النوع الثاني والأربعون: في وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن
75 paragraphs · vol. 2, p. 217
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 217
يَأْتِي عَلَى نَحْوٍ مَنْ أَرْبَعِينَ وَجْهًا:
الْأَوَّلُ: خِطَابُ الْعَامِّ الْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بكل شيء عليم}
-
وَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا}
-
وقوله: {ولا يظلم ربك أحدا}
-
وَقَوْلِهِ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يميتكم ثم يحييكم} {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نطفة} {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} وهو كثير في القرآن
{يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم}
-
الثَّانِي: خِطَابُ الْخَاصِّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ
مِنْ ذلك قوله تعالى: {أكفرتم بعد إيمانكم}
- vol. 2, p. 218
{هذا ما كنزتم لانفسكم}
-
{ذق إنك أنت العزيز الكريم}
-
{يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}
-
وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لكي لا} وَغَيْرُ ذَلِكَ
الثَّالِثُ: خِطَابُ الْخَاصِّ وَالْمُرَادُ بِهِ العموم
كقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} فَافْتَتَحَ الْخِطَابَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ سَائِرُ مَنْ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {يأيها يا أيها النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: كَانَ ابْتِدَاءُ الْخِطَابِ لَهُ فَلَمَّا قَالَ فِي الْمَوْهُوبَةِ: {خَالِصَةً لَكَ} عُلِمَ أَنَّ مَا قَبْلَهَا لَهُ وَلِغَيْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
vol. 2, p. 219وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة} وَجَرَى أَبُو يُوسُفَ عَلَى الظَّاهِرِ فَقَالَ: إِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ {فِيهِمْ} عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ بَلْ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ حَالٍ وَالْأَصْلُ فِي الْخِطَابِ أَنْ يَكُونَ لِمُعَيَّنٍ
وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيُفِيدَ الْعُمُومَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لهم جنات} وَفَائِدَتُهُ الْإِيذَانُ بِأَنَّهُ خَلِيقٌ بِأَنْ يُؤْمَرَ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ الْجَمِيلُ
وَكَقَوْلِهِ: {وَلَوْ ترى إذ فزعوا فلا فوت} أُخْرِجَ فِي صُورَةِ الْخِطَابِ لَمَّا أُرِيدَ الْعُمُومُ للقصد إلى تقطيع حَالِهِمْ وَأَنَّهَا تَنَاهَتْ فِي الظُّهُورِ حَتَّى امْتَنَعَ خفاؤها فلا تخص بِهَا رُؤْيَةَ رَاءٍ بَلْ كُلَّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الرُّؤْيَةُ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كبيرا} لَمْ يُرَدْ بِهِ مُخَاطَبٌ مُعَيَّنٌ بَلْ عُبِّرَ بِالْخِطَابِ لِيَحْصُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِيهِ مَدْخَلٌ مُبَالَغَةً فِيمَا قَصَدَ اللَّهُ مِنْ وَصْفِ مَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ النَّعِيمِ وَالْمُلْكِ وَلِبِنَاءِ الْكَلَامِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الْعُمُومِ لَمْ يَجْعَلْ لِـ: "تَرَى" وَلَا لِـ: "رَأَيْتَ" مَفْعُولًا ظَاهِرًا وَلَا مُقَدَّرًا لِيَشِيعَ وَيَعُمَّ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم} فَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَمَنَعَهُ قَوْمٌ وَقَالَ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ لِلتَّمَنِّي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كالترجي في {لعلهم يهتدون} لِأَنَّهُ تَجَرَّعَ مِنْ
vol. 2, p. 220عَدَاوَتِهِمُ الْغُصَصَ فَجَعَلَهُ اللَّهُ كَأَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ يَرَاهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْفَظِيعَةِ مَنْ نَكْسِ الرؤوس صُمًّا عُمْيًا لِيَشْمَتَ بِهِمْ
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: "لَوْ" امْتِنَاعِيَّةً وَجَوَابَهَا مَحْذُوفٌ أَيْ لَرَأَيْتَ أَسْوَأَ حَالٍ يُرَى
