يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 23 of 32
- vol. 15, p. 384
ذكر ابنُ عبدِ الحكم، عن مالك قال: مَن أعتَق عبيدًا له عندَ الموتِ ليس له مالٌ غيرُهم، قُسِّموا أثلاثًا، ثم يُسْهَمُ بينَهم، فيُعتَقُ ثلثُهم بالسهم، ويُرَقُّ ما بقيَ، وإن كان فيهم فضلٌ رُدَّ السهمُ عليهم فأُعتِق الفضلُ، وسواءٌ ترَك مالًا غيرَهم أو لم يترُك.
قال: ومَن أعتَق رقيقًا له عندَ الموت، وعليه دَيْنٌ يُحيطُ بنصفِهم، فإنِ استُطيع أن يُعتَقَ من كلِّ واحدٍ نِصْفٌ، فُعِل ذلك بهم.
قال: ومَن قال: ثلثُ رقيقي حُرٌّ. أُسهِم بينَهم، وإن أعتَقهم كلَّهم، أُسهِم بينَهم إذا لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، وإن قال: ثلثُ كلِّ رأسٍ حُرٌّ أو نصفُه. لم يُسْهَم بينَهم.
vol. 15, p. 385وقال ابنُ القاسم (١) : كلُّ مَن أوصَى بعتقِ عَبيدِه أو بتَل عتقَهم في مرضِه، ولم يدَعْ غيرَهم، فإنه يُعتَقُ بالسهم ثلثُهم، وكذلك لو ترَك مالًا والثلثُ لا يسعُهم، لعتَقَ مبلغُ الثلثِ منهم بالسهم، وكذلك لو أعتَق منهم جزءًا سمّاه، أو عددًا سمّاه، وكذلك لو قال: رأسٌ منهم حرٌّ. فبالسهم يُعتقُ منهم مَن يُعتقُ، إن كانوا خمسةً فخمُسُهم، أو ستةً فسدُسُهم، خرَج لذلك أقلُّ من واحدٍ أو أكثرُ، ولو قال: عشَرةٌ. وهم ستون، عَتَق سدُسُهم، أخرَج السهمُ أكثرَ من عشَرةٍ أو أقلَّ. وهذا كلُّه مذهبُ مالك.
قال أبو عُمر: لم يختلِفْ مالكٌ وأصحابُه في الذي يُوصي بعتقِ عبيدِه في مرضِه ولا مالَ له غيرُهم، أنه يُقرَعُ بينَهم، فيُعتَقُ ثلثُهم بالسهم، وكذلك لم يختلِفْ قولُ مالكٍ وجمهورُ أصحابِه أن هذا حكمُ الذي يُعتِقُ عبيدَه في مرضِه عتقًا بَتْلًا (٢) ، ولا مالَ له غيرُهم. وقال أشهبُ وأصبغُ (٣) : إنما القرعةُ في الوصية، وأما في البَتْل، فهم كالمدَبَّرِين.
قال أبو عُمر: حُكمُ المدبَّرِين عندَهم إذا دبَّرَهم سيدُهم في كلمةٍ واحدة، أنه لا يُبدَّأُ بعضُهم على بعض، ولا يُقرَعُ بينَهم، ويُفضُّ الثلثُ (٤) على جميعِهم بالقيمة، فيُعتَقُ من كلِّ واحدٍ حصتُه من الثُّلُث، وإن لم يَدَعْ مالًا غيرَهم، عتَق
vol. 15, p. 386ثلثُ كلِّ واحد، وإن دبَّر في مرضِه واحدًا بعد واحد، بُدِئ الأول فالأول، كما لو دبَّرهم في الصحة، أو في مرضٍ ثم صحَّ (١) .
قال أبو عُمر: قولُ أشهبَ وأصبغَ هذا خلافُ السُّنة؛ لأنَّ الحديثَ إنما ورَد في رجلٍ أعتَق في مرضِه ستةَ مملُوكينَ لا مالَ له غيرُهم، وهو أيضًا مخالفٌ لقولِ أهلِ الحجاز، ومخالفٌ لقولِ أهلِ العراق.
