجُمُعةِ الغُسْلُ" .
قال أبو عُمرَ: هذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّ الغُسلَ إنَّما يجِبُ عندَ الرَّواح، وكذلك قولُهُ عليه السَّلامُ: "من جاءَ مِنكُم الجُمُعةَ فلْيغتسِلْ" ، و "إذا جاءَ أحدُكُم الجُمُعةَ (٤) فلْيغتسِلْ" . وهذا اللَّفظُ إنَّما يُوجِبُ الغُسْلَ عندَ الرَّواح، على ظاهِرِهِ، واللّه أعلمُ.
- vol. 9, p. 55
وهذا مَوْضِعٌ اختلَفَ العُلماءُ فيه (١) ، فذهَبَ مالكٌ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ، على اختِلافٍ عنهُ، إلى أنَّ الغُسلَ لا يكونُ للجُمُعةِ إلّا عندَ الرَّواح إليها، مُتَّصلًا بالرَّواح.
-
وقد رُوي عن الأوزاعيِّ: أَنَّهُ يُجزِئُهُ أن يغتسِلَ قبلَ الفجرِ للجَنابةِ والجُمُعةِ.
-
وذهبَ الشّافعيُّ وأبو حنيفةَ والثَّوريُّ، إلى أنَّ منِ اغتسَلَ للجُمُعةِ بعدَ الفجرِ، أجْزَأهُ من غُسْلِها. وهُو قولُ الحسنِ البصريِّ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ (٢) . وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، والطَّبريُّ. وهُو قولُ عبدِ الله بن وَهْب صاحِبِ مالكٍ.
وقال أبو يوسُفَ (٣) : إذا اغتسلَ بعد الفَجْرِ، ثُمَّ أحدَثَ فتوضَّأ، ثُمَّ شهِدَ الجُمُعةَ، لم يكُن كمَنْ شهِد الجُمُعةَ على غُسلٍ.
قال أبو يوسُف: إن كان الغُسلُ ليوم، فاغتسلَ بعد الفَجْرِ، ثُمَّ أحدَثَ فصلَّى الجُمُعةَ بوُضُوءٍ، فغُسلُهُ تامٌّ، وإن كان الغُسلُ للصَّلاةِ، فإنَّما شهِدَ الجُمُعةَ على وُضُوء.
وقال مالكٌ: مَنِ اغتسَلَ للجُمعةِ (٤) عندَ الرَّواح، ثُمَّ أحدَثَ فتوضَّأ وشهِدَ الجُمُعةَ، أجزأهُ غُسلُهُ، وإنِ اغتسلَ أوَّل النَّهارِ ويُريدُ به الجُمُعةَ، لم يُجزِئه من غُسلِ الجُمُعةِ.
وقال الثَّوريُّ: إذا اغتسلَ يومَ الجُمُعةِ من جَنابةٍ أو غيرِها أجْزَأهُ من غُسلِ الجُمُعةِ. فهذا يدُلُّ على أنَّ الغُسلَ عندَهُ لليوم، لا للرَّواح إلى الجُمُعةِ.
vol. 9, p. 56وقال الأوزاعيُّ: الغُسلُ هُو للرَّواحُ (١) إلى الجُمُعةِ، فإنِ اغتسلَ لغيرِهِ بعدَ الفجرِ، لم يُجزِئه من الجُمُعةِ.
وقال الشّافِعيُّ: الغُسلُ للجُمُعةِ سُنَّةٌ، فمنِ اغتسَلَ بعد الفجرِ للجَنابةِ ولها، أجزأهُ، وإن اغتسَلَ (٢) لها دُونَ الجَنابةِ وهُو جُنُبٌ لم يُجزِئه.
وقال عبدُ العزيزِ بن أبي سَلمةَ الماجِشُونُ: إذا اغتسَلَ، ثُمَّ أحدثَ، أجْزَأهُ الغُسلُ.
-
فهذا يُشبِهُ مذهبَ مالكٍ، ويُشبِهُ مذهبَ الثَّوريِّ.
قال أبو عُمرَ: حُجَّةُ من جعلَ الغُسلَ للرَّواح، مُتَّصِلًا به، حديثُ ابنِ عُمرَ هذا، وحديثُ حَفْصةَ المذكُورُ في هذا البابِ، وحُجَّةُ من جعلَ الغُسلَ لليوم، حديثُ جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الغُسلُ واجِبٌ على كلِّ مُسلِم، في كلِّ أُسبُوع يومًا، وهُو يومُ الجُمُعةِ" ؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً مِنِّي عليه، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكرهُ حرفًا بحرف (٣) .
- vol. 9, p. 57
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ وغيرِهِ: "غُسلُ يوم الجُمُعةِ واجِبٌ" ، فقد مَضَى القولُ في سُقُوطِ وُجُوبه من جِهةِ الأثرِ (١) والنَّظرِ بالدَّلائلِ الواضِحةِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سالم، من كِتابِنا هذا. والأصلُ أنْ لا فرضَ إلّا بيقينٍ.
