الفصل الأول فيما علم صدقه

76 paragraphs · vol. 2, p. 281

Page 2 of 2

  1. قال الثانية إذا تواتر الخبر أفاد العلم ولا حاجة الى نظر خلافا لامام الحرمين والحجة والكعبي والبصري وتوقف المرتضى أما لو كان نظريا لم يحصل لمن لا يتأتى له كالبله والصبيان قيل يتوقف على العلم بامتناع تواطئهم على الكذب وان لا داعي لهم الى الكذب قلنا حاصل بقوة قريبة من الفعل فلا حاجة الى نظر.

    vol. 2, p. 286
  2. الجمهور على انه إذا تواتر الخبر أفاد العلم ولا حاجة معه الى كسب وهو رأي الإمام واتباعه منهم المصنف واختاره ابن الحاجب وذهب أبو القاسم الكعبي من المعتزلة.

  3. وقال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي هنا أنه البلخي وكناه أبا مسلم الى انه كسبي ووافقه ابو بكر الدقاق وأبو الحسين ونقله المصنف تبعا للإمام عن حجة الاسلام الغزالي وفيه نظر فالذي نص عليه في المستصفى ان تحقيق القول فيه انه ضروري بمعنى انه لا يحتاج في حصوله الى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع ان الواسطة حاضرة في الذهن وليس ضروريا بمعنى انه حاصل من غير واسطة كقولنا القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما فانه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس عدم اجتماع هذا الجمع على الكذب واتفاقهم على الاخبار عن هذه الواقعة وهذا الذي ذكره الغزالي هو الحق وهو الذي اختاره الإمام واتباعه.

  4. أما امام الحرمين فقد نقل المصنف عنه ايضا انه نظري وهو صرح في البرهان بموافقة الكعبي كما نقل المصنف لكنه نزل مذهب الكعبي على محمل يقارب ما ذكره الغزالي وهذه عبارته.

    vol. 2, p. 287
  5. ذهب الكعبي الى ان العلم بصدق المخبرين تواترا نظري وقد كثرت المطاعن عليه من أصحابه ومن عصبة الحق والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت اياه جامعة وانتفائها فلم يعن الرجل نظرا عقليا وفكر اسبريا على مقدمات ونتائج فليس ما ذكره الا الحق انتهى.

  6. وإذا اتحد رأي امام الحرمين والغزالي وكان هوى رأي الإمام والجمهور ونزل مذهب الكعبي عليه كما صنع امام الحرمين لم يكن بينهم اختلاف وهذا التنزيل هو الذي ينبغي ان يكون ولا يجعل المسائلة نزاع وتوقف الشريف المرتضى والآمدي واحتج الجمهور بأنه لو كان نظريا لما حصل لمن ليس هو من أهل النظر كالبله والصبيان قال الإمام ولما حصل علمنا انه ليس بنظري وفي الدليلين نظر.

  7. أما الأول فقال النقشواني نمنع حصول العلم بالمتواتر للصبيان حال طفوليتهم وعدم حصول النظر والتمييز لهم حال كونهم مراهقين قال وكذلك نقول في البلة باعتبار الحالتين.

  8. واما الثاني فلأنه يلزم من كونه ضروري العلم بإنه ضروري ضرورة إذ العلم بالشيء لا يستلزم العلم بصفته واحتج القائل بأنه نظري بان العام بمقتضاه متوقف على العلم بامتناع تواطؤ المخبرين عن الكذب عادة وانه لا داعي لهم إليه من غرض ديني أو دنيوي واما إذا كان متوقفا على حصول الغير كان نظريا والمتوقف على النظري الى ان يكون نظريا والجواب ان هذه المقدمات حاصلة بقوة قريبه من الفعل أعني أنه إذا حصل طرفا المطلوب في الذهن فمن غير نظر يحصل لضرورة عقيبة.

  9. قال الثالثة ضابطة إفادة العلم وشرطه ان لا يعلمه السامع ضرورة وان لا يعتقد خلافه لشبهة دليل أو تقليد وأن يكون سند الخبرين إحساسا به.

