الفصل الأول فيما علم صدقه

76 paragraphs · vol. 2, p. 281

Page 1 of 2

  1. ...

    vol. 2, p. 281
  2. [الباب الثاني في الأخبار]

    قال الباب الثاني في الاخبار وفيه فصول:

    الأول: فيما علم صدقه وهو سبعة.

  3. الأول: ما علم وجود مخبره بالضرورة أو الاستدلال.

  4. والثاني: خبر الله تعالى وإلا لكنا في بعض الأوقات اكمل منه تعالى ونزه.

  5. الثالث: خبر الرسول صلى الله عليه وسلم والمعتمد دعواه الصدق وظهور المعجزة على وفقه.

  6. الرابع: خبر كل الامة لان الاجماع حجة.

  7. الخامس: خبر جمع عظيم عن أحوالهم.

  8. السادس: الخبر المحفوف بالقرائن.

  9. الخبر قسم من أقسام الكلام والقول في انه حقيقة في اللساني أو النفساني أو مشترك على الخلاف السابق وقد يستعمل الخبر في غير القول كقوله:

    تخبرني العينات ما القلب كاتم لكنه مجاز لعدم تبادره الى الذهن.

  10. وقد سبق الكلام على حد الخبر في باب تقسيم الالفاظ واعلم ان الخبر وان كان من حيث هو يحتمل الصدق والكذب لكنه قد يقطع بصدقه أو بكذبه لأمور خارجة أو لا يقطع بواحد منهما لفقدان ما يوجب القطع وحينئذ فقد يظن الصدق وقد يظن الكذب وقد يستوي الأمران والمصنف تكلم في فصول فيما

    vol. 2, p. 282يقطع بصدقه والثاني فيما يقطع بكذبه والثالث فيما يظن بصدقه واقتصر على هذه الفصول وقد علمت مما ذكرناه ان الخبر منحصر في الصدق والكذب لأنه إما مطابق للواقع وهو الصدق أو لا وهو الكذب وجعل الجاحظ بينهما واسطة فقال الصادق وهو المطابق للواقع مع اعتقاد كونه مطابقا والكاذب غير المطابق مع اعتقاد كونه غير مطابق قال وأما الذي لا اعتقاد يصحبه فليس بصدق ولا كذب سواء طابق الواقع أم لا يطابق وهذا قول مزيف عند الجماهير.

  11. الفصل الأول: فيما يقطع بصدقه وهو سبعة أقسام:
  12. الأول: الخبر الذي علم وجود مخبره أي المخبر به وهو بفتح الباء وحصول العلم به قد يكون بالضرورة كقولنا الواحد نصف الاثنين وقد يكون بالاستدلال كقولنا العالم حادث.

  13. الثاني: خبر الله تعالى لأنه لو جاز الكذب عليه لكنا في بعض الأوقات وهو وقت صدقنا وكذبه اكمل منه من جهة الصدق والكذب ان الصدق صفة كمال والكذب صفة نقص وتنزه الله تعالى وتبارك عن ذلك علوا كبيرا.

  14. والثالث: خبر الرسول في الدليل على إفادته العلم انه ادعى الصدق وظهرت المعجزات على في فقه وذلك داليل صدقه لامتناع ظهور المعجزة على يد الكافر وإذا ثبتت نبوته فكل ما يخبر به صحيح قطعا لامتناع الكذب على الأنبياء أما إن فيما كان يتعلق بالتبليغ والتشريع فبإجماع الأمة واما إذا لم يكن متعلقا بالتبليغ فلأنه معصية عندنا وكل معصية من صغيرة أو كبيرة فهي ممتنعة على الأنبياء عليهم السلام.

  15. والرابع: خبر كل الأمة لأن الاجماع حجة كما سيأتي ان شاء الله تعالى وهذا إنما يتم عند من يقول ان الاجماع قطعي واما من يقول انه ظني فهو ينازع في إفادته العلم.

