هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

859 paragraphs · vol. 14, p. 22

Page 19 of 22

  1. وقد رُوِيَ هذا المعنى أيضًا من حديثِ الفَلَتانِ الجَرْميِّ وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. رواه الجُرَيريُّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال:

    vol. 14, p. 311قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيُّها الناسُ، إني أُبِينت لي ليلةُ القَدْر، فخرَجتُ أُحدِّثُكم بها، فجاء رجلان يَخْتصِمان ومعهما الشيطانُ فنُسِّيتُها، فالتمِسوها في العَشْرِ الأواخرِ مِن رمضان؛ التمِسوها في التاسعة، والتمِسوها في السابعة، والتمِسوها في الخامسة" .

    vol. 14, p. 310
  2. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن الجُرَيريِّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدِ الخُدريِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمعناه مُختصَرًا (١) .

  3. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدُ بنُ نَصْر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدة، عن عاصم بنِ كُلَيْب، عن أبيه، عن الفَلَتان، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن كان منكم ملتمِسًا ليلةَ القدرِ فليَلتمِسْها في العشرِ الأواخر" .

    قال أبو عُمر: الفَلَتان هذا هو الفَلَتانُ بنُ عاصم الجَرْميُّ، خالُ كُلَيْب، وهو راويتُه، وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ مبسوطًا ممهَّدًا في بابِ حُميدٍ الطويل (٤) . والحمدُ للّه.

  4. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ الجَوْهريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أعين، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعْد، قال: حدَّثنا المَسْعوديُّ، عن مُحاربِ بنِ دثار، عن ابن عُمر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "التَمِسُوا ليلةَ القدْرِ في العشْرِ الأواخرِ من رمضان، قال: فقال رجلٌ لمُحاربِ بنِ دِثارٍ: إنّ هذا الحديثَ ثبْتٌ، قال: وما يمْنَعُه أنْ يكونَ ثبْتًا - وهو عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) .

    vol. 14, p. 312
  5. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرْب، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن أبي يَعْفُور، عن مسلم، عن مسروقٍ، قال: سمِعتُ عائشةَ تقول: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا دخلتِ العشْرُ الأواخِرُ من رمضانَ شدَّ المِئزَرَ، وأحيا اللّيلَ، وأيقَظَ أهلَهُ (٢) .

  6. حديثٌ ثامنٌ وأربعون لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، قال: كان بالمدينةِ رجُلان، أحدُهما يَلْحَدُ، والآخرُ لا يَلْحَدُ، فقالوا: أيُّهما جاء أوّلُ (٢) عمِل عملَه. فجاء الذي يلْحَدُ فلَحَد لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    vol. 14, p. 313
  7. لم يُختلفْ عن مالك في إرسالِ هذا الحديث (٣) ، وقد رواه حمّادُ بنُ سَلَمة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة:

    أخبرني أحمدُ بنُ عبد الله، حدَّثنا أبي (٤) ، حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، حدَّثنا حجاجُ بنُ مِنهال، حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لمّا مات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: أين ندفِنُه؟ قال أبو بكر: في المكان الذي ماتَ فيه. قالت: وكان في المدينة قبّاران؛ أحدُهما يَلْحَدُ، والآخرُ يشُقُّ ويضرَحُ، فبعَثوا إليهما وقالوا: اللهمَّ خِرْ لرسولِك. فجاء الذي يَلْحَدُ فلَحَد لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٥) .

  8. يقال: إنَّ الذي كان يَلحَدُ أبو طلحة (١) ، والذي كان يَشُقُّ أبو عُبيدة. فاللّهُ أعلم.

    vol. 14, p. 314
  9. وفي هذا الحديثِ من المعاني أن اللَّحْدَ (٢) ، إن شاء الله، أفضلُ من الشَّقِّ؛ لأنه الذي اختاره اللهُ لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -.

  10. وفيه دلالةٌ على أن الشَّقَّ واللحدَ مباحٌ ذلك كلُّه، وممّا يدلُّ على فضْلِ اللّحْدِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغيرِنا" .

  11. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمير، قال: حدَّثنا حكّامُ بنُ سَلْم الرازيُّ، قال: سمِعتُ عليَّ بنَ عبدِ الأعلى يذكُرُ عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغيرنا" (٤) .

  12. وذكَره أبو داود (١) ، عن إسحاقَ بنِ إسماعيل، عن حكّام بنِ سَلْم بإسنادِه مثلَه.

    vol. 14, p. 315
  13. حدَّثنا عبدُ الوارث (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣) : حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن جرير، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغيرِنا" .

  14. وقد رُوِيَ من حديثِ عائشة (٤) .

  15. وابن عُمر (١) ، وسعد (٢) ، وجابر (٣) ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُلحِد له لحدًا، وأنه قال: "اللَّحدُ لنا والشَّقُّ لغيرِنا" .

    vol. 14, p. 316
  16. وروَى عثمانُ بنُ فَرْقَد (٤) ، قال: سمِعتُ جعفرَ بنَ محمدٍ يُحدِّثُ، عن أبيه، أنه قال: الذي ألحَد قبرَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أبو طلحةَ الأنصاريُّ، والذي ألقى القطيفةَ (٥) تحتَه شُقرانُ مَولاهُ.

    قال جعفر: وأخبرني ابنُ أبي رافع، قال: سمِعتُ شُقرانَ يقول: أنا واللّه طرَحتُ القطيفةَ تحتَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر (٦) .

  17. حديثٌ تاسعٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنّه قال: سُئلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقيل له: يا رسولَ الله، إنّ ناسًا من أهلِ الباديةِ يأتونُنا بلُحْمانِ ولا نَدْري هل سمَّوْا اللهَ عليها أم لا؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "سَمُّوا اللهَ عليها ثمّ كلُوا" .

    vol. 14, p. 317
  18. لم يُختلَفْ عن مالك - فيما علِمْتُ - في إرسالِ هذا الحديث (٢) ، وقد أسندَهُ جماعةٌ عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٣) ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدِ الله، قال: حدَّثنا أسامةُ بنُ حفصٍ المدنيُّ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أن قومًا قالوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إن قومًا يأتونَنا باللّحْم، لا نَدْري، أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ فقال: "سَمُّوا اللهَ ثم كُلُوا" . قالت: وكانوا حَديثي عهدٍ بالكُفْر.

    قال البخاريُّ (٥) : تابعه عليٌّ عن الدَّراورديِّ، وتابعَه أبو خالدٍ والطُّفاويُّ (٦) .

    vol. 14, p. 318قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ مرسلًا، كما رواه مالكٌ، جماعةٌ؛ منهم ابنُ عيينة (١) ، ويحيى بنُ سعيد القطّان (٢) .

  19. ورواه مسندًا جماعةٌ، منهم هؤلاء الذين ذكَر البخاريُّ، وغيرُهم (٣) .

  20. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ

    vol. 14, p. 319أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة أمِّ المؤمنين، أن قومًا قالوا: يا رسولَ الله، إن قومًا يأتوننا بلَحْم لا نَدْري أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ قال: "سَمُّوا أنتم عليه وكُلوا" . وكانوا حديث عهدٍ بالكفر.

  21. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم وإبراهيمُ بنُ شاكر، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو البزّار، قال (٣) : حدَّثنا حَوْثرةُ بنُ محمّد، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة. فذكَره.

  22. في هذا الحديث من الفقه: أنّ ما ذبحَه المُسلمُ ولم يُعرفْ هل سمَّى اللهَ عليه أم لا، أنه لا بأسَ بأكلِه، وهو محمولٌ على أنه قد سمَّى، والمؤمنُ لا يُظَنُّ به إلا الخيرُ، وذبيحتُه وصيدُه أبدًا محمولٌ على السلامةِ حتى يصحَّ فيه غيرُ ذلك؛ مِن تَعمُّدِ ترْكِ التَّسْميةِ ونحوِه (٤) .

  23. وقد قيل في معنى هذا الحديث: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرَهم بأكْلِها في أولِ الإسلام قبلَ أن ينزلَ عليه: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: ١٢١] .