-
وذكَر ابنُ حبيب، عن ابنِ القاسم، وابنِ كِنَانة، وابن الماجشُون، ومُطَرِّفٍ، قالوا: إذا أعتَق الرجلُ في مرضِه عبيدًا له عتقًا بَتْلًا، أو أوصَى لهم بالعَتاقة كلِّهم أو بعضِهم، سمّاهم أو يسمِّهم، إلا أنَّ الثلثَ لا يحمِلُهم، أنَّ السَّهْمَ يَجري فيهم، كان له مالٌ سواهم أو لم يكن.
قال ابنُ حبيب: وقال ابنُ نافع: إن كان له مالٌ سواهم لم يُسهَمْ بينَهم، وأُعتِق من كلِّ واحدٍ ما ينوبُه، وإن لم يكنْ له مالٌ سواهم، أو كان له مالٌ تافهٌ، فإنه يُقرَعُ بينَهم.
وقال الشافعيُّ (٢) : وإذا أعتَق الرجلُ في مرضِه عبيدًا له عتقَ بتات؛ انتُظِر بهم، فإن صحَّ عتَقوا من رأسِ مالِه، وإن مات ولا مالَ له غيرُهم، أُقرع بينَهم فأُعتِق ثلثُهم.
قال الشافعيُّ (٣) : والحجةُ في أنَّ العتقَ البتاتَ في المرض وصيةٌ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أقرَع بينَ ستةِ مملوكين أعتَقهم الرجلُ في مرضِه، وأنزَل عتقَهم وصيةً، فأعتَق ثلثَهم.
vol. 15, p. 387قال (١) : ولو أعتَق في مرضِه عبيدًا له عتقَ بتات، وله مدبَّرون وعبيدٌ أوصَى بعتقِهم بعدَ موتِه، بُدِئ بالذين بتَّ عتقَهم؛ لأنهم يَعتِقُون عليه إن صحَّ، وليس له الرجوعُ فيهم بحال.
قال الشافعيُّ (٢) : والقرعةُ أن تُكتبَ رقاعٌ ثم تُكتبَ أسماءُ العبيد، ثم تُبندقَ بنادقُ من طين، ويُجعلَ كلُّ رقعةٍ في بندقة، ويجزَّأ الرقيقُ أثلاثًا، ثم يُؤمرَ رجلٌ لم يحضُرِ الرقاعَ فيُخرِجَ رقعة على كلِّ جزءٍ بعينِه، وإن لم يَسْتَووا في القيمة، عُدِّلوا، وضُمَّ قليلُ الثمنِ إلى كثيرِ الثمن، وجُعِلوا ثلاثةَ أجزاء، قلُّوا أو كَثروا، إلا أن يكونوا عبدَين، فإن وقَع العِتْقُ على جزءٍ فيه عدَّةُ رقيق أقلَّ من الثّلث، أُعيدت القرعةُ بينَ السَّهمين الباقيين، فأيُّهم وقَع عليه، عتَق منه باقي الثلث. وقولُ أحمدَ بنِ حنبل (٣) في هذا كلِّه كقولِ الشافعيِّ.
-
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٤) فيمَن أعتَق عبيدًا له في مرضِه، ولا مالَ له غيرُهم: إنه يَعتِقُ من كلِّ واحدٍ منهم ثلثُه، ويسعَى في ثلُثَي قيمتِه للورثَة. وقال أبو حنيفة (٥) : حُكْمُه ما دامَ يسعَى حكمُ المكاتَب. وقال أبو يوسفَ ومحمد (٦) : هم أحرارٌ، وثلثا قيمتِهم دَينٌ عليهم، يسعَوْن في ذلك حتى يُؤدُّوه إلى الورثة.
vol. 15, p. 388قال أبو عُمر: وإنما حمَل الكوفيِّينَ على ذلك أصلُهم في أخبارِ الآحاد؛ لأنهم لا يَقبَلُون منها ما عارَضَه شيءٌ من معاني السُّنن المجتمَع عليها، وقالوا: من السُّنّةِ المتَّفقِ عليها فيمن بتَل عِتْقَ عبيدِه في مرضِه، وله مالٌ يَحمِلُهم ثلثُه، أنهم يَعتِقون كلُّهم، والقياسُ على هذا إذا لم يكنْ له مالٌ غيرُهم أن يَعتِقَ من كلِّ واحدٍ ثلثٌ، فليس منهم أحدٌ أوْلى من صاحبِه.
