فصل: في ألفاظ الرواية
28 paragraphs · vol. 1, p. 279
- vol. 1, p. 279
...
-
فصل: [ألفاظ الرواية]
- وألفاظ الرواية في نقل الأخبار خمسة١:
-
فأقواها: أن يقول سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- [يقول كذا] ، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني.
-
فهذا لا يتطرق إليه الاحتمال، وهو الأصل في أمر الرواية، قال -صلى الله عليه وسلم-: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها" ٢ الحديث.
- vol. 1, p. 280
الرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا، فهذه ظاهرة النقل١، وليس نصًّا صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد سمعه من غيره عنه، كما روى أبو هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" ٢. فلما استكشف قال: حدثني الفضل بن عباس٣.
- vol. 1, p. 281
وروى ابن عباس قوله: "إنما الربا في النسيئة" ١. فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد٢.
-
فهذا حكمه حكم القسم الذي قبله؛ لأن الظاهر أن الصحابي لا يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن قوله ذلك يوهم السماع، فلا يقدم عليه إلا عن سماع، بخلاف غير الصحابي٣.
-
ولهذا اتفق السلف على قبول الأخبار، مع أن أكثرها هكذا٤.
- vol. 1, p. 282
ولو قدّر أنه مرسل فمرسل الصحابة حجة على ما سيأتي.
-
الرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكذا، أو نهى عن كذا. فيتطرق إليه احتمالان:
أحدهما: في سماعه، كما في قوله: [قال] ١.
-
والثاني: في الأمر٢؛ إذ قد يرى ما ليس بأمر أمرًا؛ لاختلاف الناس فيه، حتى قال بعض أهل الظاهر: لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ٣.
-
والصحيح: أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم أنه أمر [بذلك] ٤.
-
وأما احتمال الغلط: فلا يحمل عليه أمر الصحابة؛ إذ يجب حمل ظاهر قولهم وفعلهم على السلامة مهما أمكن.
-
ولهذا لو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو شرط شرطًا أو وقَّت وقتًا، فيلزمنا اتباعه٥.
- vol. 1, p. 283
ثم هذا إنما يستقيم أن لو كان الخلاف في الأمر مبنيًّا على اختلاف الصحابة فيه، ولم يثبت ذلك.
-
والظاهر: أنه لم يكن بينهم فيه اختلاف؛ إذ لو كان لنقل، كما نقل اختلافهم في الأحكام، وأقوالهم في الحلال والحرام.
-
وليس من ضرورة الاختلاف في زماننا أن يكون مبنيًّا على اختلافهم، كما أنهم اختلفوا في الأصول، وفي كثير من الفروع، مع عدم اختلاف الصحابة فيه، فإذا قال الصحابي: أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو نهى، لا يكون إلا بعد سماعه ما هو أمر حقيقة١.
-
الرتبة الرابعة: أن يقول: "أُمرنا بكذا" أو "نُهينا" [عن كذا] فيتطرق إليه من الاحتمالات ما مضى٣.
- vol. 1, p. 284
واحتمال آخر: وهو أن يكون الآمر غير النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأئمة والعلماء.
-
وذهبت طائفة إلى أنه لا يحتج به، لهذا الاحتمال١.
-
وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله -تعالى- وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه يريد به إثبات شرع، وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا يحتج بقوله.
-
وفي معناه: قوله " " من السنة كذا " و" السنة جارية بكذا".
-
فالظاهر: أنه لا يريد إلا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون سنة غيره، ممن لا تجب طاعته.
-
ولا فرق بين قول الصحابي ذلك في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بعد موته.
-
وقول الصحابي والتابعي٢ والصحابي في ذلك سواء، إلا أن الاحتمال في قول التابعي أظهر٣.
- vol. 1, p. 285
الرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون [كذا] فمتى أضيف [ذلك] إلى زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو دليل على جوازه؛ لأن ذكره ذلك في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه النبي -صلى الله عليه وسلم- فسكت عنه؛ ليكون دليلًا [على الجواز] مثل قول ابن عمر -رضي الله عنهما-: "كنا نفاضل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنقول: [خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم] ١ أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا ينكره" ٢.
وقال: "كنا نخابر [على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده] ٣ أربعين سنة [حتى روى لنا رافع بن خديج٤" الحديث] ٥.
vol. 1, p. 286وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "كانوا لا يقطعون في الشيء التافه" ١.
-
فإن قال الصحابي: كانوا يفعلون: فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع؛ لتناول اللفظ إياه٢.
وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يدل ذلك على فعل الجميع، ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع٣.
قال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابي "هذا الخبر منسوخ" وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره.