مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 39 of 79
- vol. 9, p. 273
وأجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ السَّرِقةَ إذا وجَدَها صاحِبُها بعَينِها بيَدِ السّارِقِ، قبلَ أن يُقطَعَ، أو بعدَ ذلكَ: فلهُ (٥) أخْذُها، وأنَّها مالُهُ، لا يُزيلُ مِلْكَها عنهُ قَطْعُ يَدِ السّارِقِ.
-
واختَلفُوا في وُجُوبِ الغُرْم على السّارِقِ إذا قُطِعَ، وفاتت السَّرِقةُ عندَهُ.
vol. 9, p. 274فقال: الثَّوريُّ، وسائرُ الكُوفيِّينَ: إذا قُطِع السّارِقُ، فلا غُرمَ عليه (١) . وهُو قولُ الطَّبَريِّ.
-
وحجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ: حديثُ المِسوَرِ بن إبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوف (٢) .
-
وبَعضُهُم يَرْويهِ عن المِسْوَرِ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أُقِيمَ على السّارِقِ الحدُّ، فلا غُرْمَ عليه" (٣) .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ليسَ بالقويِّ، ولا تقومُ به حُجَّةٌ (٤) .
-
وقد قال الطَّبريُّ: القيالسُ أنَّ عليه غُرْمَ ما اسْشَهلكَ، ولكِنْ تَرَكنا ذلكَ، اتِّباعًا للأثَرِ في ذلك، يعني: الحديثَ الذي ذكَرْنا عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ.
قال أبو عُمر: تركُ القياسِ لضَعْفٍ الأثرِ غيرُ جائزٍ، لأنَّ الضَّعيفَ (٥) لا يُوجِبُ حُكْمًا.
vol. 9, p. 275وقال مالكٌ وأصحابُهُ: إن كان مُوسِرًا غَرِمَ، وإن كان مُعسِرًا لم يُتْبَعْ به دينًا، ولم يكُن عليه شيءٌ (١) . ويُروى مِثلُ ذلك عن الزُّهريِّ.
-
وقال الشّافِعيُّ وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ، وهُو قولُ الحَسَنِ، وحمّادِ بن أبي سُليمان: يُغرَمُ السّارِقُ قِيمَةَ السَّرِقةِ، مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا، وتكونُ دينًا عليه مَتَى أيسر أدّاهُ (٢) .
وقال الشّافِعيُّ (٣) رحِمهُ اللّه: أُغرِّمُ السّارِقَ ما سرَقَ، قُطِع أو لم يُقطَعْ، وكذلك إذا قطَعَ الطَّريق.
قال: والحدُّ (٤) للّه عزَّ وجلَّ، فلا يُسقِطُ حدَّ اللّه غُرْمُ ما أتلَفَ للعِبادِ.
- vol. 9, p. 276
حديثٌ رابعُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ (٢) اللّه بن عُمرَ: أنَّ اليهُودَ جاءت (٣) إلى رسُولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، فذكرُوا أنَّ رَجُلًا منهُم وامْرَأةً زَنَيا، فقال لهم رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "ما تجِدُونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجْم؟ " ، فقالوا: نَفْضَحُهُم، ويُجلَدُونَ. فقال عبدُ اللّه بن سلَام: كَذَبتُم، إنَّ فيها آيةَ (٤) الرَّجم، فأتَوْا بالتَّوراةِ فنَشرُوها، فوضَعَ أحدُهُم يدَهُ على آيةِ الرَّجم، ثم قرأ (٥) ما قَبْلَها وما بعدَها، فقال له (٦) عبدُ اللّه بن سلَام: ارْفعْ يدَكَ، فرفَعَ يدهُ، فإذا فيها آيةُ الرَّجم، فقالوا: صدَقَ يا محمدُ، فيها آيةُ الرَّجم (٧) ، فأمَرَ بهما رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- فرُجِما. قال عبدُ اللّه بن عُمرَ: فرأيتُ الرَّجُلَ يَحْني على المرأةِ يَقِيها الحِجارةَ.
قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى عندَ أكثرِ شُيُوخِنا: يَحْني على المرأةِ. وكذلك قال القَعْنبيُّ (٨) ، وابنُ بُكَيرٍ، بالحاءِ، وقد قيلَ عن كُلِّ واحدٍ منهُما: يَجْني، بالجيم.
وقال أيُّوبُ: عن نافع: يُجانئ (٩) عنها بيدِه (١٠) .
vol. 9, p. 277وقال مَعْمرٌ، عن الزّهريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ: يُجافي بيَدِه (١) .
-
والصَّوابُ فيه عندَ أهلِ اللّغةِ: يجنأُ عن المرأةِ، بالهمزِ، أي: يميلُ عليها، يُقالُ: منهُ: جنأ يجنأُ جنأ وجُنُوءًا، إذا مال، والإجناءُ: التَّثنّي، ويَحْني ويَجْني، بمعنًى واحد (٢) .
-
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: سُؤالُ أهلِ الكِتابِ عن كِتابِهِم، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ التَّوراةَ صَحِيحةٌ بأيديهِم، ولولا ذلكَ، ما سألهم رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، ولا دَعا بها.
-
وفيما ذكَرْنا دليلٌ على أنَّ الكُتّابَ الذينَ كانوا يكتُبُونهُ بأيديهِم، ثُمَّ يقولُونَ: {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، هي كُتُبُ أحبارِهِم وفُقهائهِم ورُهبانِهِم، كانو يصنعُونَ لهم كُتُبًا من آرائهِم وأهوائهِم، ويُضيفُونها إلى اللّه عزَّ وجلَّ، ولهذا وشِبْهِهِ من إشكالِ أمرِهِم، نُهينا عن التَّصديقِ بما حَدَّثوا (٣) به، وعنِ التَّكذيبِ بشيءٍ من ذلكَ؛ لئلّا نُصدِّقَ بباطِل، أو نُكذِّبَ بحقٍّ، وهُم قد خَلَطُوا الحقَّ بالباطل.
-
ومن صَحَّ عندَهُ شيءٌ من التَّوراةِ بنَقلِ مِثلِ ابن سَلام وغيرِهِ من أحبارِ اليهُودِ الذين أسْلَمُوا، جازَ لهُ أن يَقْرأهُ ويعملَ بما فيه إن لم يَكُن مُخالِفًا لِما في شَرِيعتِنا، من كِتابِنا وسُنَّةِ نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم-، ألا تَرَى إلى قولِ عُمرَ بن الخطّابِ، حينَ قال لكَعْب: إن كُنتَ تعلَمُ أنَّها التَّوراةُ التي أنْزَلها اللّهُ على موسى بن عِمْران بطُورِ سَيْناءَ، فاقْرَأها آناءَ اللَّيلِ، وآناءَ النَّهارِ (٤) ؟ وقد أفْرَدنا لهذا المعنى بابًا في
vol. 9, p. 278كَراهيةِ مُطالَعةِ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، في (١) كِتابِ "العِلم" (٢) يَشْفي النّاظِرَ فيه إن شاءَ اللّه.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّهُم كانوا يَكْذِبُونَ على تَوَراتِهِم، ويُضيفُونَ كذِبهُم ذلكَ إلى ربِّهِم وكِتابِهِم؛ لأنَّهُم قالوا: إنَّهُم يجِدُونَ في التَّوراةِ أنَّ الزُّناةَ يُفضَحُونَ ويُجلَدُونَ، محُصنينَ كانوا بالنِّكاح أو غيرَ محُصَنينَ. وفي التَّوراةِ غيرُ ذلك من رَجْم الزُّناةِ المُحصَنين.
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ شَرائعَ من قَبْلَنا شَرائعُ لنا، إلّا ما (٣) ورَدَ في القُرآنِ، أو في سُنَّةِ النَّبيِّ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- نَسْخُهُ وخِلافُهُ، وإنَّما يَمْنعُنا من مُطالَعةِ التَّوراةِ لأنَّ اليهُودَ الذينَ بأيديهِمُ التَّوراةُ غيرُ مُؤتمَنين عليها، بما (٤) غيَّرُوا وبدَّلُوا منها، ومن علِمَ منها ما قال عُمرُ (٥) لكَعبِ الأحبارِ، جازَ لهُ مُطالعَتُها.
-
وفيه: دليلٌ على ما اليهُودُ عليه من الخُبْثِ والمَكْرِ والتَّبديلِ.
-
وفيه: إثباتُ الرَّجم، والحُكم به على الثَّيِّبِ الزّاني. وهُو أمرٌ أجْمَعَ أهلُ الحقِّ، وهُمُ الجماعةُ أهلُ الفِقْهِ والأثَرِ، عليه، ولا يُخالِفُ فيه من يَعُدُّهُ أهلُ العِلم خِلافًا، وقد ذكَرْنا المعنى الذي اختلَفَ فيه أهلُ العِلم منهُ، في بابِ ابن شِهاب، عن عُبيدِ اللّه (٦) ، وذلكَ الجَلْدُ معَ الرَّجم، وجمعُهُما على الثَّيِّبِ، فلا معنَى لإعادةِ شيءٍ من ذلكَ هاهُنا.
- vol. 9, p. 279
وفيه: أنَّ أهلَ الكِتابِ وسائرَ أهلِ الذِّمَّةِ إذا تحاكمُوا إلَينا، ورَضُوا بحُكم حاكِمِنا، حَكَم بينهُم بما في شَرِيعتِنا، كان ذلك مُوافِقًا لِما عِندهُم، أو مُخالِفًا، وأنْزَلهم في الحُكم مَنْزِلتَنا.
-
وعلى هذا عندَنا كان حُكمُ رسُولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- بالرَّجْم على اليَهُوديَّيْنِ، لأَنَّهُ قد رجَمَ ماعِزًا وغيرَهُ من المُسلِمينَ، ومعلُومٌ أَنَّهُ إنَّما رجَمَ مَن رجَمَ من المُسلِمينَ بأمرِ اللّه وحُكْمِهِ، لأنَّهُ كان لا ينطِقُ عن الهَوَى، ولا يتقدَّمُ بين يَدَيِ اللّه، وإنَّما يحكُمُ بما أراهُ الله، فوافقَ ذلكَ ما في التَّوراةِ، وقد كان عندَهُ بذلكَ عِلم، فلذلكَ سألهم عنهُ، واللّه أعلمُ.
-
واختلَفَ أهلُ العِلْم في أهلِ الذِّمَّةِ، إذا تَرافعُوا إلَينا في خُصوماتِهِم وسائرِ مَظالِمِهِم وأحْكامِهِم: هل علينا أن نحكُمَ بينَهُم فَرْضًا واجِبًا، أم نحنُ في ذلكَ مُخيَّرُونَ؟
فقال جماعةٌ من عُلماءِ الحِجازِ والعِراقِ: إنَّ الإمامَ والحاكِمَ مُخيَّرٌ، إن شاءَ حَكَم بينهُم بحُكم اللّه عَلَينا، إذا تحاكمُوا إلينا، وإن شاءَ رَدَّهُم إلى حاكِمِهِم، لقولِ اللّه عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: ٤٢] .
-
وممَّن قال ذلك: مالكٌ (١) ، والشّافِعيُّ (٢) في أحَدِ قولَيهِ، وهُو قولُ عَطاءٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ.
-
ذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٣) ، عن ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ.
- vol. 9, p. 280
وذكَرهُ وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشَّعبيِّ (١) .
- وجُملةُ مَذْهبِ مالكٍ في هذا البابِ:
-
أنَّ تركَ الحُكم بينَ أهلِ الذِّمَّةِ أحبُّ إليه، ويُرَدُّونَ إلى أهلِ دينِهِم، وإن حكَمَ بينَهم إذا تحاكَمُوا إليه، حَكَم بحُكْم الإسلام، وهُو مُخيَّرٌ في ذلكَ، إن شاءَ نظرَ، وإن شاءَ لم يَنْظُر.
-
ولا يعرِضُ (٢) لهم في تعامُلِهِم بالرِّبا (٣) ، ولا في فَسادِ بيع، ولكِن منِ امتنَعَ منهُم (٤) ، من دَفْع ثمنٍ، أو مَثْمُونٍ في البَيعْ، حكَمَ بينَهم؛ لأنَّ هذا من التَّظالُم.
قال: والذين حَكَم بينهُم رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا أهلَ ذِمَّةٍ.
وقال يحيى بن عُمرَ: إذا رَضِي الذِّمِّيّانِ بحُكمِهِ، أخبَرهُم بما يحكُمُ به، فإن رَضِياهُ حكَمَ، وإن أبَى أحدُهُما تركَ، وإن كانا أهلَ مِلَّتَينِ (٥) : حكَمَ بينهُما، ولو (٦) كرِهَ ذلك أحدُهُما.
-
وقالهُ سحنُونُ (٧) .
-
وذكر العُتْبيُّ في كِتابِ السُّلطانِ من "المُستخرجةِ" ، قال عيسى: قال ابنُ القاسم: إن تحاكَمَ أهلُ الذِّمَّةِ إلى حُكْم المُسلِمينَ، ورَضِيا به جميعًا، فلا يُحكَمُ بينهُم إلّا برِضًا من أساقِفتِهِم، فإن كرِهَ ذلك أساقِفتُهُم، فلا يُحكَمُ بينهُم،
vol. 9, p. 281وإن رَضِيَ أساقِفتُهُم بحُكْم الإسلام، وأبَى ذلكَ الخَصمانِ، أو أحدُهُما، لم يَحكُمْ بينَهُمُ المُسلِمُونَ (١) .
وقال الشّافِعيُّ (٢) : ليس للإمام الخيارُ في أحَدٍ من المُعاهَدينَ الذينَ يجري عليهمُ الحُكمُ، إذا جاءُوهُ في حدٍّ للّه، وعليه أن يُقيمَهُ، لقولِ اللّه: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: ٢٩] .
قال المُزنيُّ (٣) : هذا أشبَهُ من قولِهِ في كِتابِ الحُدُودِ: لا يُحدُّونَ إذا جاؤُوا إلَينا في حدٍّ للّه، وأدفعُهُم إلى أهلِ دينِهِم.
وقال الشّافِعيُّ (٤) : وما كانوا يَدِينُون به، فلا يجُوزُ حُكمُنا عَلَيهِم بإبطالِهِ، إذا لم يَرْتفِعُوا إلينا، ولا يَكْشِفُوا عمّا استحلُّوا، ما لم يكُن ضَرَرًا على مُسلِم، أو مُعاهَدٍ، أو مُستأمَنٍ من (٥) غيرِهِم، فإن جاءَتِ امرأةٌ منهُم تَسْتعدي بأنَّ زوجَها طلَّقها، أو آلَى منها، حَكَمتُ عليه حُكْمي على المُسلِمينَ.
-
ذكر عبدُ الرَّزّاق (٦) ، عن الثَّوريِّ، عن قابُوس بن أبي ظبيانَ، عن أبيهِ، قال: كتَبَ محمدُ بن أبي بكرٍ إلى عليٍّ يَسْألُهُ عن مُسلِم زَنا بنَصْرانيَّةٍ، فكتَبَ إليه: أقِم الحدَّ على المُسلِم، ورُدَّ النَّصرانيَّةَ إلى أهلِ دِينِها.
قال عبدُ الرَّزّاق (٧) : وأخبرنا مَعْمرٌ، عن ابن شِهابٍ الزُّهْريِّ، وذكَرهُ ابنُ وَهْب، عن يونُس، عن ابن شِهاب، بمعنًى واحدٍ. قال: مَضت السُّنَّةُ (٨) أن
vol. 9, p. 282يُرَدُّوا في حُقُوقِهِم ودَعاويهِم ومُعاملاتِهم (١) ومَواريثهم (٢) إلى أهْلِ دينِهِم، إلّا أن يأتُوا راغِبينَ في حدٍّ، فيُحكَمَ بينَهُم فيه بكِتابِ اللّه تعالى، قال اللّهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: ٤٢] .
قال أبو عُمر: وقال آخرُونَ: واجِبٌ عليه أن يحكُمَ بينهُم بما أنزلَ اللّهُ، إذا تحاكَمُوا إليه. وزَعمُوا أنَّ قولهُ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: ٤٩] ، ناسِخ للتَّخييرِ المذكُورِ في الآيةِ قَبل هَذا. رُوي ذلك عن ابن عبّاس (٣) ، ومجُاهِدٍ، وعِكْرِمةَ (٤) .
-
وهُو قولُ الزُّهْريِّ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، والسُّدِّيِّ (٥) ، وأحدُ قولي الشّافِعيِّ، وقولُ أبي حَنِيفةَ، وأصحابِه، إلّا أنَّ أبا حَنِيفةَ قال: إذا جاءَتِ المَرْأةُ والزَّوجُ، فعليه أن يحكُمَ بينَهُما بالعَدْلِ، هان جاءَتِ المرأةُ وَحْدَها، ولم يرضَ الزَّوجُ، لم يحكُمْ. وقال أبو يوسُفَ، ومحمدٌ، وزُفَرُ: بل يَحكُمُ (٦) .
-
وكذلكَ اختلَفَ أصحابُ مالكٍ على هَذَينِ القولينِ، إذا شَكا أحدُ الزَّوجينِ الذِّمِّيَّينِ، وأبَى صاحِبُهُ من التَّحاكُم بينهُما، والمشهُورُ من مذهبِ مالكٍ في الذِّمِّيَّيْنِ يَشْكُو أحدُهُما ويأبَى صاحِبُهُ من التَّحاكُم عندَنا: أنَّا لا نحكُمُ بينهُما إلّا بأن يتَّفِقا جميعًا على الرِّضا بحُكمِنا، فإن كان ظُلمًا ظاهِرًا، مُنِعُوا من أن يظلِمَ بعضُهُم بعضًا (٧) .
- vol. 9, p. 283
وقد قال مالكٌ وجُمهُورُ أصحابِهِ في الذِّمِّيِّ والمُعاهِدِ والمُستأمنِ يَسْرِقُ من مالِ ذِمِّيٍّ: أنَّهُ يُقطَعُ، كما يُقطَعُ لو سرَقَ من مالِ مُسلِم؛ لأنَّ ذلكَ من الحِرابة (١) فلا يُقَرُّوا عليها، ولا على التَّلَصُّصِ.
قال أبو عُمر: الصَّحيحُ في النَّظرِ عِندي، ألّا يُحكَمَ بنسخ شيءٍ من القُرآنِ، إلّا بما قامَ عليه الدَّليلُ الذي لا مدفَعَ لهُ، ولا يحتمِلُ التَّأويلَ. وليسَ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٤٩] دليلٌ على أنَّها ناسِخةً للآيةِ قبلَها؛ لأنَّها يَحتمِلُ معناها أن يكونَ: وأنِ احكُم بينهُم بما أنزلَ اللّهُ إن حكَمْتَ، ولا تتَّبِع أهواءَهُم، فتكونُ الآيتانِ مُسْتَعمَلَتينِ، غيرَ مُتدافِعتينِ.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في اليهُوديَّينِ الذِّمِّيَّينِ إذا زَنَيا: هل يحُدّانِ، أم لا؟
فقال مالكٌ: إذا زَنَى أهلُ الذِّمَّةِ، أو شَرِبُوا الخمرَ، فلا يعرِضُ لهمُ الإمامُ، إلّا أن يُظْهِرُوا ذلكَ في ديارِ المُسلِمينَ، ويُدخِلُوا عليهمُ الضَّررَ، فيَمْنعُهُمُ السُّلطانُ من الإضرارِ بالمُسلِمينَ (٢) . قال مالك (٣) : وإنَّما رجَمَ رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- اليَهُوديَّينِ لأنَّهُ لم يَكُن لليَهودِ (٤) يومئذٍ ذِمَّة، وتحاكمُوا إليه (٥) .
