ومن من تجب عليه ومن لاتجب عليه

84 paragraphs · vol. 1, p. 327

Page 1 of 3

  1. قوله: " ٥, ٦ المدين المعسر الذي يخاف الحبس والمختفي من الحكم الظالم فعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر ". قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: " خوف أو مرض ". رواه أبو داود بإسناد صحيح" .

    قلت: فيه خطآن:

    الأول: أن إسناد أبي داود غير صحيح لأن فيه أبا جناب وهو ضعيف ومدلس وقد عنعنه كما قال الحافظ في "التلخيص" وضعفه المنذرى أيضا في "مختصر السنن" .

    vol. 1, p. 327
  2. الثاني: أن اللفظ المذكور ليس هو لأبي داود بل هو ملفق من روايتين إحداهما رواية أبي داود ولفظها:

    "من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر - قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى" .

  3. وبهذا اللفظ والسد أخرجه الدارقطني أيضا والحاكم في رواية.

  4. والرواية الأخرى لفظها:
  5. "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر" .

  6. أخرجه ابن ماجه وغيره والحاكم وقال:
  7. "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وهو كما قالا.

  8. وما أعتقد أن المؤلف يستجيز هذا التلفيق بين روايتين ولاسيما وإحداهما

    vol. 1, p. 328صحيحة والأخرى ضعيفة وإنما هو التقليد وعدم الرجوع إلى الأصول.

  9. تنبيه: هذا الحديث اقتصر المؤلف على إيراده ههنا في "الجمعة" وكان يلزمه أن يورده أيضا في "الجماعة" لأن لفظ "النداء" يشملهما معا وعليه نقول: والحديث كما يدل على وجوب الجمعة وأنه لا يجوز التخلف عنها إلا لعذر فكذلك هو يدل على وجوب حضور صلاة الجماعة وأنه لا يجوز تركها إلا لعذر فهو حجة على المؤلف حيث ذكر هناك أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة ووجه ذلك أن الحديث صريح أنه لا يجوز التخلف عنها إلا لعذر وليس هذا شأن السنة فإنه يجوز تركها بدون عذر البتة اكتفاء بالقيام بالفرائض فقط كما يدل على ذلك إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي على قوله: "والله لا أزيد عليهن ولا أنقص"

  10. وقوله: "أفلح الرجل إن صدق" أو: "دخل الجنة إن صدق" فثبت من ذلك أن صلاة الجماعة واجبة لا يجوز تركها إلا لعذر وهو الحق كما سبق بيانه هناك.

  11. وأما تأويل بعض العلماء لقوله في الحديث: "فلا صلاة له" أي: كاملة فإن أرادوا بذلك نفي الوجوب كما هو الظاهر فهو باطل من وجهين:

    الأول: قوله عقبه: "إلا من عذر" فإن هذا لا يقال في غير الواجب كما سبق بيانه.

  12. الثاني: أن هذا التأويل غير معروف في الشرع كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولا بأس من أن أنقل كلامه مختصرا لأهميته قال رحمه الله في "القواعد النورانية" ص ٢٦:

    "وأما ما يقوله الناس: إن هذا نفي للكمال. كقوله: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" قلت: هذا ليس له إسناد ثابت. فيقال له: نعم هو لنفي

    vol. 1, p. 329الكمال لكن لنفي كمال الواجبات أو لنفي كمال المستحبات؟

  13. فأما الأول فحق وأما الثاني فباطل لا يوجد مثل ذلك في كلام الله عز وجل ولا في كلام رسول الله قط وليس بحق فإن الشيء إذا كملت واجباته فكيف يصح نفيه؟!

  14. وأيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة الأولين والآخرين لأن كمال المستحبات من أندر الأمور.

  15. وعلى هذا فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته كقوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية.

  16. وقوله: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} ونظائر ذلك كثيرة.

  17. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له" و "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" و "من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له" .

  18. ولا ريب أن هذا يقتضي أن إجابة المؤذن المنادي إلى الصلاة في جماعة من الواجبات.

  19. لكن إذا ترك هذا الواجب فهل يعاقب عليه ويثاب على فعله من الصلاة أم يقال: إن الصلاة باطلة عليه إعادتها كأنه لم يصلها؟

  20. هذا فيه نزاع بين العلماء". اهـ.

