فصل: في التعبد بخبر الواحد سمعا
54 paragraphs · vol. 1, p. 313
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 313
فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا١: فهو قول الجمهور.
-
خلافًا لأكثر القدرية٢ وبعض أهل الظاهر.
- ولنا دليلان قاطعان:
- أحدهما: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على قبوله:
-
فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.
- vol. 1, p. 314
منها: أن الصديق -رضي الله عنه- لما جاءته الجدة تطلب ميراثها نشد الناس: من يعلم قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها؟
-
فشهد له محمد بن مسلمة١، والمغيرة بن شعبة٢ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما، وعمل به "عمر" بعده٣.
-
وروي عن "عمر" -رضي الله عنه- في وقائع كثيرة:
منها: قصة الجنين حين قال: "أذكر الله امرأ سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجنين" ؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة٤ وقال: "كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح٥ فقتلتها
vol. 1, p. 315وجنينها، فقضى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنين بغرة "١ فقال عمر: " لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره "٢.
-
وكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك٣: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إليه: أن يورث امرأة أَشْيَم الضبابي٤ من دية زوجها"٥.
- vol. 1, p. 316
ورجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف١ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٢.
-
وأخذ عثمان بخبر "فريعة بن مالك" ٣ في السكنى، بعد أن أرسل إليها وسألها٤.
- vol. 1, p. 317
وعلي كان يقول: كنت إذا سمعت من النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من عبد يذنب، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له" ١.
- vol. 1, p. 318
ولما اختلف الأنصار في الغسل من المجامعة: أرسلوا أبا موسى١ إلى "عائشة" فروت لهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا مس الختان الختان وجب الغسل" ٢. فرجعوا إلى قولها.
-
واشتهر رجوع أهل قباء إلى خبر الواحد في التحول إلى الكعبة٣.
-
وروى أنس٤ قال: كنت أسقي أبا عبيدة٥، وأبا طلحة٦.
- vol. 1, p. 319
وأبي بن كعب١ شرابًا من فضيخ٢، إذ أتانا آت فقال: إن الخمرة قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس "قم إلى هذه الجرار فاكسرها" فكسرتها٣.
-
ورجع ابن عباس إلى حديث أبي سعيد٤ في الصرف٥.
- vol. 1, p. 320
ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة١.
-
وكان زيد بن ثابت٢ يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف٣.
-
فقال له ابن عباس سل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك؟ فأخبرته، فرجع زيد يضحك وقال لابن عباس: "ما أراك إلا قد صدقت" .
-
والأخبار في هذا أكثر من أن تحصى.
-
واتفق التابعون عليه أيضا٤. وإنما حدث الاختلاف بعدهم.
- vol. 1, p. 321
فإن قيل: لعلهم عملوا بأسباب قارنت هذه الأخبار، لا بمجردها، كما أنهم أخذوا بالعموم، وعملوا بصيغة الأمر والنهي، ولم يكن ذلك نصًّا صريحًا فيها١.
-
قلنا: قد صرحوا بأن العمل بالأخبار؛ لقول عمر: "لولا هذا لقضينا بغيره" .
-
وتقدير قرينة وسببها هنا كتقدير قرائن مع نص الكتاب والأخبارالمتواترة وذلك يبطل جميع الأدلة.
-
وأما العموم، وصيغة الأمر والنهي، فإنها ثابتة، يجب الأخذ بها، ولها دلالات ظاهرة، تعبدنا بالعمل بمقتضاها، وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها فهي كمسألتنا٢.
-
وإنما أنكرها من لا يعتد بخلافه، وأعتذروا بأنه لم ينقل عنهم في صيغة الأمر والعموم تصريح٣.
- vol. 1, p. 322
فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة١.
-
فلم يقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- خبر ذي اليدين٢,
vol. 1, p. 323ولم يقبل "أبو بكر" خبر "المغيرة" وحده في ميراث الجدة١.
-
و "عمر" لم يقبل خبر "أبي موسى" في الاستئذان٢.
-
ورد "علي" خبر معقل بن سنان الأشجعي٣ في "بروع" ٤.
- vol. 1, p. 324
..........................................................
- vol. 1, p. 325
وردت "عائشة" خبر "ابن عمر" في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه١.
- قلنا: الجواب من وجهين:
-
أحدهما: أن هذا حجة عليهم؛ فإنهم قد قبلوا الأخبار التي توقفوا عنها بموافقة غير الراوي له، ولم يبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرج عن رتبةالآحاد إلى رتبة التواتر.
-
والثاني: أن توقفهم كان لمعان مخصصة بهم.
-
فتوقف النبي -صلى الله عليه وسلم- في خبر "ذي اليدين" ليعلمهم: أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد١.
- vol. 1, p. 326
وأما أبو بكر -رضي الله عنه-: فلم يرد خبر "المغيرة" وإنما طلب الاستظهار بقول آخر، وليس فيه ما يدل على أنه لا يقبل قوله لو انفرد.
-
وأما عمر -رضي الله عنه- فإنه كان يفعل ذلك سياسة؛ ليتثبت الناس في رواية الحديث، وقد صرح به فقال: "إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" .
-
وعائشة -رضي الله عنها- لم ترد خبر "ابن عمر" وإنما تأولته.