الرَّابِعُ: خِطَابُ الْعَامِّ وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْخُصُوصِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاما} وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاقِعٌ كَقَوْلِهِ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جمعوا لكم} وَعُمُومُهُ يَقْتَضِي دُخُولَ جَمِيعِ النَّاسِ فِي اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ غَيْرُ الْمَقُولِ لَهُمْ وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ نُعَيْمُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ وَالثَّانِي أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَمِمَّا يقوي أن المراد بالناس في قوله: {ن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} وَاحِدٌ قَوْلُهُ: {إِنَّمَا ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} فَوَقَعَتِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكُمْ} إِلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَعْنِيُّ بِهِ جَمْعًا لَكَانَ "إِنَّمَا الشَّيَاطِينُ الشَّيَاطِينُ" فَهَذِهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي اللَّفْظِ وَقِيلَ بَلْ وُضِعَ فِيهِ "الَّذِينَ" مَوْضِعَ "الَّذِي"
- vol. 2, p. 221
وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ الناس} يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ
وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الذين ينادونك من وراء الْحُجُرَاتِ} قَالَ الضَّحَّاكُ: وَهُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ
وقوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ
ثُمَّ التَّخْصِيصُ يَجِيءُ تَارَةً فِي آخِرِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} فَهَذَا عَامٌّ فِي الْبَالِغَةِ وَالصَّغِيرَةِ عَاقِلَةً أَوْ مَجْنُونَةً ثُمَّ خُصَّ فِي آخِرِهَا بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} الْآيَةَ فَخَصَّهَا بِالْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ لِأَنَّ مَنْ عَدَاهَا عِبَارَتُهَا مُلْغَاةٌ فِي الْعَفْوِ
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهن} فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي الْبَائِنَةِ وَالرَّجْعِيَّةِ ثُمَّ خَصَّهَا بِالرَّجْعِيَّةِ بِقَوْلِهِ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} لِأَنَّ الْبَائِنَةَ لَا تُرَاجَعُ
وَتَارَةً فِي أَوَّلِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مما آتيتموهن شيئا} فَإِنَّ هَذَا خَاصٌّ فِي الَّذِي أَعْطَاهَا الزَّوْجُ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ به} فَهَذَا عَامٌّ فِيمَا أَعْطَاهَا الزَّوْجُ أَوْ غَيْرُهُ إِذَا كَانَ مِلْكًا لَهَا
وَقَدْ يُأْخَذُ التَّخْصِيصُ مِنْ آيَةٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يومئذ
vol. 2, p. 222دبره} الآية فَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُقَاتِلِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} الآية
ونظيره قوله: {حرمت عليكم الميتة} وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَيْتَاتِ ثُمَّ خَصَّهُ بقوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} فَأَبَاحَ الصَّيْدَ الَّذِي يَمُوتُ فِي فَمِ الْجَارِحِ الْمُعَلَّمِ
وَخُصِّصَ أَيْضًا عُمُومُهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى قَالَ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لكم} تَقْدِيرُهُ: وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً فَخُصَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عموم تلك
ومثله قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ}
-
ونظيره قوله: {والدم} وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ ميتة أو دما مسفوحا} يَعْنِي إِلَّا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ فَهُوَ حَلَالٌ
ثُمَّ هَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ مكية والآية العامة في سورة المائدة وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النُّزُولِ آيَةَ الْوُضُوءِ عَلَى أَنَّهُ التَّيَمُّمُ وَهَذَا مَاشٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَاصِّ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَمْ تَأَخَّرَ
vol. 2, p. 223ومثله قوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا} والآية وَهَذَا عَامٌّ سَوَاءٌ رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَمْ لَا ثُمَّ خَصَّهَا بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شيء منه نفسا فكلوه} وَخَصَّهَا بِقَوْلِهِ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ به}
