النوع الثاني والأربعون: في وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن

75 paragraphs · vol. 2, p. 217

Page 2 of 2

  1. وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِقَوَّامِ السُّنَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ محمد بن الفضل الحوري قَالَ: قَوْمٌ مِنَ الْجِنِّ رُسُلٌ لِلْآيَةِ

    وَقَالَ الأكثرون: الرسل من الإنس ويجيء مِنَ الْجِنِّ كَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ بِلْقِيسَ: {فَنَاظِرَةٌ بم يرجع المرسلون} وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةٍ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يكون الخطاب لرئيسهم فإن العادة جارية

    vol. 2, p. 238لاسيما مِنَ الْمُلُوكِ أَلَّا يُرْسِلُوا وَاحِدًا وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ ارْجِعُوا إِلَيْهِمْ أَرَادَ الرَّسُولَ وَمَنْ مَعَهُ

    وقوله: {أولئك مبرأون مما يقولون} يَعْنِي: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ

    وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نوح المرسلين} وَالْمُرَادُ بِالْمُرْسَلِينَ نُوحٌ كَقَوْلِكَ: فُلَانٌ يَرْكَبُ الدَّوَابَّ ويلبس البرود وماله إِلَّا دَابَّةٌ وَبُرْدٌ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ

    وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا رَجُلٌ كَانَ لَا يُمَالِئُهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم فسماه الله سبحانه طَائِفَةً وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَيُسَمَّى الرَّجُلُ طَائِفَةً

    وَقَوْلِهِ: {لا بيع فيه ولا خلال} والمراد خلة بدليل الآية الأخرى والموجب للجمع مناسبة رؤوس الْآيِ

    فَائِدَةٌ

    وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إماما} فجوز الفارسي فيه تقديرين:

    أحدهما: أن إمام هُنَا جَمْعٌ لِأَنَّهُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِجَعَلَ وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ جَمْعٌ وَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا وَوَاحِدَهُ آمٌّ لِأَنَّهُ قَدْ سُمِعَ هَذَا فِي وَاحِدِهِ

    vol. 2, p. 239قال تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} فَهَذَا جَمْعُ "آمٍّ" مُسَلَّمًا وَقِيَاسُهُ عَلَى حَدِّ قِيَامٍ وَقَائِمٍ فَأَمَّا أَئِمَّةٌ فَجَمْعُ إِمَامٍ الَّذِي هُوَ مُقَدَّرٌ عَلَى حَدِّ عِنَانٍ وَأَعَنَّةٍ وَسِنَانٍ وأسنة والأصل أيمة فقلبت الفاء

    والثاني: أنه جمع الإمام لِأَنَّ الْمَعْنَى: "أَئِمَّةٌ" فَيَكُونُ إِمَامٌ عَلَى هَذَا واحدا وجمعه أئمة وإمام

    وَقَالَ ابْنُ الضَّائِعِ: قَيَّدَتْ عَنْ شَيْخِنَا الشَّلَوْبِينِ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ غَيْرَ هَذَيْنِ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَالْإِمَامِ وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُجْرَاةِ مَجْرَى الْمَصَادِرِ فِي تَرْكِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ كَحَسِبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى كَقَوْلِهِمْ دَخَلْنَا عَلَى الْأَمِيرِ وَكَسَانَا حُلَّةً وَالْمُرَادُ كُلُّ وَاحِدٍ منا حلة وكذلك هو واجعل كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا إِمَامًا

    الْخَامِسَ عَشَرَ: خِطَابُ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ

    كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلْقِيَا في جهنم} وَالْمُرَادُ: مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ

    وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْخِطَابُ لِخَزَنَةِ النَّارِ وَالزَّبَانِيَةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّفْقَةَ أَدْنَى مَا تَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فَجَرَى كَلَامُ الْوَاحِدِ عَلَى صَاحِبَيْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: {وَجَاءَتْ كُلُّ نفس معها سائق وشهيد}

    vol. 2, p. 240وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: لَمَّا ثَنَّى الضَّمِيرَ اسْتَغْنَى عَنْ أَنْ يَقُولَ أَلْقِ أَلْقِ يُشِيرُ إِلَى إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ

    وَجَعَلَ الْمَهْدَوِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ تعالى: {قال قد أجيبت دعوتكما} قَالَ: الْخِطَابُ لِمُوسَى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ الدَّاعِي وَقِيلَ: لَهُمَا وَكَانَ هَارُونُ قَدْ أَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ وَالْمُؤَمِّنُ أَحَدُ الدَّاعِيَيْنِ

    السَّادِسَ عَشَرَ: خِطَابُ الِاثْنَيْنِ بلفظ الواحد

    كقوله تعالى: {فمن ربكما يا موسى} أَيْ: وَيَا هَارُونَ وَفِيهِ وَجْهَانِ:

    أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَفْرَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنِّدَاءِ بِمَعْنَى التَّخْصِيصِ والتوقف إذا كَانَ هُوَ صَاحِبَ عَظِيمِ الرِّسَالَةِ وَكَرِيمِ الْآيَاتِ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ

    وَالثَّانِي: لَمَّا كَانَ هَارُونُ أَفْصَحَ لِسَانًا مِنْهُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ ثَبَتَ عَنْ جَوَابِ الْخَصْمِ الْأَلَدِّ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَانْظُرْ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَوَابِينَ

    ومثله: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِنَّمَا أَفْرَدَهُ بِالشَّقَاءِ مِنْ حَيْثُ كَانَ الْمُخَاطَبُ أَوَّلًا وَالْمَقْصُودُ فِي الْكَلَامِ وَقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ

    vol. 2, p. 241الشَّقَاءَ فِي مَعِيشَةِ الدُّنْيَا فِي حَيِّزِ الرِّجَالِ وَيُحْتَمَلُ الْإِغْضَاءُ عَنْ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ وَلِهَذَا قِيلَ مِنَ الْكَرَمِ سَتْرُ الْحُرَمِ

    وَقَوْلِهِ: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إنا رسول رب العالمين}

    vol. 2, p. 237
  2. وَنَحْوُهُ فِي وَصْفِ الِاثْنَيْنِ بِالْجَمْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}

    وقال: {هذان خصمان اختصموا} ولم يقل: اختصما

    وقال: {فتاب عليه} وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيْهِمَا اكْتِفَاءً بِالْخَبَرِ عَنْ أَحَدِهِمَا بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ

    السَّابِعَ عَشَرَ: خِطَابُ الْجَمْعِ بَعْدَ الْوَاحِدِ

    كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ} الآية فَجُمِعَ ثَالِثُهَا وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّمَا جُمِعَ فِي الْفِعْلِ الثَّالِثِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ دَاخِلُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا جُمِعَ تَفْخِيمًا لَهُ وَتَعْظِيمًا كَمَا فِي قوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}

  3. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تبوءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصلاة وبشر المؤمنين} فَثَنَّى فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ جَمَعَ ثُمَّ أَفْرَدَ لِأَنَّهُ خُوطِبَ أَوَّلًا مُوسَى وَهَارُونُ لِأَنَّهُمَا الْمَتْبُوعَانِ ثُمَّ سِيقَ الْخِطَابُ عَامًّا

    vol. 2, p. 242لَهُمَا وَلِقَوْمِهِمَا بِاتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ ثُمَّ خُصَّ مُوسَى بِالْبِشَارَةِ تَعْظِيمًا لَهُ

    الثَّامِنَ عَشَرَ: خِطَابُ عَيْنٍ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ

    كقوله: {يا أيها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَقِيًّا وَحَاشَاهُ مِنْ طَاعَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}

  4. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك} بدليل قوله في صدر الآية بعدها: {قل يا أيها النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي}

  5. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَوَّلَهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي الْيَاقُوتَةِ: سَمِعْتُ الْإِمَامَيْنِ ثَعْلَبَ وَالْمُبَرِّدَ يَقُولَانِ: مَعْنَى {فَإِنْ كُنْتَ فِي شك} أي قل يا محمد: إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنَ الْقُرْآنِ فَاسْأَلْ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ إِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ كِتَابٍ

    vol. 2, p. 243وَقَوْلِهِ: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} قَالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: مَعْنَاهُ وَسَّعَ اللَّهُ عَنْكَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَ {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} تَغْلِيظٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عِتَابٌ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ: {فَإِنْ كُنْتَ في شك مما أنزلنا إليك}