  24. وهذا قولٌ ضعيفٌ لا دليلَ على صحَّتِه، ولا يُعرفُ وجهُ ما قال قائلُه (١) ، وفي الحديثِ نفسِه ما يرُدُّه؛ لأنه أمَرهم فيه بتسميةِ الله على الأكل، فدلَّ على أن الآيةَ قد كانت نزلَت عليه.

    vol. 14, p. 320
  25. وممّا يدُلُّ أيضًا على بُطلانِ ذلك القولِ أن هذا الحديثَ كان بالمدينة، وأن أهلَ باديتها إليهم أُشيرَ بالذكر في ذلك الحديث، ولا يختلفُ العلماءُ أنَّ قوله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} نزَل في سورة "الأنعام" بمكة، وأن "الأنعامَ" مكِّية، فهذا يوضِّحُ لك أن الآيةَ قد كانت نزلَت عليه بخلافِ ظنِّ مَن ظنَّ ذلك (٢) ، واللهُ أعلم.

  26. وقد أجمَع العلماءُ على أن التَّسميةَ على الأكل إنما معناها التبرُّكُ لا مدخلَ فيه للذَّكاةِ بوَجْهٍ من الوُجوه؛ لأنَّ الميتَ لا تُدركُه ذكاةٌ.

  27. وقد استدَلَّ جماعةٌ من أهل العلم على أن التسميةَ على الذَّبِيحةِ ليست بواجبةٍ بهذا الحديث، وقالوا: لو كانتِ التَّسْميةُ واجبةً فَرْضًا على الذَّبيحة، لَما أمَرهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بأكْلِ لَحْم ذبحَتْهُ الأعرابُ بالبادية، إذ ممكنٌ أن يسمُّوا، وممكن ألّا يسمُّوا اللهَ لجَهْلِهم، ولو كان الأصلُ ألّا يؤكلَ من ذبائح المسلمين إلا

    vol. 14, p. 321ما صحَّت التسميةُ عليه، لم يَجزِ استباحةُ شيء من ذلك إلا بيقينٍ من التسمية، إذ الفرائضُ لا تؤدَّي إلا بيقين، وإذ الشكُّ والإمكانُ لا يستباحُ به المحرمات.

    قالوا: وأما قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} . فإنما خرجَ على تحريم الميتة، وتحريم ما ذُبح للنُّصُب وأُهِلَّ به لغيرِ الله، وفي ذلك نزلَت الآيةُ حينَ خاصَم به المشركون النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.

  28. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالب التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا أميةُ بنُ بِسْطامَ العَيشيُّ، وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا عثمانُ بنُ

    vol. 14, p. 322أبي شيبة، قالا: حدَّثنا عِمْرانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السائب، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباس، قال: خاصَمت اليهودُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -؛ قالوا: نأكلُ ما قتَلْنا ولا نأكلُ ما قتَل الله. فأنزَل الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} . هكذا في هذا الحديث: خاصَمته اليهودُ. وإنما هو خاصَمه المشركون؛ لأنَّ اليهودَ لا يأكُلون الميتةَ.

  29. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١) : أخبرنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني هارونُ بنُ أبي وكيع، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} . قال: خاصَمهُم المشركون، فقالوا: ما ذبَح اللهُ لا تأكُلوا، وما ذبحتُم أنتم أكلتمُوه؟!

    قال أبو عُمر: المُخاصَمةُ التي ذكَر ابنُ عباس هي التي قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: ١٢١] . يريدُ قولهم: ما قتَل اللهُ لستُم تأكُلونَه؟!

  30. واختلف العلماءُ فيمَن ترَك التسميةَ على الذِّبِيحةِ والصَّيْدِ ناسيًا أو عامدًا؛ فقال مالكٌ، والثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والحسنُ بنُ حيٍّ (٢) : إن ترَكها عَمْدًا

    vol. 14, p. 323لم تؤكلِ الذبيحةُ ولا الصيدُ، فإن نَسِيَ التسميةَ عندَ الذبيحةِ وعندَ الإرسالِ على الصيدِ أُكِلَت. وهو قولُ إسحاق، ورواية عن أحمدَ بن حنبل (١) .

  31. ومن حُجَّةِ مَن ذهَب إلى ذلك أن تاركَ التسميةِ عَمْدًا متلاعبٌ بإخراجِ النفس على غيرِ شريطتِها، وقد أجمَعوا أنَّ من شرائطِ الذَّبيحةِ والصيدِ التسمية، فمَن استباحَ ذلك على غير شريطتِه عامدًا دخَل في الفسق الذي قال الله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} . هذا معنى ما احتجُّوا به.