  10. ضابط الخبر المتواتر إفادة العلم فمتى اخبر هذا الجمع وأفاد خبرهم العلم علمنا انه متواتر ومتى لم يفد تبين لنا انه غير متواتر أما لفقدان شرط من شروط المتواتر أو لوجود مانع وعند هذا يظهر انه يتعذر الاستدلال بالتواتر على من لم يعترف بحصول العلم له ضرورة أنه لا مرجع في حصول شرائطه الا حصول العلم به فمن لم يحصل له العلم لا يمكن الاستدلال به عليه ومن قال لم يحصل لي العلم لا يقال له بل حصل لك العلم وشروط المتواتر أربعة.

    vol. 2, p. 288
  11. أحدها: ان يكون السامع له غير عالم بمدلوله ضرورة لأن تحصيل الحاصل منزل في الاستحالة منزلة تحصيل الممتنع ونحن نضرب لذلك مثالا قائلين ذو العلم بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان لو اخبر بذلك لم يزدد علما ولم يستفد الثاني.

  12. الثاني: ان لا يكون السامع معتقدا خلافه إما لشبهة دليل أو تقليد امام ان كان عاميا وهذا الشرط اعتبره الشريف المرتضى واختاره المصنف واحتج الشريف على اشتراطه بأن حصول العلم عقيب التواتر إنما هو بالعادة لا بطريق التقليد فإنه ربما يتوهم حينئذ انه لا مدخل لما ذكر من الشرط حتى يختلف فعله بحسب اختلافه فجاز ان يختلف ذلك باختلاف أحوال المسلمين فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك ولا يحصل له إذا اعتقد نقيضه ثم أورد على نفسه بإنه يلزمكم على هذا أن يجوزوا.

  13. واصدق من أخبركم بأنه لم يعلم وجود البلدان الكبيرة والحوادث العظام بالأخبار المتواترة لأجل تقليد أو شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء وأجاب عنه بأنه لا داعي يدعو العقلاء الى سبق اعتقاد نفي هذه الأمور ولا شبهة في نفي تلك الأشياء والتقليد لابد وأن ينتهي إلى ما ليس بتقليد دفعا للتسلسل والدور فلا يتصور فيه اعتقاد نفي موجب الخبر فلا جرم انه لا يجوز صدقه وهذا باطل بانا قد نجد أنفسنا جازمة بما اخبر به أهل التواتر وإن سبق لنا اعتقاد نفي موجبه.

  14. واعلم ان الشريف رام بهذا الاشتراط مراما بعيدا فانه اتخذ ذلك ذريعة الى معتقده فقال وهذا كما انه النص الدال على إمامة علي رضي الله عنه متواترا ثم

    vol. 2, p. 289لم يحصل العلم به لبعض السامعين لاعتقادهم نفي النص لشبهة أو تقليد ولقد رمى الغرض من أمد بعيد وأوقع اللبيب في أمر عجاب ما ادري أيتعجب المرء من ذي علم يميل الى معتقد فيدخل في الدين أمورا شامخة وقواعد كلية يتوصل الى إثبات المعتقد الحري بها ولا داعي له الى ذلك سوى غرضه الحري أو يدعي التواتر في أمر إذا عرضه على اهل الخبرة بالحديث في الأثر وذوي المعرفة بفنون السبر لم يلب منهم قائلا ان ذلك خبر يعد في الآحاد فضلا عن الحاقه بالمتوترات وهذا من بهت الروافض فانه لو كان لما خفي على أهل بيعة السقيفة ولتحدثت به امراة على مغزلها ولأبداه مخالف أو مواقف ولخرجه من رواة الحديث ولو حافظ واحد.

  15. الثالث: ان يكون مستند المخبرين في الاخبار وهو الإحساس بالمخبر عنه الحواس الخمس لأن ما لا يكون كذلك يجوز دخول الغلط والالتباس فيه فلا جرمه انه يحصل العلم به وقال امام الحرمين لا معنى لاشتراط الحس فإن المطلوب صدور الخبر عن العلم الضروري ثم قد يترتب على الحواس ودركها وقد يحصل عن قرائن الأحوال ولا اثر للحس فيها على الاختصار فان الحس لا يميز احمرار الخجل والغضبان عن اصفرار المخوف والمرعوب وانما العقل يدرك تميز هذه الأحوال قال فالوجه اشتراط صدور الاخبار عن البديهة والاضطرار هذا كلام امام وفيه نظر لأن ما ذكره راجع الى الحس ايضا لأن القرائن التي تفيد العلم الضروري مستندة الى الحس ضرورة أنها لا تخلو عن ان تكون حالية أو مقالية وهما محسوسان وأما القرائن العقلية فهي نظرية لا محالة فلا يتصور التواتر فيها ولا تفيد الا علما نظريا فلو اخبر الزائدون على عدد أهل التواتر بما لا يحصى عدمها عما علموه نظرا لم يفد خبرهم علما وكانت طلبات العقل قائمة الى قيام البرهان قال امام الحرمين والسبب في ذلك ان النظر مضطرب العقول ولهذا يتصور الاختلاف فيه نفيا وإثباتا فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقل والعقلاء ينقسمون الى راكن في الدعة والهوينا من برجاء كذا النظر والى ناظر ثم النظار ينقسمون ويتحزبون أحزابا لا ينضبط على أقدام القرائح في ذكائها وأنقاذها وبلادتها واقتصادها ومن اعظم أسباب اختلافهم اعتراض