قال أبو عُمر: ردَّ الكوفيُّون هذه السُّنة ولم يقولوا بها، ورأوا القُرعَةَ في ذلك من القِمارِ والخطَرِ، حتى لقد حَكَى مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيل، عن حَمّادِ بنِ زيد، عن محمدِ بنِ ذكْوان، أنه سَمِع حَمّادَ بنَ أبي سُليمانَ وذُكِرَ له الحديثُ الذي جاء في القُرْعَةِ بينَ الأعبُد، فقال: هذا قولُ الشيخ، يعني إبليس، فقال له محمدُ بنُ ذَكْوان: "وُضِع القلمُ عن ثلاثةٍ" (١) ؛ أحدُهم المجنونُ حتى يُفيق؛ أي: أنك مجنون، وكان حَمّادٌ يُصْرَعُ في بعضِ الأوقاتِ ثم يُفيق. فقال له حَمّادُ: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له محمدُ بنُ ذكْوان: وأنت ما دعاك إلى هذا؟ (٢) .
قال أبو عمر (٣) : في قولِ الكوفيِّينَ في هذا الباب ضروبٌ من الخطأ والاضطراب، مع خلافِ السُّنة في ذلك، وقد ردَّ عليهم في ذلك جماعة من المالِكيِّينَ والشافعيِّينَ وغيرهم، منهم إسماعيلُ وغيرُه. وحُكمُهم بالسِّعايةِ فيه ظلمٌ؛ لأنهم أحالُوهم على سعايةٍ لا يُدْرَى ما يَحصُلُ منها، وظلم للورثة؛ إذ أجازوا عليهم في الثلُثِ عِتْقَ الجميع بما لا يُدْرَى أيضًا أيَحصُلُ أم لا، وظلمٌ للعبيد؛ لأنهم أُلزِموا مالًا من غيرِ جناية. وبينَ الشافعيِّ ومالكٍ في هذا الباب من فُروعِه تنازعٌ ليس هذا موضعَ ذكرِه، لتشعُّبِ القولِ فيه.
vol. 15, p. 389قال أبو عُمر: أما القولُ في هذا الباب بالقُرعة، فقد احتجَّ فيه الشافعيُّ وغيرُه (١) بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} الآية [آل عمران: ٤٤] . وبقوله عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: ١٣٩ - ١٤١] . وكفَى بحديثِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الذي أعتَق ستةَ مملوكِينَ له عندَ موتِه لا مالَ له غيرُهم، فأقرَع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينَهم فأعتَق ثلُثَهم، وبأنه كان يُقرعُ بينَ نسائِه أيتُهن يَخرُجُ بها إذا أراد سفَرًا (٢) ؛ لاستوائِهنَّ في الخُروج، وبإجماعِ العلماءِ على أن دُورًا لو كانت بينَ قوم، قُسِّمَتْ بينَهم وأُقْرع بينَهم في ذلك، وهذا طريقُ الشركةِ في الأملاكِ التي تقعُ فيها القسمةُ بالقُرعةِ على قَدْرِ القيمة؛ لأنَّ حقَّ المريضِ الثلثُ، وحقَّ الورثةِ الثُّلُثان، فصار بمنزلةِ شريكَيْن لأحدِهما سهمٌ، وللآخرِ سهْمان، كما لو أن الميتَ وَهْبَ العبيدَ كلَّهم لقوم ثم مات، لقُسِّموا بينَ القوم وبينَ الورثةِ بالقُرْعةِ هكذا، وإنما نفَر أبو حنيفةَ ومَن قال بقولِه من هذا القول؛ لأنهم جعَلُوا هذا بمنزلةِ مَن أعتَق ثلُثَ كلِّ عبدٍ من عبيدِه، فلم يَجُزْ أن يُعتَقَ بالقرعةِ بعضُهم، فغلِطُوا هاهنا في التشبيه، واللهُ المستعان.
-
أخبرنا فائقٌ مولى أحمدَ بنِ سعيد، عنه، عن عبدِ اللك بنِ بحرِ بنِ شاذان، عن محمدِ بنِ إسماعيلَ الصائغ، عن الحسنِ بنِ عليٍّ الحُلوانيِّ، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: أخبرنا سَليمٌ (٣) ، قال: حدَّثنا ابنُ عون، قال: قال لي محمدٌ: جاءني
vol. 15, p. 390خالدٌ فقال: أرأيتَ الذين قالوا في القُرْعة: إنه أقرَع بينَهم؟ فقلتُ له: إن نقصًا برأيك أن ترَى أن رأيك أفضلُ من رأي رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- والصحابة. ولولا أنه كان في بيتي لأسمَعتُه غيرَ ذلك.