-
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} الْآيَةَ فَهَذَا عَامٌّ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا ثُمَّ خصها فقال: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} الآية فَخَصَّ الْآيِسَةَ وَالصَّغِيرَةَ وَالْحَامِلَ فَالْآيِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ بِالْأَشْهُرِ وَالْحَامِلُ بِالْوَضْعِ
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} الآية وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَامِلِ وَالْحَائِلِ ثُمَّ خُصَّ بِقَوْلِهِ: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}
-
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} الآية وَهَذَا عَامٌّ فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَالْأَجْنَبِيَّاتِ ثُمَّ خص بقوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} الآية
وقوله: {الزانية والزاني} عَامٌّ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ ثُمَّ خَصَّهُ بِقَوْلِهِ: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}
-
وَقَوْلُهُ: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} فَإِنَّ الْخُلَّةَ عَامَّةٌ ثُمَّ خَصَّهَا بِقَوْلِهِ: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}
-
وكذلك قوله: {ولا شفاعة} بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
vol. 2, p. 224فائدة في العموم والخصوص
قَدْ يَكُونُ الْكَلَامَانِ مُتَّصِلَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا خَاصًّا وَالْآخَرُ عَامًّا وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ لِمَنْ أَعْطَى زَيْدًا دِرْهَمًا: أَعْطِ عَمْرًا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا أَعْطَيْتَ يُرِيدُ إِنْ لَمْ تُعْطِ عَمْرًا فَأَنْتَ لَمْ تُعْطِ زَيْدًا أَيْضًا وَذَاكَ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَكَ
ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ من ربك} قَالَ: فَهَذَا خَاصٌّ بِهِ يُرِيدُ هَذَا الْأَمْرَ المحدد بلغه {وإن لم تفعل} ولم تبلغ هذا {فما بلغت رسالته} يُرِيدُ جَمِيعَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ
قُلْتُ: وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ وَفِي الْآيَةِ وُجُوهٌ أُخَرُ
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّكَ إِنْ تَرَكَتْ مِنْهَا شَيْئًا كُنْتَ كَمَنْ لَا يُبَلِّغُ شَيْئًا مِنْهَا فَيَكُونُ تَرْكُ الْبَعْضِ مُحْبِطًا لِلْبَاقِي قَالَ الرَّاغِبُ: وَكَذَلِكَ أن حكم الأنبياء عليهم السلام فِي تَكْلِيفَاتِهِمْ أَشَدُّ وَلَيْسَ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ سَائِرِ النَّاسِ الَّذِينَ يُتَجَاوَزُ عَنْهُمْ إِذَا خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
وَالثَّانِي: قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ:
*أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي*
مَعْنَاهُ: أَنَّ شِعْرِي قَدْ بَلَغَ فِي الْمَتَانَةِ وَالْفَصَاحَةِ إِلَى حَدِّ شَيْءٍ قِيلَ فِي نَظْمٍ إِنَّهُ شِعْرِي فقد
vol. 2, p. 225انْتَهَى مَدْحُهُ إِلَى الْغَايَةِ فَيُفِيدُ تَكْرِيرَ الْمُبَالَغَةِ التَّامَّةِ فِي الْمَدْحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَكَذَا جواب الشرط ها هنا يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ تَرْكُ بَعْضِ الْمُبَلَّغَ تَهْدِيدًا أَعْظَمَ مِنْ أَنَّهُ تَرَكَ التَّبْلِيغَ فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى غَايَةِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ وَضُعِّفَ الْوَجْهُ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّ مَنْ أَتَى بِالْبَعْضِ وَتَرَكَ الْبَعْضَ لَوْ قِيلَ: إِنَّهُ تَرَكَ الْكُلَّ كَانَ كَذِبًا وَلَوْ قِيلَ إِنَّ الْخَلَلَ فِي تَرْكِ الْبَعْضِ كَالْخَلَلِ فِي تَرْكِ الْكُلِّ فَإِنَّهُ أَيْضًا مُحَالٌ
وَفِي هَذَا التَّضْعِيفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَتَى أُتِيَ بِهِ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ فوجده كَالْعَدَمِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