-
وأمّا من ذهَبَ إلى أنَّ الغُسلَ لليَوم، فليسَ بشيءٍ، لإجماعِهِم على أنَّهُ لوِ اغتسَلَ بعد الجُمُعةِ في باقي اليوم لم يكُن مُغتسِلًا، وأنَّهُ غيرُ مُصيبٍ في فِعلِهِ، فدلَّ هذا على أنَّ الغُسلَ للرَّواح إلى الصَّلاةِ.
-
وإذا حُمِلتِ الآثارُ على هذا صحَّتْ ولم تتعارَضْ، فهذا أوْلى ما في هذا البابِ.
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: سُئلَ أحمدُ بن حَنْبل، عن الذي يغتسِلُ سحرًا للجُمُعةِ (٢) ثُمَّ يُحدِثُ، أيغْتسِلُ أم يُجزِئُهُ الوُضُوءُ؟ فقال: يُجزِئُهُ الوضوء، ولا يُعيدُ الغُسلَ. ثُمَّ قال: ما سمِعتُ في هذا (٣) أعلى من حديثِ ابنِ أبْزَى (٤) .
قال أبو بكرٍ: حدَّثناهُ أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٥) : حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، عن سَعيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبْزَى، عن أبيهِ: أَنَّهُ كان يغتسِلُ يومَ الجُمُعةِ، ثُمَّ يُحدِثُ بعدَ الغُسلِ، فيتوضَّأُ، ولا يُعيدُ غُسْلًا.
-
وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ غُسلَ الجُمُعةِ ليسَ بواجِبٍ، إلَّا طائفةً من أهْلِ الظّاهِرِ قالوا بوُجُوبِهِ، وشَدَّدُوا في ذلك، وأمّا سائرُ العُلماءِ والفُقهاءِ، فإنَّما هُم فيه على قولينِ، أحدُهُما: أَنَّهُ سُنَّةٌ، والآخرُ: أَنَّهُ مُستحبٌّ، وأنَّ الأمرَ به كان لعِلَّةٍ فسقَطَ، والطِّيبُ
vol. 9, p. 58يُجزِئُ عنهُ. وقد بيَّنّا هذه المعانيَ من أقوالِهِم فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا عِند ذِكرِ حديثِ ابنِ شِهاب، عن سالم.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ فيمنِ اغتسلَ للجُمُعةِ وهُو جُنُبٌ، ولم يذكُر جَنابتَهُ. فذَهَبت طائفةٌ من أهلِ العِلم، إلى أنَّ ذلكَ يُجزِئُ من غُسْلِ الجنابةِ، وإن لم ينوِ الجَنابةَ وكان ناسيًا لها، ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا من أصحابِ مالك (١) : ابنُ كِنانةَ، وأشْهَبُ، وابنُ وَهْب، ومُطرِّفٌ، وابنُ نافع. وهؤُلاءِ من جلَّةِ أصحابِ مالكٍ. وبه قال أبو (٢) إبراهيم المُزنيُّ صاحِبُ الشّافِعيِّ، وإليه ذهَبَ (٣) .
وقالت طائفةٌ أُخرَى من أهلِ العِلم: إنَّ ذلكَ لا يُجزِئُهُ حتَّى يَنْويَ غُسلَ الجَنابةِ، ويكونَ ذاكِرًا لجَنابتِهِ، قاصِدًا إلى الغُسلِ منها. ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: ابنُ القاسم، وحَكاهُ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ وأكثرِ أصحابِهِ، وإليه ذهَبَ داودُ بن عليٍّ.
-
ولم يختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ منِ اغتسلَ للجنابةِ لا يَنْوي الجُمُعةَ مَعَها، أَنَّهُ غيرُ مُغتسِلٍ للجُمُعةِ، ولا يُجزِئُهُ من غُسلِ الجُمُعةِ، إلّا شيءٌ رُوي عن أشْهَب بن عبدِ العزيزِ، أَنَّهُ قال: يُجزئهُ غُسلُ الجنابةِ من غُسلِ الجُمُعةِ. ذكرهُ محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحكم، عن أشهب. وكذلكَ ذكر البرقيُّ، عن أشْهَبَ.
-
وقال عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ، والثَّوريُّ، والشّافِعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ، والطَّبريُّ: المُغتسِلُ للجنابةِ يوم الجُمُعةِ يُجزِئُهُ من غُسلِ الجُمُعةِ، ومِن الجَنابةِ جميعًا، إذا نوى غُسلَ الجنابةِ، وإن لم ينوِ الجُمُعةَ.
- vol. 9, p. 59
وأجمعُوا أنَّ منِ اغتسَلَ ينوي الغُسلَ للجنابةِ وللجُمُعةِ جميعًا في وَقْتِ الرَّواح، أنَّ ذلك يُجزِئُهُ منهُما جميعًا، وأنَّ ذلكَ لا يقدحُ في غُسلِ الجَنابةِ، ولا يضُرُّهُ اشتِراكُ النِّيَّةِ في ذلك، إلّا قومًا من أهْلِ الظّاهِرِ شَذُّوا، فأفْسَدُوا الغُسلَ إذا اشْتَركَ فيه الفَرْضُ والنَّفلُ. وقد رُوِيَ مِثلُ هذا في رِوايةٍ شَذَّت، عن مالك، وللحجةِ عليهم موضعٌ غيرُ هذا (١) .