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ أيضًا من الفقه: إبطالُ السِّعاية، وردٌّ لقولِ العراقيِّينَ في ذلك؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يَجعَلْ على أولئك العبيدِ سِعايةً (١) .
-
وفيه دليلٌ على أن أفعالَ المريضِ كلَّها؛ من عتق، وهِبَة، وعطية، ووصية، لا يَجوزُ منها أكثرُ من الثُّلُث، وأن ما بتَلَه في مرضِه حُكْمُه حكمُ الوصية. وعلى ذلك جماعةُ فقهاءِ الأمصار. وخالَفهم في ذلك أهلُ الظاهرِ وطائفةٌ من أهلِ النظَر (٢) ، والحُجّةُ عليهم بيِّنةٌ بهذا الحديث.
-
وفيه أيضًا دليل على أنّ الوصيّةَ جائزةٌ لغيرِ الوالدَينِ والأقربين؛ لأنَّ العبيدَ عِتْقُهم في المرضِ وصيّةٌ لهم. ومعلومٌ أنهم لم يكونوا بوالِدَينِ لمالِكهمُ المُعتِقِ لهم، ولا بأقربينَ له. وقد مضى ذِكْرُ الوصايا ممهّدًا في باب نافع (٣) من هذا الكتاب، والحمدُ لله.
- vol. 15, p. 391
حديثٌ تاسعٌ وأربعونَ ليَحيى بن سعيدٍ يحيى بنُ سعيدٍ عن عبدِ الله بنِ المُغيرة
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبدِ الله بنِ المغيرةِ بنِ أبي بُرْدَةَ الكِنانيِّ، أنه بلَغه أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أتى الناسَ في قبائلِهم يَدعُو لهم، وأنه ترَك قبيلةً من القبائل. قال: وإن القبيلةَ وجَدُوا في بَرْدَعةِ رجلٍ منهم عِقْدَ جَزْع (٢) غُلُولًا فأتاهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فكبَّر عليهم كما يُكبِّرُ على الميت.
-
هذا الحديث لا أعلَمُه في حفظي أنه رُوِيَ مُسندًا بوجهٍ من الوُجوه، واللهُ أعلم.
-
وأما تَرْكُه الدُّعاءَ للقوم الذين وجَد عندَ بعضِهم الغُلُول، فعلى وجهِ العقوبةِ والتشديدِ والإعلام بعظيم ما جَنَوْه، وقد مضَى القولُ في عقوبةِ الغالِّ، وما للعلماءِ في ذلك من المذاهبِ في باب ثورِ بنِ زَيْدٍ من هذا الكتاب (٣) .
-
وهذا الحديثُ عندي لا يُوجبُ حُكْمًا؛ لأنه منقطِع عمَّن لا يُعرَفُ بكبيرِ علم، وليس مثلُ هذا مما يُحتَجُّ به؛ لأنَّ عبدَ الله بنَ المغير هذا مجهولٌ؛ قومٌ يقولون فيه: عبدُ الله بنُ المغيرةِ بنِ أبي بُردة، وقومٌ يقولون: المغيرةُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي بُردة (٤) .
- vol. 15, p. 392
وأما تكبيرُه عليهم فاللهُ أعلمُ به. وجملةُ القولِ أن هذا حديثٌ لا يُحتَجُّ بمثلِه، فلا وجهَ للاشتغالِ بتخريجِ معانيه (١) .
-
وروَى مالكٌ (٢) عن يحيى بنِ سعيد؛ أنه بلَغَه عن عبد الله بن عبّاس؛ أنه قال: ما ظهَرَ الغُلولُ في قوم قطُّ إلّا ألقِيَ في قلوبهم الرُّعبُ، ولا فَشا الزِّنى في قوم قطُّ إلّا كثُرَ فيهم الموتُ، ولا نقَصَ قومٌ المِكْيال، والميزانَ إلّا قُطِعَ عنهمُ الرِّزْق، ولا حكمَ قومٌ بغير الحقِّ إلا فَشا فيهمُ الدّمُ، ولا ختَر قومٌ بالعهدِ إلّا سُلِّطَ عليهمُ العدوُّ.
قال أبو عُمر: وهذا حديثٌ قد رويناه مُتّصلًا عن ابن عبّاس ومثلُه -والله أعلمُ- لا يكون رأيًا أبدًا.
-
حدَّثنا محمدُ (٣) بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ عبدِ الله بن حكَم، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُبابِ الجُمَحيُّ القاضي بالبصرة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير وأبو الوليد جميعًا، عن شُعبةَ، قال: أخبَرني الحكمُ، عن الحَسَنِ بنِ مُسلم، عن ابنِ عبّاس قال: ما ظهَرَ البَغْيُ في قوم قطُّ إلّا ظهَرَ فيهم المَوتان، ولا ظهَرَ البَخْسُ في الميزانِ في قوم إلا ابتُلُوا بالسَّنَةِ، ولا ظهَرَ نقْضُ العَهْدِ في قوم إلا أدِيْلَ منهم عدوُّهُم (٤) .
- vol. 15, p. 393
حديثٌ موفي خمسينَ ليَحيى بنِ سعيدٍ يحيى بنُ سعيدٍ عن عَمْرِو بن شُعيبٍ حديثان
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا استسقَى قال: "اللهُمَّ اسْقِ عبادَكَ وبهيمَتكَ، وانشُرْ رحمتَكَ، وأحْيِ بلدَكَ الميِّتَ" .
-
هكذا رواه مالكٌ، عن يحيى، عن عَمْرِو بنِ شُعيب مُرْسلًا (٢) ، وتابعه جماعةٌ على إرسالِه؛ منهم المعتمرُ بنُ سُليمانَ وعبدُ العزيز بنُ مسلم القَسْمَليُّ، فرَوَوْه عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيبٍ مرسلًا (٣) .
-
ورواه جماعةٌ عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه مسندًا؛ منهم حفصُ بنُ غِياث، والثوريُّ، وعبدُ الرَّحيم بنُ سُليمان (٤) ، وسلّامٌ أبو المنذر.
-
فأما حديثُ الثوريِّ، فذكَره أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا سَهْلُ بنُ صالح،
vol. 15, p. 394قال: حدَّثنا عليُّ بنُ قادم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا استسقَى يقول. فذكَر مثلَ لفظ حديثِ مالكٍ سواء.
-
وذكَر العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى العسكريُّ، قال: حدَّثنا سَهْلُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غياث، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا استسقَى قال: "اللهمَّ اسْقِ عبادَكَ، وأحْيِ بلدَكَ الميِّتَ، وانشُرْ رحمتَكَ" (١) .
-
وأحسنُ شيءٍ رُوِي في الدُّعاءِ في الاستسقاءِ مرفوعًا ما أخبَرناه عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا ابنُ
vol. 15, p. 395أبي خلف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد، قال: حدَّثنا مِسْعَر، عن يزيدَ الفقير (١) ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بواكي، فقال: "اللهمَّ اسقِنا غيثًا مُغيثًا، مَريئًا مَريعًا (٢) ، نافعًا غيرَ ضارّ، عاجلًا غيرَ آجِل" . قال: فأطبقَتْ عليهم السماءُ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الربيع، قال: حدَّثنا ابنُ إدريس، قال: حدَّثنا حُصَيْنٌ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن ابنِ عباس، قال: جاء أعرابيّ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله، لقد جئتُك من عندِ قوم ما يَتزوَّدُ لهم راع، ولا يَخطِرُ لهم فحلٌ (٣) . فصعِد المنبرَ فحمِد اللهَ ثم قال: "اللهمَّ اسقِنا غيثًا مُغيثًا، مَريعًا مَريئًا، طَبَقًا غَدَقًا، عاجلًا غيرَ رائث " (٤) . ثم نزَل، فما يأتيه أحدٌ من وجهٍ من الوجُوهِ إلا قال: قد أُحْيينا (٥) .
- vol. 15, p. 396
وذكَر ابنُ أبي شيبة (١) ، عن وَكيع، عن عيسى بنِ حفص، عن عطاءِ بنِ أبي مَروان، عن أبيه، قال: خرَجْنا مع عُمرَ بنِ الخطاب نَستسقي، فما زاد على الاستغفار.
-
وعن وَكيع (٢) ، عن سُفيان، عن مُطَرِّف، عن الشَّعبيِّ، أنَّ عُمرَ خرَج يَستسقي، فصعِد المنبرَ فقال: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: ١٠ - ١٢] ، واستغفِرُوا ربَّكم إنه كان غفّارًا. ثم نزَل فقيل: يا أميرَ المؤمنين، لو استسقيتَ. فقالى: لقد طلَبتُ بمَجادِيح (٣) السماءِ التي يُستنزَلُ بها القَطرُ.
-
ورَوَيْنا من وجوهٍ عن عُمرَ رحِمه اللهُ أنه خرَج يَستسقي، وخرَجَ معه بالعباس، فقال: اللهمَّ إنا نتقرَّبُ إليك بعمِّ نبيِّك ونستشفعُ به، فاحفَظْ فيه نبيَّك كما حفِظتَ الغُلامين لصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفِرينَ مستشفِعِينَ، ثم أقبَل على الناس فقال: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} إلى قوله: {أَنْهَارًا} . ثم قال العباسُ، وعيناه تنْضَحان، فطال عمرَ (٤) ، ثم قال: اللهمَّ أنتَ الراعي، لا تُهملِ الضالّة، ولا تَدَعِ الكسيرَ بدارِ مَضيعةٍ (٥) ؛
- vol. 15, p. 397
فقد ضرَع الصغيرُ، ورقَّ الكبيرُ، وارتفعتِ الشكوَى، وأنتَ تعلَمُ السرَّ وأخفَى؛ اللهمَّ فأغِثْهُم بغياثِك من قبل أن يَقنَطُوا فيهلِكُوا، فإنه لا ييأسُ من رَوْحِكَ إلا القومُ الكافرون. فنشأت طُرَيْرةٌ (١) من سَحَاب، فقال الناسُ، تَرَوْن، تَرَوْن؟! ثم تلاءَمتْ واستتمَّتْ وهبَّتْ فيها ريحٌ، ثم هرَّتْ ودرَّتْ، فوالله ما برِحُوا حتى اعتلَقوا الحِذاءَ وقلَّصوا المآزرَ، وطفِق الناسُ بالعباسِ يَمسَحُون أركانَه ويقولون: هنيئًا لك ساقيَ الحرمين (٢) .
-
وقد ذكَرنا كثيرًا من معاني هذا الباب في بابِ شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ (٣) من هذا الكتاب.
- vol. 15, p. 398
حديثٌ حادٍ وخمسونَ ليَحيى بنِ سعيد
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، أنَّ رَجُلًا من بني مُدْلِج يقالُ له: قَتَادةُ حذَفَ ابنَه بالسّيفِ فأصابَ ساقَه، فنُزِيَ في جُرْحِه فمات، فقدِمَ سُراقةُ بنُ جُعْشُم على عُمرَ بنِ الخطابِ فذكرَ ذلك له، فقال له عُمرُ: اعْدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ عشرينَ ومئة بعيرٍ حتى أقدَمَ عليك. فلمّا قدِمَ عليه عُمرُ، أخَذ من تلك الإبلِ ثلاثينَ حِقَّةً وثلاثينَ جَذَعةً وأربعين خَلِفَةً، ثم قال: أين أخُو المقْتُولِ؟ قال: ها أنا ذا. قال: خُذْها، فإنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس لقاتلٍ شيءٌ" .
-
لم يُختلَفْ على مالكٍ في هذا الحديثِ وإرسالِه (٢) . وقد رواه حَمّادُ بنُ سَلَمة (٣) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب قال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ليس لقاتلٍ شيءٌ" . مختصرًا، وهذا منقطِعٌ كروايةِ مالكٍ سواءً.
-
وقد رُوِيَ مسندًا من حديثِ عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وكذلك رُوِيَ قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "لا يُقادُ والدٌ بولدٍ" . من حديثِ عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه (٤) . ومن حديثِ عُمرَ بنِ الخطابِ أيضًا (٥) ، ومن حديثِ ابنِ عباس (٦) . وهو حديث مشهورٌ عندَ أهلِ الحجازِ والعراق، مُستفِيضٌ عندَهم،
vol. 15, p. 399يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِه وقَبُولِه والعملِ به عن الإسنادِ فيه، حتى يكادَ أن يكونَ الإسنادُ في مثلِه لشهرتِه تكلُّفًا.