  6. وقوله: {عبس وتولى} قِيلَ: إِنَّهُ أُمَيَّةُ وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقِلْ: "عَبَسْتَ"

  7. وَقَوْلِهِ: {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولتكونن من الخاسرين}

  8. وَقَوْلِهِ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}

  9. وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ الْمَشْهُورُ فِي أَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ خِطَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ ثُبُوتِ عِصْمَتِهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالْمُحَالُ يَصِحُّ فَرْضُهُ لِغَرَضٍ

    وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْعَامِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ شَخْصٍ معين والمعنى

    vol. 2, p. 244اتِّفَاقُ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ وَيُسْتَرَاحُ حِينَئِذٍ مِنْ إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ أَصْلِهِ

    وَعَكْسُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عَامًّا وَالْمُرَادُ الرَّسُولُ قَوْلُهُ: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي سِيَاقِهَا: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتى يكونوا مؤمنين}

  10. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ

    قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} فِي أَلَا تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لِجَمْعَهَمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وَأَرَادَهُ

    ثُمَّ قَالَ: وَيَظْهَرُ تَبَايُنُ مَا بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {ني أعظك أن تكون من الجاهلين} وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ

    وَقَالَ مَكِّيٌّ وَالْمَهْدَوِيُّ: الْخِطَابُ بقوله: {فلا تكونن من الجاهلين} لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ

    وَقَالَ قَوْمٌ: وُقِّرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِسِنِّهِ وَشَيْبِهِ

    وَقَالَ قَوْمٌ: جَاءَ الْحَمْلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ وَمَكَانَتِهِ كَمَا يَحْمِلُ الْعَاتِبُ عَلَى قَرِيبِهِ أَكْثَرَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْأَجَانِبِ

    قَالَ: وَالْوَجْهُ الْقَوِيُّ عِنْدِي فِي الآية هو أن ذلك لم يجيء بِحَسَبِ النَّبِيِّينَ وَإِنَّمَا جَاءَ بِحَسَبِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ وَوَقْعِ النَّبِيِّ عَنْهُمَا وَالْعِقَابِ فِيهِمَا

    vol. 2, p. 245التَّاسِعَ عَشَرَ: خِطَابُ الِاعْتِبَارِ

    كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ صَالِحٍ لَمَّا هَلَكَ قَوْمُهُ: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وقال يا قوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تحبون الناصحين} خَاطَبَهُمْ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ إِمَّا لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْلِ بَدْرٍ وَقَالَ: "وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ" وَإِمَّا لِلِاعْتِبَارِ كَقَوْلِهِ: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرض فانظروا} وقوله: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر}

  11. الْعِشْرُونَ: خِطَابُ الشَّخْصِ ثُمَّ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ

    كقوله: {فإلم يستجيبوا لكم} الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لِلْكُفَّارِ: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} بدليل قوله: {فهل أنتم مسلمون}

  12. وقوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا}

    قال ابن خالويه: في كتاب المبتدأ

    vol. 2, p. 246الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّلْوِينِ

    وَسَمَّاهُ الثَّعْلَبِيُّ الْمُتَلَوِّنُ كقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} {فمن ربكما يا موسى} وَتُسَمِّيهِ أَهِلُ الْمَعَانِي الِالْتِفَاتَ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَقْسَامِهِ

    الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الْجَمَادَاتِ خِطَابُ مَنْ يَعْقِلُ

    كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أتينا طائعين} تَقْدِيرُهُ: طَائِعَةٌ

    وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ مِمَّنْ يَقُولُ وَهِيَ حَالَةُ عَقْلٍ جَرَى الضَّمِيرُ فِي {طَائِعِينَ} عليه كقوله: {رأيتهم لي ساجدين}

  13. وَقَدِ اخْتُلِفَ -أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ حَقِيقَةٌ بِأَنْ جَعَلَ لَهَا حَيَاةً وَإِدْرَاكًا يَقْتَضِي نُطْقَهَا أَوْ مجازا بمعنى ظَهَرَ فِيهَا مِنَ اخْتِيَارِ الطَّاعَةِ وَالْخُضُوعِ بِمَنْزِلَةِ هَذَا الْقَوْلِ- عَلَى قَوْلَيْنِ:

    قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأول أحسن لأنه لاشيء يَدْفَعُهُ وَالْعِبْرَةُ فِيهِ أَتَمُّ وَالْقُدْرَةُ فِيهِ أَظْهَرُ

    vol. 2, p. 247ومنه قوله تعالى: {ياجبال أوبي معه} فَأَمَرَهَا كَمَا تُؤْمَرُ الْوَاحِدَةُ الْمُخَاطَبَةُ الْمُؤَنَّثَةُ لِأَنَّ جميع مالا يَعْقِلُ كَذَلِكَ يُؤْمَرُ

    الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّهْيِيجِ

    كَقَوْلِهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَوَكَّلْ يَنْتَفِي عَنْهُمُ الْإِيمَانُ بَلْ حَثٌّ لَهُمْ عَلَى التَّوَكُّلِ

    وَقَوْلِهِ: {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كنتم مؤمنين}

  14. وقوله: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كنتم مؤمنين} فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ عِنْدَ الْخِطَابِ ثُمَّ قَالَ: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فَقَصَدَ حَثَّهُمْ عَلَى تَرْكِ الرِّبَا وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ

    وَقَوْلِهِ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مؤمنين}

  15. وَقَوْلِهِ: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إن كنتم مسلمين}

  16. وَقَوْلِهِ: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}

  17. وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: "إِنْ" هَاهُنَا بِمَعْنَى: "إِذْ"

  18. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الْإِغْضَابِ

    كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}

    vol. 2, p. 248
  19. وقوله: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا}

  20. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يهاجروا في سبيل الله}

  21. الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّشْجِيعِ وَالتَّحْرِيضِ

    وَهُوَ الْحَثُّ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كأنهم بنيان مرصوص} وَكَفَى بِحَثِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَشْجِيعًا عَلَى مُنَازَلَةِ الْأَقْرَانِ وَمُبَاشَرَةِ الطِّعَانِ

    وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين}

  22. وقوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} وَكَيْفَ لَا يَكُونُ لِلْقَوْمِ صَبْرٌ وَالْمَلِكُ

    vol. 2, p. 249الْحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ قَدْ وَعَدَهُمْ بِالْمَدَدِ الْكَرِيمِ فَقَالَ: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العزيز الحكيم} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ من الله ما لا يرجون}

  23. وَقَدْ جَاءَ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْقَسْمِ مَا يُرَادُ مِنْهُ الْأَخْذُ بِالْحَزْمِ وَالتَّأَنِّي بِالْحَرْبِ وَالِاسْتِظْهَارُ عَلَيْهَا بِالْعُدَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوة}

  24. وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَا جَاءَ فِي قَصَصِ الْأَشْقِيَاءِ تَحْذِيرًا لِمَا نَزَلَ مِنَ الْعَذَابِ وَإِخْبَارًا لِلسُّعَدَاءِ فِيمَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ

    السَّادِسَ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّنْفِيرِ

    كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن الله تواب رحيم} فَقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَوْصَافًا وَتَصْوِيرًا لِمَا يَنَالُهُ الْمُغْتَابُ مِنْ عِرْضِ مَنْ يَغْتَابُهُ عَلَى أَفْظَعِ وَجْهٍ وَفِي ذَلِكَ مَحَاسِنُ كَالِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ وَجَعْلِ مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي الْكَرَاهَةِ مَوْصُولًا بِالْمَحَبَّةِ وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى {أَحَدِكُمْ} وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَمْثِيلِ الِاعْتِبَارِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْإِنْسَانِ حَتَّى جَعَلَهُ أَخًا وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى لَحْمِ الْأَخِ حَتَّى

    vol. 2, p. 250جَعَلَهُ مَيْتًا وَهَذِهِ مُبَالَغَاتٌ عَظِيمَةٌ وَمِنْهَا أَنَّ الْمُغْتَابَ غَائِبٌ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ لِمَا قِيلَ فِيهِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ

    السَّابِعَ وَالْعِشْرُونَ: خطاب التحنن والاستعطاف

    كقوله تعالى: {قل يا عبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رحمة الله}