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: يُحَدّانِ إذا زَنَيا كحدِّ المُسلِم (٦) ، وهُو أحَدُ قولي الشّافِعيِّ. وقال في كِتابِ الحُدُودِ: إن تَحاكمُوا إلَينا، فلنا أن نحكُم، أو نَدَعَ، فإن حكمنا حَدَدنا المُحصنَ بالرَّجم، لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجَمَ يهُوديَّينِ زَنَيا،
vol. 9, p. 284وجَلَدنا البِكْرَ مئةً (١) وغرَّبناهُ عامًا (٢) . وقال في كِتابِ الجِزيةِ: لا خيارَ للإمام ولا للحاكِم إذا جاؤوهُ في حدٍّ للّه، وعليه أن يُقيمَهُ عليهم، لقولِ اللّه عزَّ وجلَّ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: ٢٩] ، والصَّغارُ أن يجري عليهم حُكمُ الإسلام (٣) . وهذا القولُ اختيارُ المُزنيُّ، واختار غيرُهُ من أصحابِ الشّافِعيِّ القولَ الأوَّل.
وقال الطَّحاويُّ (٤) ، حينَ ذكرَ قولَ مالكٍ: إنَّما رجَمَ رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- اليهُوديَّينِ، لأنَّهُم لم تَكُن لهم ذِمَّةٌ، وتحاكمُوا إليه. قال: لو لم يَكُن واجِبًا عليهم، لما أقامَهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-. قال: وإذا كان من لا ذِمَّةَ لهُ، قد حدَّهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في الزِّنا، فمن لهُ ذِمَّةٌ أحْرَى بذلكَ. قال: ولم يختلِفُوا أنَّ الذِّمِّيَّ يُقطَعُ في السَّرِقةِ.
قال أبو عُمر: إذا سرقَ الذِّمِّيُّ من ذمِّيٍّ، ولم يَتَرافعُوا إلَينا، فلا يُعرَضُ لهم عندَنا، وإن تَرافعُوا إلينا، حَكَمنا بحُكم اللّه فيهم؛ لأنَّ هذا مِن تَظالُمِهِمُ الذي يجِبُ علينا المنعُ منهُ إذا رُفِعَ إلينا، وإذا سَرقَ ذِمِّيٌّ من مُسلِم، كان الحُكمُ حينئذٍ إلينا، فوجَبَ القطعُ.
-
والحديثُ المشهُورُ يَدُلُّ على أنَّ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- إنَّما رجمَ اليهُوديَّينِ لأنَّهُم تحاكَمُوا إليه.
-
وقد ذكَرْنا اختِلافَ الفُقهاءِ في حدِّ الإحْصانِ المُوجِبِ للرَّجم، في كِتابِنا هذا، عندَ ذِكرِ حديثِ ابن شِهاب، عن عُبيدِ اللّه، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.
- vol. 9, p. 285
وكلُّهُم يَشْترِطُ في الإحْصانِ المُوجِبِ للرَّجم الإسلامَ، هذا من شُرُوطِهِ عندَ جميعِهِم، ومن رأى رجمَ أهلِ الذِّمَّةِ منهُم إذا أُحصِنُوا، إنَّما رآه من أجلِ أنَّهُم إذا تحاكَمُوا إلَينا، لَزِمَنا أن نحكُمَ بينهُم بحُكم اللّه فينا، وكذلك فعلَ رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- باليهُوديَّينِ المَذْكُورينِ في هذا الحديثِ، حينَ تحاكَمُوا إليه.
وقالت طائفةٌ مِمَّن يَرَى أنَّ قولَ اللّه عزَّ وجلَّ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٤٩] ، ناسِخٌ للآيةِ قبلَها، يعني قولَه: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} الآيةَ [المائدة: ٤٢] . قالوا: على الإمام إذا علِمَ من أهلِ الذِّمَّةِ حدًّا من حُدُودِ اللّه، أن يُقيمَهُ عليهم، وإن لم يَتَحاكمُوا إليه؛ لأنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، ولم يقُل: إن تحاكَمُوا إليكَ. قالوا: والسُّنّة تُبيِّنُ ذلك، واحتجُّوا بحديثِ البَراءِ في ذلك.