-
أما قوله: "حذَفَ ابنَه بالسيف" فمعناه: رماه فقطَعهُ، والحذفُ الرَّميُ والقطعُ بالسيفِ أو العصا، ومَن رواه بالخاءِ المنقوطةِ فقد صحَّف؛ لأنَّ الخذفَ -بالخاء- إنما هو الرَّميُ بالحَصَى أو النَّوَى.
-
وحديثُ هذا الباب ليس فيه تصريحٌ بطرح القَوَدِ بينَ الأب وابنِه إذا قتَله، ولكنه فيه دليلٌ على ذلك؛ لأنَّ عُمرَ إنما أمَر فيه بالدِّيةِ المغلَّظةِ لطَرْحِ القَوَد، وهذا ما لا إشكالَ فيه إن شاء الله.
-
وقد اختلَف الفقهاءُ في ذلك بعضَ الاختلاف؛ فرُوِيَ عن مالكٍ أنه قال: يُقتَلُ الوالدُ بولدِه إذا قتلَه عَمدًا. وهو قولُ عثمانَ البَتِّيِّ. ودفَع مَن ذهَب هذا المذهبَ ما رُوِيَ من الأثرِ في ذلك؛ لأنها كلَّها معلولةُ الأسانيد، والمشهورُ من مذهبِ مالكٍ عندَ أصحابِه أنَّ الرجلَ إذا ذبَحَ ولدَه أو عَمِل به عَمَلًا لا يُشَكُّ في أنه عمَد إلى قَتْلِه دونَ أدب، فإنه يُقادُ به، وإن حذَفه بسيفٍ أو عصًا لم يُقتَلْ به (١) .
وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والأوزاعيُّ: لا يُقادُ والدٌ بولدِه على حال، وكذلك الجدُّ لا يُقادُ بابنِ ابنِه. وقال الحَسَنُ بنُ حيٍّ: يُقادُ الجدُّ بابنِ الابن، ولا يُقادُ الأبُ بابنِه. وكان يُجيزُ شهادةَ الجدِّ لابنِ ابنِه، ولا يُجيزُ شهادةَ الأبِ لابنِه (٢) .
-
وفي هذا الحديث أيضًا تغليظُ الدِّلة على الأبِ في قتلِه ابنَه؛ لأنَّ عُمرَ غلَّظها على قتادةَ المُدْلِجيِّ في قتلِه ابنَه، وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قَتلَه عمدًا، ويَحتمِلُ أن يكونَ شِبهَ عمدٍ على مذهبِ مَن أثبَت شِبهَ العَمد.
- vol. 15, p. 400
وقد ذكَرنا حُكمَ الدِّياتِ في العمْدِ وشبهِه وفي الخطأ، وما يُغلَّظُ منها وما لا يُغَلَّظُ، وكيف الحكمُ فيها، ممهَّدًا مبسوطًا في بابِ عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ من هذا الكتاب (١) ، والحمدُ لله.
-
ولم يُدخِلْ مالكٌ هذا الحديثَ في باب الدِّيات، وإنما أدخَلَه في باب ميراثِ العَقل؛ فإن كان قتلُ قتادةَ المُدلِجيِّ ابنَه خطأ، بأن يكونَ أراد غيرَه وأصابه، فالدِّيةُ في ذلك على عاقلتِه، وإن كان أراده فليس الحذفُ بالسيفِ من شأنِ القتلِ به، ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن مَن قصَد إلى غيرِه بحديدةٍ يَقتُلُ مثلُها أنه عمدٌ صحيح فيه القوَدُ، إلا أن يكونَ القاتلُ أبًا فإنهم اختلَفوا فيه، وقد حكَم مالكٌ في حذفِ الرجلِ ابنَه بالسيفِ بغيرِ حكم الأجنبيِّ في ذلك؛ لأنَّ ذلك من الأجنبيِّ عندَه عمدٌ يجبُ فيه القوَدُ، لأنه لا يَعرِفُ شبهَ العمدِ ويُنكِرُه. وقد ذكَرنا وجهَ العمدِ والخطأ، ووجهَ شبهِ العمدِ في القتل، في كتاب "الأجوبة عن المسائل المستغرَبة" (٢) ، وجرَى من ذلك ذكر كافٍ في بابِ ابنِ شهاب عن سعيدِ بنِ المسيِّب.