  25. الثامن والعشرون: خطاب التحبيب

    نحو: {يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ}

  26. {يا بني إنها إن تك مثقال حبة}

  27. {يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي}

  28. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ"

  29. التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّعْجِيزِ

    نَحْوُ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}

  30. {فليأتوا بحديث مثله}

  31. {قل فأتوا بعشر سور مثله}

    vol. 2, p. 251
  32. {فادرأوا عن أنفسكم الموت}

  33. وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حديدا} وَرَدَّ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأَنَّ التَّعْجِيزَ يَكُونُ حَيْثُ يَقْتَضِي بِالْأَمْرِ فِعْلُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ: كُونُوا بِالتَّوَهُّمِ وَالتَّقْدِيرِ كَذَا

    الثَّلَاثُونَ: التَّحْسِيرُ وَالتَّلَهُّفُ

    كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ موتوا بغيظكم}

  34. الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: التَّكْذِيبُ

    نَحْوُ قَوْلِهِ: {قُلْ فَأْتُوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون}

  35. الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: خِطَابُ التَّشْرِيفِ

    وَهُوَ كُلُّ مَا في القرآن العزيز مخاطبة بـ "قل" كالقلاقل

    وكقوله: {قل آمنا} وَهُوَ تَشْرِيفٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنْ يخاطبها

    vol. 2, p. 252بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لِتَفُوزَ بِشَرَفِ الْمُخَاطَبَةِ إِذْ لَيْسَ مِنَ الْفَصِيحِ أَنْ يَقُولَ الرَّسُولُ لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِ قَالَ لِي الْمُرْسِلُ قُلْ كَذَا وَكَذَا وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِسْقَاطُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بقاؤها ولا بدلها مِنْ فَائِدَةٍ فَتَكُونُ أَمْرًا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ لِلْمُتَكَلَّمِ بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَمْرَهُ شِفَاهًا بِلَا وَاسِطَةٍ كَقَوْلِكَ لِمَنْ تُخَاطِبُهُ افْعَلْ كَذَا

    الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: خِطَابُ الْمَعْدُومِ

    وَيَصِحُّ ذَلِكَ تَبَعًا لِمَوْجُودٍ كَقَوْلِهِ تعالى: {يا بني آدم} فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلِكُلِّ مَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ عَلَى نَحْوِ مَا يَجْرِي مِنَ الْوَصَايَا فِي خِطَابِ الْإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ مَا تَنَاسَلُوا بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِتْيَانِ طَاعَتِهِ

    قَالَ الرُّمَّانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَإِنَّمَا جَازَ خِطَابُ الْمَعْدُومِ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَكُونُ بِالْإِرَادَةِ لِلْمُخَاطِبِ دُونَ غَيْرِهِ وأما قوله تعالى: {كن فيكون} فَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ حَصَلَ بِخِطَابِ "كُنْ"

    وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: التَّكْوِينُ أَزَلِيٌّ قَائِمٌ بِذَاتِ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ تَكْوِينٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ عِنْدَ وُجُودِهِ لَا أَنَّهُ يُوجَدُ عِنْدَ كَافٍ وَنُونٍ

    وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ خِطَابَ كُنْ مَوْجُودٌ عِنْدَ إِيجَادِ كُلِّ شَيْءٍ فَالْحَاصِلُ عِنْدَهُمْ فِي إِيجَادِ الشَّيْءِ شَيْئَانِ: الْإِيجَادُ وَخِطَابُ كُنْ

    vol. 2, p. 253وَاحْتَجَّ الْأَشَاعِرَةُ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون} وَقَوْلِهِ: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يقول له كن فيكون} وَقَوْلِهِ: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَلَوْ حَصَلَ وُجُودُ الْعِلْمِ بِالتَّكْوِينِ لَمْ يَكُنْ فِي خِطَابِ كُنْ فَائِدَةٌ عِنْدَ الْإِيجَادِ وَأَجَابَ الحنفية بأنا نقول لموجها وَلَا تَسْتَقِلُّ بِالْفَائِدَةِ كَالْمُتَشَابِهِ فَيَقُولُ بِوُجُودِ خِطَابِ كُنْ عِنْدَ الْإِيجَادِ فِي غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تعطيل