سُئِلْتَ فَلَمْ تَمْنَعْ وَلَمْ تُعْطِ نَائِلًا
فَسِيَّانِ لَا ذَمٌّ عَلَيْكَ وَلَا حَمْدُ
أَيْ: وَلَمْ تُعْطِ مَا يُعَدُّ نَائِلًا وَإِلَّا يَتَكَاذَبُ الْبَيْتُ
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لِتَعْظِيمِ حُرْمَةِ كِتْمَانِ الْبَعْضِ جَعَلَهُ كَكِتْمَانِ الْكُلِّ كَمَا فِي قوله تعالى: {فكأنما قتل الناس جميعا}
-
الرَّابِعُ: أَنَّهُ وَضَعَ السَّبَبَ مَوْضِعَ الْمُسَبِّبِ وَمَعْنَاهُ: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَكَ مَا يُوجِبُهُ كِتْمَانُ الْوَحْيِ كُلِّهِ مِنَ الْعَذَابِ
ذَكَرَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ
vol. 2, p. 226تَنْبِيهٌ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ لِلنَّاسِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ عَامَّةٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَلَّغَهُ الْكَافَّةَ وَإِنَّمَا وُرُودُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ نَحْوُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ وَمِنْ مَسِّ الْمَرْأَةِ وَمِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَنَحْوِهَا لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا فَإِذَا لَمْ نَجِدْ مَا كَانَ فِيهَا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَارِدًا مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ عَلِمْنَا أَنَّ الْخَبَرَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْأَصْلِ انْتَهَى
وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ مَمْنُوعَةٌ لِأَنَّ التَّبْلِيغَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِصُورَةِ التَّوَاتُرِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا تَثْبُتُ زِيَادَةُ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُكَلِّفْ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِشَاعَةَ شَيْءٍ إِلَى جَمْعٍ يَتَحَصَّلُ بِهِمُ الْقَطْعُ غَيْرَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ الْمُعْجِزُ الْأَكْبَرُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الْقَطْعُ فَأَمَّا بَاقِي الْأَحْكَامِ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْسِلُ بِهَا إِلَى الْآحَادِ وَالْقَبَائِلِ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى قَطْعًا
الْخَامِسُ: خِطَابُ الْجِنْسِ
نَحْوُ: {يا أيها الناس} فَإِنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ النَّاسِ لَا كُلَّ فَرْدٍ وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ وَهَذَا يَغْلِبُ فِي خِطَابِ أَهْلِ مَكَّةَ كَمَا سَبَقَ وَرَجَّحَ الْأُصُولِيُّونَ دُخُولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخِطَابِ بـ يأيها الناس وفي القرآن سورتان أولهما {يا أيها النَّاسُ} إِحْدَاهُمَا: فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَهِيَ السُّورَةُ الرابعة منه
vol. 2, p. 227وَهِيَ سُورَةُ النِّسَاءِ وَالثَّانِيَةُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي: مِنْهُ وَهِيَ سُورَةُ الْحَجِّ وَالْأُولَى تَشْتَمِلُ عَلَى شَرْحِ الْمَبْدَأِ وَالثَّانِيَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى شَرْحِ الْمَعَادِ فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّرْتِيبَ مَا أَوْقَعَهُ فِي الْبَلَاغَةِ
قال الراغب: والناس قَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْفُضَلَاءُ دُونَ مَنْ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ النَّاسِ تَجَوُّزًا وَذَلِكَ إِذَا اعْتُبِرَ معنى الإنسانية وهو وجود العقل وَالذِّكْرِ وَسَائِرِ الْقُوَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُدِمَ فِعْلُهُ الْمُخْتَصُّ بِهِ لَا يَكَادُ يَسْتَحِقُّ اسْمَهُ كَالْيَدِ فَإِنَّهَا إِذَا عَدِمَتْ فِعْلَهَا الْخَاصَّ بِهَا فَإِطْلَاقُ الْيَدِ عَلَيْهَا كَإِطْلَاقِهِ عَلَى يَدِ السَّرِيرِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {آمِنُوا كَمَا آمن الناس} أَيْ: كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالْإِنْسَانِ عَيْنًا وَاحِدًا بَلْ قَصَدَ الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} أَيْ: مَنْ وُجِدَ فِيهِمْ مَعْنَى الْإِنْسَانِيَّةِ أَيَّ إِنْسَانٍ كَانَ