-
وأما قولُ عُمرَ في هذا الحديثِ لسُراقةَ بنِ جُعْشُم: اعْدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ عشرين ومئةَ بعير. فإنه أراد أن يأخُذَ منها ثلاثين حِقَّةً وثلاثين جَذَعةً وأربعين خَلِفَةً حوامل، يَختارُ ذلك في المئةِ والعشرين. وهذا بيِّن في الحديث، وهكذا التَّغليظُ على الأب في دِيةِ الإبل.
-
وأما تغليظُها في الذَّهبِ أو الوَرِقِ على أهلِها، فإنه يُنظَرُ إلى قيمةِ أسنانِ الدِّيةِ غيرِ مغلَّظةٍ فتُعْرَفُ، ثم يُنظَرُ إلى قيمةِ أسنانٍ التغليظ، ثم يُحكَمُ بزيادةِ ما بينَهما؛ فإن كان قيمةُ الأسنانِ في الخطأ سِتَّ مئةٍ، وقيمةُ المغلظةِ ثمانِ مئةٍ، فبينَ
vol. 15, p. 401القيمتَين مئتانِ، وذلك ثُلُثُ دِيةِ الخطأ، فيُزادُ على أهلِ الوَرِقِ أو الذهبِ ثُلُثُ الدِّيةِ أو أقلُّ أو أكثرُ، على حَسِبِ ما بينَ القيمتَين. وتكونُ الدِّيةُ المغلَّظةُ على الأبِ في مالِه. هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه وعامةِ العلماء.
-
ومعنى قولِ عُمرَ عندَهم لسُراقةَ المدلجيِّ: "اعْدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ كذا وكذا" قال له ذلك؛ لأنه كان المخاطَبَ بذلك لوَجاهَتِه في قومِه ومعرفةِ عُمرَ به؛ لأنه أحدُ الصحابة، وكان سيدَ بني مُدْلِج، فاستغنَى عُمرُ بمخاطبتِه عن مخاطبةِ الأب؛ لأنه كان الذي قدِم عليه بخبرِ قَتلِ قتادةَ المُدلجيِّ لابنِه، فلذلك توجَّه الخبرُ إليه، لا أنَّ ذلك على (١) عاقلةِ قتادة. هذا قولُ مَن جعَل الدِّيةَ في قتلِ الأبِ ابنَه في مالِ الأب، ومَن جعَلها على عاقِلَتِه يَجعَلُ الخطابَ لسُراقةَ؛ لأنه وَجْهُ قومِه الذين يَعقِلُون عنه، وهو يجمَعُها فيهم.
-
وذكَر ابنُ وَهْب (٢) في "موطئِه" ، وقد تقدَّم إسنادُه، قال: أخبَرني حفصُ بنُ مَيْسرة، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ حَرملةَ الأسلميَّ حدَّثه، قال: حدَّثني غيرُ واحد، أنَّ عَديًّا الجُذاميَّ كان له امرأتان فاقْتتَلتا، فرَمَت إحداهما الأخرى فماتت منها، فذكَر ذلك لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اعقِلْها ولا تَرِثْها" .
-
ومذهبُ مالكٍ أن الدِّيةَ تُغلَّظُ على الأبِ في قتلِ ابنِه، ولا تغلَّظُ عندَه على أحدٍ الدِّيةُ إلا على الأبِ أو الجدِّ في قتلِ ابنِه أو ابنِ ابنِه، والأمُّ في هذا مثلُ الأب، وتُغلَّظُ عندَه الدِّيةُ في الإبلِ وفي الذهبِ والوَرِق، وتُغلَّظُ في النفسِ وفي الأعضاء، وقد ذكَرنا مذهبَه ومذهبَ غيرِه في الدياتِ المغلظاتِ فيما سلَف من هذا الكتاب (٣) ، والحمدُ لله، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا.
- vol. 15, p. 402
والحجَّةُ لمذهبِ مالكٍ في قتلِ الأبِ بابنِه ظاهرُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: ١٧٨] . و {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: ٤٥] . ولم يَخصَّ أبًا من غيرِه، وقوله عزَّ وجلَّ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} (١) [البقرة: ١٧٩] .