    vol. 2, p. 290القواطع والموانع قبل استكمال النظر فلا يتضمن أخبار المخبرين في صحارى النظر صدقا ولا كذبا.

  16. قال وعددهم مبلغا يمتنع تواطؤهم على الكذب وقال القاضي لا يكفي الاربعة وإلا لأفاد قول كل أربعة فلا يجب تزكية شهود الزنا لحصول العلم بالصدق او الكذب وتوقف في الخمسة ورد بان حصول العلم بفعل الله تعالى فلا يجب الاطراد وبالفرق بين الرواية والشهادة وشرط اثنا عشر كنقباء موسى وعشرون لقوله تعالى ان يكن منكم عشرون صابرون وأربعون لقوله تعالى ومن اتبعك من المؤمنين وكانوا أربعين وسبعون لقوله واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا وثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر والكل ضعيف.

  17. الشرط الرابع: ان يبلغ عدد المخبرين الى مبلغ يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب وذلك يختلف باختلاف الوقائع والقرائن والمخبرين ولا يتقيد ذلك بعدد معين بل هذا القدر كاف عند الجماهير لأنه لا عدد يفرض ألف وألفين الا والكذب منهم غير مستعبد لذي العقل بل المرجع في حصول هذا الشرط وغيره إلى الوجدان فإن وجد السامع نفسه عالما بما اخبره به على التواتر علم وجود هذا الشرط وغيره وإلا علم اختلال غيره من الشرائط.

  18. وهذا قد تقدم ذكره لكن من هؤلاء الجماهير من قطع في جانب النفي ولم يقطع في جانب الاثبات فقال بعدم إفادة عدد معين له وتوقف في بعضه وهو القاضي رضي الله عنه حيث قال اقطع بأن قول الاربعة لا يفيد العلم وأتوقف في الخمسة واحتج على ذلك بأنه لو حصل العلم بخبر أربعة صادقين لحصل بخبر كل أربعة صادقين لأنه لو لم يكن كذلك مع تساوي الأحوال والقائلين والسامعين في جميع الشروط لزم الترجيح من غير مرجح ولأنه لو جاز ذلك لجاز ان يحصل العلم بأحد الخبرين الصادرين عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب دون الآخر ولو حصل العلم بخبر كل أربعة صادقين لوجب ان يستغني الحاكم فيما إذا شهد عنده أربعة ان فلانا زنا بفلانة عن تزكيتهم لأنهم ان كانوا صادقين وجب حصول العلم بقولهم فاستغنى عن التزكية وان لم يحصل القطع بصدقهم وجب ان يحصل العلم بكونهم كاذبين لأن الغرض ان حصول العلم بالصدق من لوازم قول كل أربعة صادقين.

  19. فمتى لم يحصل العلم بالصدق فقد انتفى اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم ولا يمكن انتفاء حصول العلم لانتفاء كونهم شهدوا ولا كونهم أربعة إذ هو خلاف الفرض فتعين ان يكون لانتفاء الصدق ومتى انتفى الصدق تعين الكذب إذ لا واسطة بينهما وحينئذ لا يجب تزكيتهم ايضا للعلم بكذبهم فيخلو عن الفائدة فوضح انه لو أفادت الاربعة تزكية شهود الزنا وطلب تزكيتهم واجب باجماع الامة فبطل الأول.

    vol. 2, p. 291
  20. قال واما الخمسة فأتوقف فيها إذ لا يخفي عدم تأتي هذه الدلالة فيها لأنه ان لم يضطر الى العلم بصدقهم قطع بعدم صدقهم ولا يلزم من القطع بعدم صدقهم عدم صدق الاربعة منهم لجواز ان يكون الاربعة منهم شاهد دون الخامس فجاز ان تطلب تزكيتهم لبقاء النصاب وهذا بخلاف الاربعة لأن كذب أحدهم مسقط للحجة هذا تقرير حجة القاضي ونحن نقول له ان عنيت بقولك أتوقف في الخمسة في حصول العلم بقولهم وعدم حصوله فهو صحيح.

