- (باب قول الله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبنى إسراءيل إلا ما حرم إسراءيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} )

10 paragraphs · vol. 25, p. 186

  1. أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {قل فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ} وَسبب نُزُولهَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: كَانَ إِسْرَائِيل اشْتَكَى عرق النِّسَاء فَكَانَ لَهُ صياح فَقَالَ: إِن أبرأني الله من ذَلِك لَا آكل عرقاً. وَقَالَ عَطاء: لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا. قَالَ الضَّحَّاك: قَالَ الْيَهُود لرَسُول الله، حرم علينا هَذَا فِي التَّوْرَاة، فأكذبهم الله تَعَالَى وَأخْبر أَن إِسْرَائِيل حرم على نَفسه من قبل أَن تنزل التَّوْرَاة ودعاهم إِلَى إحضارها، فَقَالَ: {قل فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ} الْآيَة ثمَّ إِن غَرَض البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة أَن يبين أَن المُرَاد بالتلاوة الْقِرَاءَة، وَقد فسرت التِّلَاوَة بِالْعَمَلِ، وَالْعَمَل من فعل الْفَاعِل، وسيظهر الْكَلَام وضوحاً مِمَّا يَأْتِي الْآن.

    vol. 25, p. 186
  2. وقَوْلِ النبيِّ أُعْطِيَ أهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَملُوا بِها، وأُعْطِيَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإنِجِيلَ فَعَمَلُوا بِهِ، وأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ

    وَقَول النَّبِي، بِالْجَرِّ عطفا على قَول الله تَعَالَى: {قل فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ} وَالْمَقْصُود من ذكر هَذَا وَمَا بعده ذكر أَنْوَاع التَّسْلِيم الَّذِي هُوَ الْغَرَض من الْإِرْسَال والإنزال وَهُوَ التِّلَاوَة وَالْإِيمَان بِهِ وَالْعَمَل بِهِ، وَهَذَا الْمُعَلق يَأْتِي الْآن فِي آخر الْبَاب مَوْصُولا بِلَفْظ: أُوتِيَ وأوتيتم، وَقد مضى فِي اللَّفْظ الْمُعَلق: أعطي وأعطيتم، فِي بَاب الْمَشِيئَة والإرادة فِي أَوَائِل كتاب التَّوْحِيد.

    وَقَالَ أبُو رَزِينٍ: يَتْلُونَهُ يَتَّبِعُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلَهِ.

  3. أَبُو رزين بِفَتْح الرَّاء وَكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون هُوَ ابْن مَسْعُود مَالك الْأَسدي التَّابِعِيّ الْكَبِير الْكُوفِي. وَفَسرهُ قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَائِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} بقوله: يتبعونه ويعملون بِهِ حق عمله، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: يتلونه يتبعونه ويعملون بِهِ حق عمله، وَوَصله سُفْيَان الثَّوْريّ فِي تَفْسِيره من رِوَايَة أبي حُذَيْفَة مُوسَى بن مَسْعُود عَنهُ عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن أبي رزين فَذكره.

  4. يُقالُ: يُتْلاى يُقْرَأُ، حَسَنُ التّلاوَةِ حَسَن القِراءَةِ لِلْقُرآنِ.

  5. أَرَادَ بِهَذَا أَن معنى التِّلَاوَة الْقِرَاءَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه يُقَال: فلَان حسن التِّلَاوَة، وَيُقَال أَيْضا: حسن الْقِرَاءَة. قَوْله: لِلْقُرْآنِ، يَعْنِي لقِرَاءَة الْقُرْآن، وَالْفرق بَينهمَا أَن التِّلَاوَة تَأتي بِمَعْنى الإتباع وَهِي تقع بالجسم تَارَة، وَتارَة بالاقتداء فِي الحكم، وَتارَة بِالْقِرَاءَةِ وتدبر الْمَعْنى. قَالَ الرَّاغِب: التِّلَاوَة فِي عرف الشَّرْع تخْتَص بِاتِّبَاع كتب الله الْمنزلَة: تَارَة بِالْقِرَاءَةِ وَتارَة بامتثال مَا فِيهَا من أَمر وَنهي، وَهِي أَعم من الْقِرَاءَة، فَكل قِرَاءَة تِلَاوَة من غير عكس.