قال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: رجُلٌ اغتسَلَ يومَ الجُمُعةِ من جَنابةٍ يَنْوي به غُسلَ الجُمُعةِ، فقال: أرجُو أن يُجزِئَهُ منهُما جميعًا. فقلتُ لهُ: يُروى عن مالكٍ أنَّهُ قال: لا (٢) يُجزِئُهُ عن (٣) واحدٍ منهُما، فأنكرهُ.
قال أبو بكرٍ: حدَّثنا أحمدُ بن أبي شُعَيب، قال: حدَّثنا موسى، وهُو ابنُ أعْيَنٍ، عن الليث، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يغتسِلُ للجُمُعةِ والجَنابةِ غُسلًا واحدًا (٤) .
- vol. 9, p. 60
حديثٌ ثامِنٌ وعِشرُونَ لنافع، عن ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله (٢) بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رأى بُصاقًا في جِدارِ القِبْلةِ فحكَّهُ، ثُمَّ أقبلَ على النّاسِ، فقال: "إذا كان أحدُكُم يُصلِّي، فلا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجهِهِ، فإنَّ اللهَ قِبَلَ وجهِهِ إذا صَلَّى" .
-
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إزالةُ ما يُسْتقذرُ وما يُتَنزَّهُ عنهُ ويُتقزَّزُ منهُ من المسجدِ، وأن يُنظَّفَ.
-
وإذا كان رسُولُ الله يحُكُّ البُصاقَ من حائطِ المَسْجِد من قِبْلَته (٣) ، فكَنسُهُ وتَنْظيفُهُ وكِسوَتُهُ يدخُلُ في معنى ذلك.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ للمُصلِّي أن يبصقَ وهُو في الصَّلاةِ، إذا لم يبصقْ قِبلَ وجهِهِ، ولا يَقْطعُ ذلك صِلاتَهُ، ولا يُفسِدُ شيئًا منها إذا غَلبهُ ذلك واحتاج إليه، ولا يبصُقْ قِبَلَ وجهِهِ ألْبتَّةَ، ولكِنْ يبصقُ في ثوبِهِ، وتحت قدَمِهِ، على ما ثبتَ في الآثارِ.
-
وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ العملَ القليلَ في الصَّلاةِ لا يضُرُّها.
-
وفي إباحَةِ البُصاقِ في الصَّلاةِ لمن غَلَبهُ ذلك، دليلٌ على أنَّ النَّفخَ، والتَّنحنحَ (٤) في الصَّلاةِ إذا لم يَقْصِد به صاحِبُهُ اللَّعِبَ والعَبَث، وكان يَسِيرًا، لا يضُرُّ المُصلِّي في صلاتِهِ، ولا يُفسِدُ شيئًا منها؛ لأَنَّهُ قلَّما يكونُ بُصاقٌ إلّا ومَعهُ شيءٌ من النَّفخ والنَّحنحةِ.
- vol. 9, p. 61
والبُصاقُ، والنُّخامةُ، والنُّخاعةُ، كلُّ ذلك مُتقارِبٌ، وقد فسَّرنا ذلك في بابِ هشام بن عُروةَ، من هذا الكِتابِ. والتَّنخُّعُ والتَّنخُّمُ، ضربٌ من التَّنحنُح.
-
ومعلُومٌ أنَّ للتَّنخُّم صوتًا (١) كالتَّنحنُح، ورُبَّما كان معَهُ ضربٌ من النَّفخ عندَ القَذْفِ بالبُصاقِ، فإنْ قصدَ النّافِخُ أوِ المُتنحنِحُ في الصَّلاةِ بفِعلِهِ ذلك اللَّعِبَ، أو شيئًا من العَبَثِ، أفسَدَ صلاتَهُ.
-
وأمّا إذا كان نفخُهُ تأوُّهًا من ذِكرِ النّارِ، إذا مرَّ به ذِكرُها في القُرآنِ وهُو في الصَّلاة (٢) ، فلا شيءَ عليه.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ في هذا المعنى من هذا البابِ (٣) ، فكان مالكٌ يكرهُ النَّفخَ في الصَّلاةِ، فإن فَعَلهُ فاعِلٌ لم يقطعْ صلاتَهُ، ذكَرهُ ابنُ وَهْب، عن مالك (٤) .
-
وذكر ابنُ خُوَيْز مَنْداد، قال: قال مالكٌ: التَّنحنُحُ والنَّفخُ والأنينُ في الصَّلاةِ لا يقطعُ الصلاةَ؛ رَواهُ ابنُ عبدِ الحكم، قال: وقال ابنُ القاسم: ذلك يقطعُ الصَّلاةَ. يعني النَّفخَ، والتَّنحنُح.
وقال الشّافِعيُّ: كلُّ ما كان لا يُفهمُ منهُ حُرُوفُ الهِجاءِ، فليسَ بكلام، ولا يَقْطعُ الصلاةَ إلّا الكلامُ.