-
وهُو ما حدَّثناهُ عبدُ اللّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١) . وأخبَرَنا عبدُ اللّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (٢) ؛ قالا (٣) : حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ أبو كُريبِ. وأخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا الحَسنُ بن محمدٍ بن الصَّبّاح الزَّعفرانيُّ. قالا (٤) جميعًا: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال:
vol. 9, p. 286حدَّثنا الأعْمَشُ، عن عبدِ اللّه بن مُرَّةَ، عن البَراءِ، قال: مُرَّ عَلَى رسُولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- بيهُوديٍّ محُمَّم (١) مجلُودٍ، فدَعاهُم فقال: "هكذا تجِدُونَ حدَّ الزّاني في كِتابِكُم؟ " قالوا: نعم، فدَعا رجُلًا من عُلمائهِم، فقال: "أنشُدُكَ باللّه الذي أنزَلَ التَّوراةَ على موسى، أهكذا تجِدُونَ حدَّ الزّاني في كِتابِكُم؟ " فقال: اللَّهُمَّ لا، ولولا أنَّكَ ناشَدْتَني بهذا، لم أُخبِرْكَ، نَجِدُ حدَّ الزّاني في كِتابِنا الرَّجمَ، ولكِنَّهُ كَثُرَ في أشرافِنا، فكُنّا إذا أخَذْنا الرَّجُلَ الشَّريفَ ترَكناهُ، وإذا أخَذْنا الضَّعيفَ، أقَمْنا عليه الحدَّ، فقُلنا: تعالَوْا نَجْتمِعْ على شيءٍ نُقيمُهُ على الشَّريفِ والوَضِيع، فاجتمعنا على التَّحْميم والجَلْدِ، وتَرَكنا الرَّجم. فقال رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ من أحيا أمْرَكَ إذ أماتُوهُ (٢) " . فأمرَ به فرُجِمَ، وأنزلَ اللّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قولِهِ: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} [المائدة: ٤١] . يقولُ: ائتُوا محمدًا، فإن أفْتاكُم بالتَّحمِيم والجَلْدِ، فخُذُوهُ، وإن أفتاكُم بالرَّجم، فاحْذرُوا، إلى قولِهِ: {لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤] في اليهُودِ، إلى قولِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: ٤٥] ، في اليهُودِ، إلى قولِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: ٤٧] قال: هي في الكُفّارِ كلُّها، يعني: الآيةَ. واللَّفظُ لمحمدِ بن العلاءِ، والمعنى واحدٌ مُتقارِبٌ.
قالوا: ففي هذا الحديثِ أنَّهُ حَكَم بينهُم، ولم يَتَحاكَمُوا إليه.
قال أبو عُمر: لو تدبَّر منِ احتجَّ بهذا الحديثِ، ما احتجَّ به منهُ، لم يحتَجَّ به، لأنَّ في دَرَج الحديثِ تفسيرَ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} [المائدة: ٤١] ، يقولُ: إن أفتاكُم بالتَّحميم والجَلْدِ فخُذُوهُ،
vol. 9, p. 287وإن أفْتاكُم بالرَّجم، فاحْذَرُوا. وذلك دليلٌ على أنَّهُم حَكَّمُوهُ، لا أنَّهُ قَصَرهُم على ذلكَ الحُكم، وذلك بيِّنٌ أيضًا في حديثِ ابن عُمرَ وغيرِه.