  21. لكن لاختصاص الوقفة بالخمسة بل يتأتى ذلك في الألف والألفين إذ لا نقطع بحصول العلم بصدقهم ولا بعدمه فكان يجب ان نتوقف في الكل بهذا المعنى وان عنيت به التوقف في جواز العلم بقولهم كما في سائر الأعداد وعدم جوازه كما في الأربعة فهو غير صحيح.

  22. لأنه إذا لم يثبت فيهم الدليل الدال على عدم جواز حصول العلم بقولهم يجب إلحاقهم بسائر الأعداد التي يجوز ان يحصل العلم بقولهم قوله وزاد أي رد قول القاضي بوجهين:

    أحدهما: منع الملازمة وأما قوله يلزم الترجيح من غير مرجح فممنوع لأنه منسوب الى الفاعل المختار على مذهبنا ومذهبه فالعلم الحاصل بخبر المتواتر إنما هو بخلق الله تعالى لا بطريق التوليد حتى يكون الترجيح من غير ومرجح ممتنعا واما قوله الجاز في أحد الخبرين عن الجمع الكثير دون الآخر فممنوع لأنه يجوز ان يختلف في ذلك عادة الله تعالى فاطرد عادته بخلق العلم الضروري عقيب أخبار الجمع الكثير ولم يطرد ذلك عقيب أخبار الجمع القليل بل تختلف فيه عادته فتارة يخلق وتارة لا يخلق.

  23. كما ان عادته مطردة بخلق الحفظ عقيب التكرار على البيت الواحد من الشعر ألف مرة ولم تطرد عادته بخلقه عقيب التكرار عليه مرة أو مرتين.

    vol. 2, p. 292
  24. وثانيهما: الفرق بين الرواية والشهادة وذلك ان الشهادة تقتضي شرعا خاصا فتواطؤ الشهود على الكذب في المشهود عليه غير مستبعد بخلاف الرواية.

  25. وكذلك يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية.

  26. قوله وشرط علمت مذهب الجماهير وقد ذهب من سواهم من الخائضين فيه هذا الغزالي اشتراط العدد ثم تضايقت مذاهبهم فيه فلم يغادروا فيه على اختلاف الآراء عددا من الشرع هو مربط حكمه أو جار وفقا في حكاية حال الا مال إليه منهم مائل منهم مائل فذهب ذاهبون الى اشتراط اثني عشر كعدد نقباء موسى عليه السلام لأن موسى عليه السلام نصبهم ليعرفوه أحوال بني إسرائيل قال الله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} ١ وانما خصهم بذلك المدد لحصول العلم بقولهم وبعضهم شرط عشرين لقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ٢ وعلى هذا المذهب العلاف وأبو هشام بن عمر والغوطي لكنهما كما ذكر القاضي في مختصر التقريب شرطا مع ذلك ان يكونوا من المؤمنين الذين هم أولياء الله ونقل الإمام اشتراط العشرين عن أبي الهذيل وبعضهم شرط أربعين مصيرا الى عدد الجمعة ذهابا الى ان العدد هو الذي نزل فيه قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ٣ فنزلت هذه الآية لما آمن أربعون من الرجال.

  27. وشرط آخرون من سبعين تمسكا بقوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ} وشرط آخرون من سبعين تمسكا بقوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا} ٤ وقال قوم ثلثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر والبضع بكسر الباء هو ما بين الثلاث الى التسع والذي مختصر التقريب القاضي والبرهان لامام الحرمين والوجيز لابن برهان والأحكام للآمدي تقييدا هذا العدد بثلاثمائة

    vol. 2, p. 293وثلاثة عشر وهو لا يبان ما نقل المصنف ولعل الناظر في كتب المحدثين يجد انهم كانوا ثلاثمائة رجل وخمسة رجال.

  28. وهو ايضا غير مباين وذلك لأن الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر للمقاتلة ثلثمائة رجل وخمسة رجال ولم يحضر الغزوة ثمانية من المؤمنين أدخلهم النبي صلى الله عليه وسلم في حكم عداد الحاضرين وأجرى عليهم حكمهم فكانت الجملة ثلاثمائة وثلاثة عشر فاستفد هذا فان جماعة من المحدثين ذهلوا عنه حتى حكاه بعضهم خلافا فقال قيل ثلثمائة وقيل ثلثمائة وخمس رجال كالحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره والجمع بين القولين ما أشرنا إليه.