  16. الخامس: خبر العدد والجم الغفير عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة والجوع والعطش كقول زيد انا جائع وعمرو انا ظاميء وخالد أنا

    vol. 2, p. 283شاكر وبكر انا داع وهلم جرا فانا نقطع بأنه لا بد فيه من الصدق وانه ليس كذبا ولكنا نجهل الصحيح منه كما انا لا نشك في ان بعض المروي عنه صلى الله عليه وسلم صدق وان جهل عينه ولا يتوهمن المتوهم ان هذا هو التواتر الآتي ان شاء الله تعالى في آخر الفصل.

  17. وذلك لأن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إذا اخبروا فتارة يتفقون في اللفظ وهو المتواتر وتارة يختلفون في اللفظ والمعنى مع وجود معنى كان فيما اخبروا به وقع عليه اتفاق كما إذا اخبر واحد عن حاتم انه اعطى دينارا وآخر انه اعطى جملا وآخر فرسا وهلم جرا فان المخبرين وان اختلفوا في اللفظ والمعنى فقد اتفقوا على معنى كلي وهو الاعطاء.

  18. وهذا هو التواتر المعنوي وتارة تتغاير الالفاظ والمعاني ولا يقع الاتفاق على معنى كلي ولا جزئي بل كل أحد يخبر عن شان نفسه بخبر يغاير ما اخبر به الآخر وهم جمع عظيم تقتضي العادة بأنه لا بد فيهم من صادق في مقاله وهذا هو القسم الذي يتكلم فيه.

  19. فالثابت في المتواتر ذلك الشيء اخبر به أهل المتواتر وفي المعنوي القدر المشترك وهو كل أمر وقع الاتفاق عليه ضمنا وفي هذا القسم أمر جزئي لم يتفقوا عليه.

  20. السادس: الخبر المحفوف بالقرائن ذهب النظام وإمام الحرمين والغزالي والامام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب انه يفيد العلم وهو المختار وذهب الباقون الى انه لا يفيد.

  21. واحتج الأولون بان الإنسان إذا سمع ان السلطان غضب على وزيره وأهانه ثم رأى الوزير خارجا من باب داره على وجهه الذلة والانكسار والخوف باد على أعطافه والوجل يلوح من حركاته وسكناته وحواليه الأعوان كالمرسمين عليه وكلامهم له كلام النظير بعد ان كانوا خدما بين يديه وهم ذاهبون به نحو حبس السلطان وعدوه يتصرف فيما كان يتصرف فيه فإنه يقطع بصدق ما سمعه لا يداخله في ذلك شك ولا ريب.

  22. بل لو ظهر مع هذه القرائن شكا لعد أحمق ورشقته سهام الملام وكذلك إذا وجدنا رجلا مرموقا عظيم الشان معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات خاسرا رأسه شاقا جيبه حافيا وهو يصيح بالويل والثبور ويذكر أنه أصيب بولد أو والده وشهدت الجنازة ورؤى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فهذه القرائن وأمثالها تفيد العلم بصدق المخبر وإن كان واحدا.

    vol. 2, p. 284
  23. واعلم ان هذه العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مترتبة على قرائن الأحوال وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها.

  24. وقد قلنا انه لا سبيل إلى جحدها إذا وقعت وهذا كالعلم يخجل الخجل ووجل الوجل وبسط الثمل وغضب الغضبان ونحوها مما لا يعد ولا يحصى.

  25. واذا ثبتت هذه القرائن ترتبت عليها بديهية لا يأباها لا جاحد ولو رام امرؤ العلم بضبط القرائن ووضعها بما يميزها عن غيرها لم يجد الى ذلك سبيلا وكأنها تدق عن العبارات وتأبى عن من يحاول ضبطها بها.

  26. وقد قال الشافعي رضي الله عنه من شاهد رضيعا قد ألقم ثديا من موضع وراى فيه آثار الامتصاص وحركات الغلصمة وجرجرة المتجرع لم يسترب في وصول اللبن الى جوف الصبي وحل له ان يشهد له شهادة بأنه بالرضاع ولو انه لم يثبت شهادته في بيان الرضاع ولكنه شهد على ما رأى من القرائن في وصفها واستعان بالواصفين معرفين فبلغ ذكر القرائن مجلس القضاء لم يثبت الرضاع بذلك.