  6. لَا يَمَسُّهُ: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالقُرْآنِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلاّ المُوقِنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

  7. أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ} وَفسّر قَوْله: لَا يمسهُ بقوله: لَا يجد طعمه ونفعه إلَاّ من آمن بِالْقُرْآنِ. أَي: الْمُطهرُونَ من الْكفْر، وَلَا يحملهُ بِحقِّهِ إِلَّا الموقن بِكَوْنِهِ من عِنْد الله الْمُطهرُونَ من الْجَهْل وَالشَّكّ وَنَحْوه، لَا الغافل كالحمار مثلا الَّذِي يحمل الْأَسْفَار وَلَا يدْرِي مَا هِيَ. قَوْله: إلَاّ الموقن، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: إلَاّ الْمُؤمن.

    vol. 25, p. 187
  8. وسَمَّى النبيُّ الإسْلَامَ والإيمَانَ والصَّلَاةَ عَمَلاً قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النبيُّ لِبِلالٍ أخْبِرْنِي بِأرْجاى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلَامِ قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أرْجاى عِنْدِي أنِّي لَمْ أتَطَهَّرْ إلاّ صَلَّيْتُ، وسُئِلَ: أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: إيمانٌ بِالله ورَسُولِهِ ثُمَّ الجِهادُ ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ

    قيل: لَا فَائِدَة زَائِدَة فِي قَوْله: وسمى النَّبِي، إِلَى آخِره لِأَنَّهُ لم يُنكر أحد كَون هَذِه الْأَشْيَاء أعمالاً لِأَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان من أَعمال الْقلب وَاللِّسَان، وَالصَّلَاة من أَعمال الْجَوَارِح. قَوْله: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، قد مضى مَوْصُولا فِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب فضل الطّهُور بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، وَقد وهم بَعضهم حَيْثُ قَالَ: تقدم مَوْصُولا فِي مَنَاقِب بِلَال قَوْله: وَسُئِلَ أَي النَّبِي أَي: الْأَعْمَال أفضل؟ ... إِلَى آخِره قد مضى فِي الْإِيمَان فِي: بَاب من قَالَ: إِن الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، أخرجه من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله سُئِلَ ... إِلَى آخِره، وَمضى كَذَلِك فِي الْحَج فِي: بَاب فضل الْحَج المبرور، وَفِيه: سُئِلَ أَي الْأَعْمَال؟ وَفِي الَّذِي فِي الْإِيمَان. سُئِلَ: أَي الْعَمَل؟ بِالْإِفْرَادِ.

  9. ٧٥٣٣ - حدّثنا عَبْدانُ، أخبرنَا عَبْدُ الله، أخبرنَا يُونُسُ، عنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي سالِمٌ، عنِ ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إنّما بَقاؤُكمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْراةَ فَعَمِلُوا بِها حتَّى انْتَصَف النَّهارُ ثُمَّ عَجَزُوا، فأُعْطُوا قِيراطاً قِيراطاً، ثُمَّ أُوتِيَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حتَّى صُلِّيَت العَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا، فأُعْطُوا قِيراطاً قِيراطاً، ثُم أُوتِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فأُعْطِيتُمْ قِيراَطَيْنِ قِيراطَيْن. فَقَالَ أهْلُ الكِتابِ: هاؤُلاءِ أقَلُّ مِنَّا عَمَلاً وأكْثَرُ أجْراً؟ قَالَ الله تَعَالَى: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئاً؟ قالُوا: لَا. قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيه مَنْ أشاءُ

    ا

    مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: أُوتِيَ أهل التَّوْرَاة التَّوْرَاة

    وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد.

  10. والْحَدِيث مضى أَولا فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب من أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر، ثمَّ مضى فِي كتاب التَّوْحِيد فِي: بَاب الْمَشِيئَة والإرادة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مكرراً.