    قلت: واختار شيخ الإسلام في غير هذا الكتاب البطلان واخترنا عدمه لحديث التفضيل على ما بينا في صلاة الجماعة. وحمله هو على المعذور وهو غير متبادر عندي. والله أعلم.

  21. قوله تحت رقم ٧: "وعن أبي مليح عن أبيه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم جمعة وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم. رواه أبو داود وابن ماجه" .

    قلت: السياق لأبي داود ولكنه زاد بعد قوله شهد النبي صلى الله عليه وسلم: "زمن الحديبية" وهي عند ابن ماجه أيضا فهي تدل على أن القصة كانت في السفر وقد صرح بذلك البيهقي في رواية له ومن المعلوم أن لا جمعة في السفر وحينئذ فالحديث لا يدل على أن المطر عذر لترك الجمعة بل للجماعة.

    vol. 1, p. 330
  22. قوله في آخر بحث وقت الجمعة مرجحا مذهب الجمهور أنه بعد الزوال نقلا عن الحافظ: "فروى ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس. وإسناده قوي" .

    قلت: صدق سويد رحمه الله وأخطأ الحافظ ومن قلده كالمؤلف ومن قبله الشوكاني ٣ / ٢٢١ في استدلالهم بهذا الأثر على ما ذكرنا مع أنه ليس فيه ذكر لصلاة الجمعة لا تصريحا ولا تلويحا وهذا بناء على السياق الذي ذكره الحافظ ونقلوه عنه وهو في "الفتح" ٢ / ٣٨٧ كما نقلوا وهو من أخطائه العجيبة التي لا أستطيع تصور صدورها من مثله فإن هذا الأثر لا تعلق له هنا البتة وإنما بصلاة الظهر كذلك وقع. التصريح به عند ابن أبي شيبة أخرجه بسنده الصحيح عن ميمون بن مهران: أن سويد بن غفلة كان يصلي الظهر حين تزول الشمس فأرسل إليه الحجاج: لا تسبقنا بصلاتنا. فقال سويد: قد صليتها مع أبي بكر وعمر هكذا والموت أقرب إلي من أن أدعها. أورده ١ / ٣٢٢ - ٣٢٣ تحت باب: من كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس ولا يبرد بها".

  23. إذا عرفت هذا فلا يصلح للمعارضة المدعاة لكن الحافظ ذكر عقبه آثارا

    vol. 1, p. 331أخرى بمعناه عن عمر وغيره من الصحابة لكن الحقيقة أنه لا تعارض بينها وبين أثر ابن سيدان كما لا تعارض بين الأحاديث الموافقة لها وبين الأحاديث الموافقة له فالصحابة رضي الله عنهم تلقوا الأمرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا - كما كان عليه السلام - يفعلون تارة هذا وتارة هذا كما ذكرته في رسالتي "الأجوبة النافعة" وقد خرجت فيها الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في الأمرين وهي مطبوعة فليراجعها من شاء.

  24. بقي شيء وهو جزم المؤلف بأن أثر ابن سيدان ضعيف وأيده بقول ابن حجر فيه:

    "تابعي كبير غير معروف العدالة" .

  25. وقد رددت عليه في الرسالة المذكورة آنفا بما خلاصته أنه روى عنه أربعة من الثقات وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥ / ٣١ وأزيد هنا: والعجلي أيضا في "الثقات" ٢٥٨ / ٨٢٠ وقلت ثمة:

    "إنه حسن الحديث على طريقة بعض العلماء كابن رجب وغيره" .

  26. بل هي طريقة الحافظ أيضا كما تقدم بيانه ص ٢٠٤ – ٢٠٧.والله أعلم.

  27. قوله في العدد الذي تنعقد به الجمعة: "تصح باثنين فأكثر لقوله صلى الله عليه وسلم: " الاثنان فما فوقهما جماعة ".

    قلت: لا يصح الاستدلال به لعدم ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم كما بينته في "الإرواء " ٤٨٩ و " المشكاة " ١٠٨١ فالاعتماد على ما ذكره المؤلف بعد عن الشوكاني. وراجع له " السيل الجرار" ١ / ٢٩٧ - ٢٩٨ فإنه بحث هام قد لا تجده في غيره.

  28. قوله في أثر عمر: أن جمعوا حيثما كنتم: "وهذا يشمل المدن والقرى" .