  29. قال المصنف تبعا للجماهير والكل ضعيف وهو كذلك لأنا نعارض بعض هذه المذاهب ببعض ولا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض على بعض.

  30. قال امام الحرمين وإن عن ترجيح فليس من مدلول الحق المقطوع به فان الترجيحات ثمراتها غلبان الظنون في مطرد العادة وأيضا فإنه لا تعلق لشيء من هذه الأعداد بالأخبار.

  31. وانما هي في قضايا غايات جرت في حكاية أحوال وليس في العقل ما يقتضي بمناسبة شيء منها لاقتضاء العلم فلا وجه لاعتبار شيء منها وأيضا فما من عدد مما ذكروه الا ويمكن فرض تواطؤهم على الكذب وبالجملة فالأعداد التي تمسكوا بها منقسمة الى واقع في أقاصيص وحكايات أحوال جرت وفاقا فكان لا يمتنع ان يقع اقل من تلك المبالغ واكثر وهي واردة في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب فلا معنى للتمسك بها ويلتحق بهذه المذاهب قول بعضهم باشتراط عدد بيعة الرضوان قال إمام الحرمين وهم ألف وتسعمائة.

  32. وقال ضرار بن عمرو لا بد من خبر كل الامة وهو الاجماع حكاه القاضي في مختصر التقريب وحكي عن صاحب أبي الهذيل المعروف بأبي عبد الرحمن انه اشترط خمسة من المؤمنين الذين هم أولياء الله شرط عصمتهم عن الكذب قال ولا بد معهم من السادس ليس من الأولياء لتلتبس أعيانهم فلا يشر الى واحد منهم أو لا يجوز ان يكون هو السادس قال القاضي وهو مذهب خالف فيه

    vol. 2, p. 294سائر المذاهب ومنهم من شرط خمسة وأطلق حكاه الآمدي وابن برهان في وجيزه وقال طوائف من الفقهاء ينبغي أن يبلغوا مبلغا لا تحويهم بلد ولا يحصرهم عدد قال إمام الحرمين وهو سرف ومجاورة حد وذهول عن مدرك الحق.

  33. قال ثم إن اخبروا عن عيان فذاك وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات.

  34. عدد التواتر أن اخبروا عن معاينه فذاك وان لم يخبروا عن معاينه اشترط وجود هذا العدد اعني الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل الطبقات وهو معنى قول الاصوليين لا بد فيه من استواء الطرفين والواسطة وبهذا يتبين أن المتواتر قد ينقلب آحادا وربما اندرس دهرا فالمتواتر من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ما اطردت الشرائع فيه عصرا بعد عصر حتى انتهى إلينا وهذا الإخفاء فيه قال إمام الحرمين ولكنه ليس من شرط التواتر قال بل حاصل ذلك أن المتواتر قد ينقلب آحادا وليس من شرائط وقوع التواتر فلا يصح تعبيرهم باشتراط استواء الطرفين والواسطة.

    قال: الرابعة مثلا لو اخبر واحدا بأن حاتما أعطى دينارا وآخر انه أعطى فرسا وآخر انه اعطى جملا وهلم جرا تواتر القدر المشترك لوجوده في الكل.

  35. التواتر قد يكون لفظيا وهو ما سبق وقد يكون معنويا وهو أن يجتمع من يمتنع تواطؤهم على الكذب على الأخبار عن شيء وتتباين أقوالهم فيما يخبرون به ولكن يكون بينها قدر مشترك فيحصل له التواتر لوجوده في خبر كل واحد ووقوع الاتفاق عليه ضمنا إذ الكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخباراتهم عن جزئياته.

  36. ومثال ذلك ما إذا قال زيد أعطى حاتم دينارا وقال عمر وأعطى فرسا وقال خالد أعطي جملا وهلم جرا حتى يبلغ حد التواتر فإن يثبت بهذه الأخبارات القدر المشترك وهو صدور الاعطاء منه ولو ان زيدا ذكر انه اعطى وتصدق ووهب مرارا وعمرو قال أضاف ووقف وانعم بالمال مرارا وهلم جرا لتواتر في نحو هذه الصورة شأن مجرد الاعطاء والكرم.