قَالَ: وَرُبَّمَا قُصِدَ بِهِ النَّوْعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْلَا دَفْعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}
-
السادس: خطاب النوع
نحو: {يا بني إسرائيل} والمراد: بنو يعقوب وإنما صرح بِهِ لِلَطِيفَةٍ سَبَقَتْ فِي النَّوْعِ السَّادِسِ وَهُوَ علم المبهمات
vol. 2, p. 228السابع: خطاب العين
نحو: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}
-
{يا نوح اهبط بسلام}
-
{يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا}
-
{يا موسى}
-
{يا عيسى}
-
وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ النِّدَاءُ بِـ "يَا محمد" بل بـ {يا أيها النبي} و {يا أيها الرسول} تَعْظِيمًا لَهُ وَتَبْجِيلًا وَتَخْصِيصًا بِذَلِكَ عَنْ سِوَاهُ
الثامن: خطاب المدح
نحو: {يا أيها الذين آمنوا} وَهَذَا وَقَعَ خِطَابًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا تَمْيِيزًا لَهُمْ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَدْ سبق أن كل آية فيها: {يا أيها الناس}
- vol. 2, p. 229
لِأَهْلِ مَكَّةَ وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ {يا أيها الناس} الأمر بأصل الإيمان ويأتي بعد {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا} الْأَمْرُ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ جَاءَ بَعْدَهَا الْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِصْحَابِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أيها المؤمنون} قِيلَ: يَرِدُ الْخِطَابُ بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَظَاهَرُونَ بِالْإِيمَانِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تؤمن قلوبهم}
-
وَقَدْ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول} أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الْخِطَابُ بـ {يا أيها النبي} {يا أيها الرسول} وَلِهَذَا تَجِدُ الْخِطَابَ بِالنَّبِيِّ فِي مَحَلٍّ لَا يَلِيقُ بِهِ الرَّسُولُ وَكَذَا عَكْسَهُ كَقَوْلِهِ فِي مقام الأمر بالتشريع العام: {يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} وفي مقام الخاص: {يا أيها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ومثله: {إن إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ من دون المؤمنين}
-
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورسوله} فِي مَقَامِ الْإِقْتِدَاءِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} فَكَأَنَّهُ جَمَعَ لَهُ الْمَقَامَيْنِ مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ تَعْدِيدًا لِلنِّعَمِ فِي الْحَالَيْنِ
vol. 2, p. 230وقريب منه في المضاف إلى الخاص: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} وَلَمْ يَقُلْ: "يَا نِسَاءَ الرَّسُولِ" لَمَّا قَصَدَ اخْتِصَاصَهُنَّ عَنْ بَقِيَّةِ الْأُمَّةِ
وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالنَّبِيِّ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ لَكِنَّ مَعَ قَرِينَةِ إرادة التعميم كقوله: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} وَلَمْ يَقِلْ طَلَّقْتَ
التَّاسِعُ: خِطَابُ الذَّمِّ
نَحْوُ: {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم}
-
{قل يا أيها الْكَافِرُونَ}
-
وَلِتَضَمُّنِهِ الْإِهَانَةَ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ
وَكَثُرَ الْخِطَابُ بِـ {يا أيها الذين آمنوا} عَلَى الْمُوَاجَهَةِ وَفِي جَانِبِ الْكُفَّارِ عَلَى الْغَيْبَةِ إِعْرَاضًا عَنْهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين} ثُمَّ قَالَ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} فَوَاجَهَ بِالْخِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَعْرَضَ بِالْخِطَابِ عَنِ الْكَافِرِينَ وَلِهَذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَتَبَ عَلَى قَوْمٍ قَالَ: "مَا بَالُ رِجَالٍ يَفْعَلُونَ كَذَا" فَكَنَّى عَنْهُ تَكَرُّمًا وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ إِعْرَاضًا
vol. 2, p. 231الْعَاشِرُ: خِطَابُ الْكَرَامَةِ
نَحْوُ: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أنت وزوجك الجنة}
-
وقوله: {ادخلوها بسلام آمنين}
-
الْحَادِي عَشَرَ: خِطَابُ الْإِهَانَةِ
نَحْوُ قَوْلِهِ لِإِبْلِيسَ: {فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة}
-