    قلت: كذا قال الحافظ في "الفتح" ٤ / ٣٨٠ وتبعه الشوكاني ٣ / ١٩٨ أيضا وهو أعم من ذلك فيشمل أهل المياه أيضا فقد روى ابن أبي شيبة أيضا ٢ / ١٠٢ عقب أثر عمر قال: حدثنا ابن إدريس عن مالك قال:

    "كان أصحاب محمد في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون" .

    vol. 1, p. 332
  29. ويشهد له أثر ابن عمر المذكور في الكتاب آخر هذا البحث وقال فيه:

    "رواه عبد الرزاق بسند صحيح" .

    قلت: كذا قال الحافظ وذكره الشوكاني دون أن ينسبه إليه كغالب تخاريجه واستشهد به المؤلف وفيه ما لا يخفى. وهو في "مصنف عبد الرزاق" ٣ / ١٧٠ / ٥١٨٥ عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ... فذكره. كذا وقع فيه: "عبد الله" مكبرا وهو ضعيف فلعل الأصل "عبيد الله مصغرا وهو ثقة بدليل تصحيح الحافظ لإسناده. والله أعلم.

  30. قوله في آخر بحث حكم الخطبة نقلا عن الشوكاني: "فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود الظاهري والجويني من أن الخطبة مندوبة فقط ".

    قلت: بل الصواب وجوبها وما أجاب به الشوكاني مردود وقد نحا نحوه صديق خان في "الروضة الندية " وفي " الموعظة الحسنة " فرددت عليه في رسالتي " الأجوبة النافعة" بما لا يدع إشكالا على القول بوجوبها

    فراجعه فإنه مهم جدا.

  31. ثم ذكر حديث جابر مرفوعا: كان إذا صعد المنبر سلم وضعفه بابن لهيعة ثم ذكره من مرسل الشعبي وعطاء.

  32. فأقول: هذان المرسلان أخرجهما ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وهما يقويان

    vol. 1, p. 333حديث جابر ولا سيما وقد جرى عمل الخلفاء عليه كما حققته في "الصحيحة" ٢٠٧٦ بما لا تراه في مكان آخر إن شاء الله تعالى.

    قوله في حديث: كان إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم: "رواه ابن ماجه وهو وإن كان فيه مقال إلا أن الترمذي قال: العمل على هذا ... " .

  33. وأقول: الحديث صحيح لأن له شواهد مرفوعة وموقوفة خرجتها في "الصحيحة" أيضا ٢٠٨٠ وأحدها في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري قال: "جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله" .

  34. وهذه من السنن المتروكة فعلى المحبين لها إحياؤها حياهم الله تعالى وبياهم وجعل الجنة مأوانا ومأواهم بفضله وكرمه.

  35. قوله في حديث أبي هريرة: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" : "رواه أبو داود وأحمد بمعناه" .

    قلت: الحديث ضعيف أسنده عن أبي هريرة أحد من لا يوثق بحفظه وخالفه جمع من الثقات فأرسلوه بل أعضلوه وقد أعله بذلك أبو داود نفسه فقال عقبه ٤٨٤٠:

    "رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا" .

  36. فكان على المؤلف أن يذكر هذا عقب الحديث أداء للأمانة العلمية ولكن هذا من شؤم التقليد وعدم الرجوع إلى الأصول ولكن إذا كان لم يرجع إلى الأصل فما باله لم ينقل ما ذكره الشوكاني في "نيل الأوطار" ٣ / ٢٢٤ أن النسائي والدارقطني أعلاه أيضا بالإرسال وهو إنما نقل الحديث وتخريجه منه أو

    vol. 1, p. 334من متنه؟!

  37. وقد خرجت الحديث وتكلمت عليه بتفصيل في أول "إرواء الغليل" رقم ٢ وذكرت له فيه علة أخرى وهي اضطراب ذاك الضعيف في متنه على وجوه بينتها فراجع إن شئت تمام التحقيق.

  38. قوله: "وفي رواية: " الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: تشهد بدل شهادة" .

    قلت: رواية أبي داود ٤٨٤١ مثل رواية الترمذي وهي أصح وقال: "حديث حسن صحيح غريب"

  39. وسنده صحيح وهو في "مسند أحمد" ٢ / ٣٠٢ و٣٤٣.

  40. هذا وكنت أود أن لا يخلي المؤلف كتابه من خطبة الحاجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه ولا سيما وفيها نص التشهد المشار إليه في هذا الحديث وغيره كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:

    "كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك ... " . رواه مسلم ٣ / ١١.