-
فإن قال قائلٌ: إنَّ حديثَ ابن عُمرَ، من حديثِ مالكٍ وغيرِهِ، ليسَ فيه: أنَّ الزّانيَيْنِ حَكَّما رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، ولا رَضِيا بحُكمِهِ؟ قيل لهُ: حدُّ الزّاني حَقٌّ من حُقُوقِ اللّه على الحاكِم إقامَتُهُ، ومعلُومٌ أنَّ اليهُودَ كان لهم حاكِمُ يحكُمُ بينهُم ويُقيمُ حُدُودَهُم عليهم، وهُو الذي حكَّمَ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، واللّه أعلمُ.
-
ألا تَرى إلى ما في حديثِ ابن عُمرَ: أنَّ اليهُودَ جاؤُوا رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إنَّ رجُلًا منهُم وامْرَأةً زَنَيا. ثُمَّ حَكَّمُوا رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- في ذلك؟ فإذا كان من إليه إقامةُ الحدِّ، هُو الذي حكَّمَ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، فلا وجهَ لاعتِبارِ تحكيم الزّانيين (١) فيما ليسَ لهما، ولا لأحَدِهِما.
-
أخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني هشامُ بن سَعْدٍ، أنَّ زيدَ بن أسلَمَ حدَّثهُ، عن ابن عُمرَ، قال: أَتَى نَفَر من يهُودَ فدَعَوْا رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، فأتاهُم في بَيْتِ المِدْراسِ (٣) فقالوا: يا أبا القاسم، إنَّ رجُلًا مِنّا زَنَى بامْرَأةٍ، فاحْكُم، فوَضَعُوا لرسُولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- وسادَةً، فجلَسَ عليها، ثُمَّ قال: "ائتُوني بالتَّوراةِ" فأتَوهُ بها، فنزَعَ الوِسادةَ من تحتِهِ، ووَضَعَ التَّوراةَ عليها، ثُمَّ قال: "آمنتُ بكِ، وبمَنْ أنزلَكِ" . ثُمَّ ذكر قِصَّةَ الرَّجم، نحوًا من حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ.
- vol. 9, p. 288
ففي هذا الحديثِ: أنَّ اليَهُود دَعَوا رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، وحكَّمُوهُ في الزّانِيَيْنِ منهم (١) ، وكذلك حديثُ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمر، بنحوِ ذلك، وحديثُ ابن شِهابٍ أيضًا في ذلك يدُلُّ على ما وصفنا.
-
قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللّه (٢) بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، قال: أخبَرَني رجُلٌ من مُزَينةَ، مِمَّن يتَّبِعُ العِلمَ ويَعِيهِ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ أبا هُريرةَ، قال: بينا نحنُ عندَ رسُولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، جاءَهُ اليَهُودُ، وكانوا قد تشاوَروا (٣) في صاحِبٍ لهم زَنَى بعدَ ما أحصنَ، فقال بعضُهُم لبعض: إنَّ هذا النَّبيَّ قد بُعِثَ، وقد عَلِمتُم أنَّهُ قد فُرِضَ عليكُمُ الرَّجمُ. فذكَرَ حديثًا فيه: فقال لهم، يعني: رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "يا مَعْشرَ اليهُودِ، أنشُدُكُم باللّه الذي أنزلَ التَّوراةَ على موسى بن عِمرانَ، ما تجِدُونَ في التَّوراةِ من العُقوبةِ على من زَنَى وقد أحصَنَ؟ " قالوا: نَجِدُ: يُحمَّمُ ويُجلدُ. وسكتَ حَبْرُهُم، وهُو في جانِبِ البَيْتِ، فلمّا رأى رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- صمْتَهُ (٤) ألظَّ به (٥) ينشُدُهُ، فقال حبرُهُم: أما إذْ نَشَدْتَنا، فإنّا نَجِدُ عليه الرَّجمَ، فذكَرَ حديثًا فيه: "فإنِّي أقْضِي بما في التَّوراةِ" . فأنزل اللّهُ عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} إلى قولِهِ: {وَمَنْ لَمْ
vol. 9, p. 289يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤١ - ٤٤] فكان رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- من النَّبيِّينَ الذينَ أسْلَمُوا فحَكَمُوا بما في التَّوراةِ على الذين هادُوا (١) .