وقوله: {قال اخسأوا فيها ولا تكلمون}
-
وقوله: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك}
قَالُوا: لَيْسَ هَذَا إِبَاحَةً لِإِبْلِيسَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْكَ لَا يَضُرُّ عِبَادَهُ كَقَوْلِهِ: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}
-
الثَّانِي عَشَرَ: خِطَابُ التَّهَكُّمِ
وَهُوَ الِاسْتِهْزَاءُ بِالْمُخَاطَبِ مَأْخُوذٌ مِنْ تَهَكَّمَ الْبِئْرُ إِذَا تَهَدَّمَتْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} وَهُوَ خِطَابٌ لِأَبِي جَهْلٍ لِأَنَّهُ قَالَ: "مَا بين
vol. 2, p. 232جَبَلَيْهَا -يَعْنِي مَكَّةَ- أَعَزُّ وَلَا أَكْرَمُ مِنِّي"
وقال: {فبشرهم بعذاب أليم} جَعَلَ الْعَذَابَ مُبَشَّرًا بِهِ
وَقَوْلُهُ: {هَذَا نُزُلُهُمْ يوم الدين}
-
وَقَوْلُهُ: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فنزل من حميم. وتصلية جحيم} وَالنُّزُلُ لُغَةً: هُوَ الَّذِي يُقَدَّمُ لِلنَّازِلِ تَكْرِمَةً لَهُ قَبْلَ حُضُورِ الضِّيَافَةِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ. لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ من أمر الله} عَلَى تَفْسِيرِ الْمُعَقِّبَاتِ بِالْحَرَسِ حَوْلَ السُّلْطَانِ يَحْفَظُونَهُ -عَلَى زَعْمِهِ- مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهُوَ تَهَكُّمٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْفَظُهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِذَا جَاءَهُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} وهو تعالى يعلم حقيقتهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} وَذَلِكَ لِأَنَّ الظِّلَّ
vol. 2, p. 233مِنْ شَأْنِهِ الِاسْتِرْوَاحُ وَاللَّطَافَةُ فَنُفِيَ هُنَا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَأْهِلُونَ الظِّلَّ الْكَرِيمَ
الثَّالِثَ عَشَرَ: خطاب الجمع بلفظ الواحد
كقوله: {يا أيها الإنسان إنك كادح} {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} وَالْمُرَادُ: الْجَمِيعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا}
-
وَكَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ وَكُلُّكُمْ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ"
-
وَكَثِيرًا مَا يَجِيءُ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى" {إِنَّ هَؤُلَاءِ ضيفي} وَلَمْ يَقُلْ ضُيُوفِي لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ
وَقَوْلِهِ: {هُمُ العدو فاحذرهم} وَلَمْ يَقِلِ الْأَعْدَاءُ
وَقَوْلِهِ: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} أَيْ: رُفَقَاءَ
وَقَوْلِهِ: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} {فما منكم من أحد عنه حاجزين}
-
وَفِي الْوَصْفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطهروا}
- vol. 2, p. 234
وقوله: {الملائكة بعد ذلك ظهير}
-
وقوله: {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا} وَجَمْعُهُ أَنْجِيَةٌ مِنَ الْمُنَاجَاةِ
وَقَوْلِهِ: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النساء} فَأَوْقَعَ الطِّفْلَ جِنْسًا
قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَهَذَا بَابٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لَا الصِّفَةُ نَحْوُ الشَّاةُ وَالْبَعِيرُ وَالْإِنْسَانُ وَالْمَلَكُ قَالَ تَعَالَى: {وَالْمَلَكُ على أرجائها} {وجاء ربك والملك صفا صفا} {إن الأنسان لفي خسر} وَمِنْ مَجِيئِهِ فِي الصِّفَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يعض الظالم على يديه} وقوله: {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار}
وقال: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَقَعُ هَذَا الْمَوْقِعَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَجْرِيَ مَجْرَى الِاسْمِ الصَّرِيحِ
الرَّابِعَ عَشَرَ: خِطَابُ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الجمع
كقوله تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} إِلَى قَوْلِهِ: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} فَهَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ إِذْ لَا نَبِيَّ مَعَهُ قَبْلَهُ وَلَا بعده
vol. 2, p. 235وقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} خَاطَبَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} الْآيَةَ