  27. وذلك ان ما سمعه القاضي وصفا لا يبلغ مبلغ العيان والذي يقضي بالمعاين الى درك اليقين يدق مدركه عن عبارة الواصفين.

  28. قال امام الحرمين ولو قيل لا زكى خلق الله قريحة وأحدهم ذهنا أفضل بين حمرة وجه الغضبان وبين حمرة المرعوب لم تساعده عبارة في محاولة الفصل فان القرائن لا تبلغها غايات العبارات.

  29. وبهذا يتمهد ما قلناه من أن حصول العلم بصدق المخبر لن يتوقف على حد محدود ولا عدد معدود والله اعلم.

  30. قال السابع المتواتر وهو خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب وفيه مسائل الاولى انه يفيد العلم مطلقا خلافا للسمنية وقيل يفيد عن الموجود لا عن الماضي لنا انا نعلم بالضرورة وجود البلاد النائية.

    vol. 2, p. 285
  31. والأشخاص الماضية وقيل نجد التفاوت بينه وبين قولنا الواحد نصف الاثنين قلنا للاستئناس.

  32. التواتر لغة هو التتابع وتواتر مجيء القوم أي جاؤوا واحدا بعد واحد بفترة بينهما ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} ١ أي واحدا بعد واحد بفترة بينهما وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف وفي الفصل مسائل أحدها أكثر العقلاء على انه إذا تواتر الخبر أفاد العلم اليقين سواء كان خبرا عن أمور موجودة في زماننا كالإخبار عن البلدان البعيدة أو عن أمور ماضية كالأخبار عن وجود الأنبياء عليهم السلام وغيرهم في القرون الماضية.

  33. وقال السمنية بضم السين المهملة وفتح الميم المشددة بعدها نون ثم باء آخر الحروف وهم قوم من عبدة الأوثان أنه لا يفيد العلم.

  34. قال القاضي في مختصر التقريب وهؤلاء قوم من الأوائل ولا فرق عندهم بين المتواتر والمستفيض والآحاد.

  35. وفصل قوم فقالوا ان كان خبرا عن موجود أفاد العلم وان كان عن ماض فلا يفيده لنا أنا بالضرورة نعالم وجود البلاد النائية كنيسابور وخوارزم والأشخاص الماضية كالشافعي وأبي حنيفة ونجزم بذلك جزما يجري مجرى جزمنا بالمشاهدات فيكون المنكر لها كالمنكر للمشاهدات ومن انكر ذلك فقط سقطت مكالمته ووضحت مجاحدته.

  36. قال القاضي فان قالوا المحسوسات لما كانت معلومة ضرورية لم نجحدها وانما جحدنا ما تواترت عنه الاخبار قلنا وقد جحد المحسوسات السفسطائية وزعموا ان كل ما يسمى محسوسا فلا حقيقة له وانما رؤيتنا له تخييل كحكم النائم.

  37. فان قيل هذا المذهب يؤثر عنهم ولم تر طائفة منهم تقوم بهم حجة.

  38. قال القاضي فيقول كذلك لانزال ننقل مذهب السمنية ولم نر حزبا وفئة يكثر بهم.

    vol. 2, p. 286
  39. واعترض الخصم بأنا نجد التفاوت بين خبر التواتر وغيره من المحسوسات والبديهات كقولنا الواحد نصف الاثنين وقيام التفاوت دليل احتمال يخرج عن كونه يقينيا.

  40. والجواب ان سبب التفاوت الحاصل كثرة استعمال بعض القضايا وتصور طرفها بخلاف غيرها فلهذا يستأنس العقل ببعضها دون بعض وهذا الجواب مبنى على ان العلوم لا تتفاوت والذي اختاره كثيرون خلافه.