    وقال الشافعيُّ (٢) وأصحابُه: تؤكلُ الذبيحةُ والصيدُ في الوجهَين جميعًا تعمَّد ذلك أو نسِيَه. وهو قولُ ابن عباس وأبي هريرة (٣) . ورُوِيَ عن ابنِ عباس وأبي وائل (٤) ، قالا: إنما ذبحتَ بدينِك. واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ بأن قال: لما كان المَجُوسيُّ لا يُنتفعُ بتسميتِه إن سمَّى وتعمَّد ذلك وقصَد إليه، فكذلك لا يضُرُّ المُسلمَ تركُ التسمية؛ لأنه إنّما ذبَح بدِينِه. وقال أبو ثور وداودُ بنُ عليٍّ (٥) : مَن ترَك التسميةَ عامدًا أو ناسيًا لم تُؤكَلْ ذبيحتُه ولا صيدُه.

    قال أبو عُمر: ما أعلمُ أحدًا من السَّلَفِ رُوِيَ عنه هذا المَذْهبُ إلا محمدَ بنَ

    vol. 14, p. 324سيرين، والشعبيَّ، ونافعًا مولى ابنِ عُمر (١) ، وأما جمهورُ العلماءِ فعلى قولِ مالكٍ والثوريِّ وأبي حنيفة، وعلى قولِ الشافعيِّ؛ على هذين القولَين الناسُ.

  32. وقد رُوِيَ عن الشعبيِّ خلافُ ما حكَيناه عنه؛ ذكَر بقيٌّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، عن عطاءِ بنِ السائب، عن عامرٍ في رجلٍ ذَبَح ونَسِيَ أن يسمِّي، قال: يأكل.

  33. وعن يحيى بن عبدِ الحميدِ الحِمّانيّ، عن ابنِ المبارك (٢) ، عن سعيد، عن قتَادة، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب والحَسَنِ في رجلٍ ذبَح ونَسِيَ أن يسمِّيَ الله، قالا: يأكل.

  34. وروَى إسماعيلُ بنُ عُليّة، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبة، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المسيِّب والحسن، قالا: إذا نسيَ الرجلُ أن يسميَ حينَ ذبحَ فليأكلْ وليذكرِ اسمَ الله في قلبِه. وهذا هو الصحيحُ عن الحسن وسعيدِ بنِ المسيِّب.

  35. وروَى أشعثُ بنُ سَوّار وعَمْرُو بنُ عبيد، عن الحَسَن، قال: مَن نَسِيَ التسميةَ إذا ذبَح فليأكلْ، ومَن ترَكها متعمدًا فلا يأكلْ. وسفيان، عن مغيرة، عن إبراهيمَ مثلَه.

  36. وروى ابنُ أبي غَنِيّة ومِسْعَر، عن الحَكَم بنِ عُتَيْبَة، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، قال: إذا ذَبَح ونسيَ أن يُسَمِّيَ فكُلْ، فإنّما ذبَح بمِلّتِه، وإنّما هي المِلّةُ، ذكاةُ كلِّ قوم مِلَّتُهم، ألا ترى أنّ المجوسيَّ لو ذبحَ فسمّى اللهَ لم يأكلْ.

  37. وذكر وكيعٌ، عن سُفيان، عن سَلَمة بن كُهيل، عن أبي مالكٍ في الرّجُل يَذْبحُ وَينْسى أن يُسمِّيَ قال: لا بأسَ به، قلت: فأينَ قولُ الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ؟ قال: إنّما ذبحتَ بدِينِك، وإنّما هذا في ذبائح المُشرِكين (٣) .

  38. وعن ابن عباس من طُرقٍ شتّى مثل ذلك.

  39. حديثٌ مُوفي خمسينَ لهشام بنِ عُروة (١)

    vol. 14, p. 325
  40. مالكٌ (٢) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الصلاةَ بمنًى رَكْعتَين، وأن أبا بكرٍ صلّاها بمنًى رَكْعتَين، وأنَّ عُمرَ صلَّاها بمنًى رَكعتَين، وأن عُثمانَ صلّاها بمنًى رَكْعتَين شطرَ إمارته، ثم أتمّها بعْدُ.