وَقَوْلِهِ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ والسعة أن يؤتوا أولي القربى} الْآيَةَ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمَّا حَرَمَ مِسْطَحًا رِفْدَهُ حِينَ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ الإفك
وقوله: {فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا} وَالْمُخَاطَبُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا لقوله: {قل فأتوا}
-
وقوله تعالى: {ففررت منكم لما خفتكم}
-
وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ ارجعون} أَيِ: ارْجِعْنِي وَإِنَّمَا خَاطَبَ الْوَاحِدَ الْمُعَظَّمَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقُولُ نَحْنُ فَعَلْنَا فَعَلَى هَذَا الِابْتِدَاءِ خُوطِبُوا بِمَا فِي الْجَوَابِ وَقِيلَ {رَبِّ} اسْتِغَاثَةٌ وَ {ارْجِعُونَ} خِطَابُ الْمَلَائِكَةِ فَيَكُونُ الْتِفَاتًا أَوْ جَمْعًا لِتَكْرَارِ الْقَوْلِ كَمَا قَالَ: "قِفَا نَبْكِ"
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ حَضَرْتُهُ الشَّيَاطِينُ وَزَبَانِيَةُ الْعَذَابِ فَاخْتَلَطَ وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ مِنَ الشَّطَطِ وَقَدِ اعْتَادَ أَمْرًا يَقُولُهُ فِي الْحَيَاةِ مِنْ رَدِّ الْأَمْرِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ
vol. 2, p. 236وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الْآيَةَ وَهَذَا مِمَّا لَا تَشْرِيكَ فِيهِ
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ: "لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ عَلَى حُكْمِ الِاسْتِلْزَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ كِبْرٌ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ
وَمِنْ هَذَا مَا حَكَاهُ الْحَرِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِلْحَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظَةِ نَحْنُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّعْظِيمِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَحَكَى بَعْضُهُمْ خِلَافًا فِي نُونِ الْجَمْعِ الْوَارِدَةِ فِي كَلَامِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقِيلَ: جَاءَتْ لِلْعَظَمَةِ يُوصَفُ بِهَا سُبْحَانَهُ وَلَيْسَ لِمَخْلُوقٍ أَنْ يُنَازِعَهُ فِيهَا فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُكْرَهُ لِلْمُلُوكِ اسْتِعْمَالُهَا فِي قَوْلِهِمْ: نَحْنُ نَفْعَلُ كَذَا وَقِيلَ فِي عِلَّتِهَا: إِنَّهَا كَانَتْ تَصَارِيفُ أَقْضِيَتِهِ تجري على أيدي خلقه تنزلت أَفْعَالُهُمْ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ فَلِذَلِكَ وَرَدَ الْكَلَامُ مَوْرِدَ الجمع فعلى هذا القول يجوز مباشرة النون لكل من لايباشر بِنَفْسِهِ
فَأَمَّا قَوْلُ الْعَالِمِ: "نَحْنُ نُبَيِّنُ " " وَنَحْنُ نشرح" فمفسوح لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِنُونِ الْجَمْعِ عَنْ نفسه وأهل مقالته
vol. 2, p. 237وقوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} وَالْمُرَادُ: الْإِنْسُ لِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَنِي آدَمَ وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ لَكِنْ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ مِنَ الْجِنِّ رَسُولًا اسْمُهُ يُوسُفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خلا فيها نذير} وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رجلا} لِيَحْصُلَ الِاسْتِئْنَاسُ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْجِنِّ وَبِقَوْلِهِ تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا} الْآيَةَ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاصْطِفَاءِ النُّبُوَّةُ
وَأُجِيبَ عَنْ تَمَسُّكِ الضَّحَّاكِ بِالْآيَةِ بِأَنَّ الْبَعْضِيَّةَ صَادِقَةٌ بِكَوْنِ الرُّسُلِ مَنْ بَنِي آدَمَ وَلَا يَلْزَمُ إِثْبَاتُ رُسُلٍ مِنَ الْجِنِّ بِطَرِيقِ إِثْبَاتِ نَفَرٍ مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ مِنْ رُسُلِ الْإِنْسِ وَيُبَلِّغُونَهُ إِلَى قَوْمِهِمْ وَيُنْذِرُونَهُمْ وَيَصْدُقُ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ رُسُلُ الرُّسُلِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهَ رُسُلَ عِيسَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: {إذ أرسلنا إليهم اثنين}