فصل: في حكم الإجماع السكوتي
26 paragraphs · vol. 1, p. 434
- vol. 1, p. 434
إذا قال بعض الصحابة١ قولًا، فانتشر في بقية الصحابة، فسكتوا: فإن لم يكن قولا في تكليف فليس بإجماع٢.
-
وإن كان: فعن أحمد -رضي الله عنه- ما يدل على أنه إجماع، وبه قال أكثر الشافعية.
وقال بعضهم: يكون حجة، ولا يكون إجماعًا٣.
وقال جماعة آخرون: لا يكون حجة ولا إجماعًا٤، ولا ينسب إلى ساكت قول، إلا أن تدل قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين للرضا، وتجويز الأخذ به.
- vol. 1, p. 435
وقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب:
أحدها: أن يكون لمانع في باطنه لا يطلع عليه.
-
الثاني: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب.
-
الثالث: أن لا يرى الإنكار في المجتهدات، ويرى ذلك القول سائغًا لمن أداه اجتهاده إليه، وإن لم يكن هو موافقًا.
-
الرابع: أن لا يرى البدار١ في الإنكار مصلحة؛ لعارض من العوارض ينتظر زواله، فيموت قبل زواله، أو يشتغل عنه.
-
الخامس: أن يعلم أنه لو أنكر: لم يلتفت إليه، وناله ذل وهوان، كما قال ابن عباس حين سكت عن القول بالعول في زمن عمر -رضي الله عنه-: "كان رجلًا مهيبا فهبته" ٢.
-
السادس: أن يسكت؛ لأنه متوقف في المسألة؛ لكونه في مهلة النظر.
-
السابع: أن يسكت؛ لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار، وأغناه عن الإظهار؛ لأنه فرض كفاية ويكون قد غلط فيه؛ وأخطأ في وهمه٣.
- ولنا:
-
أن حال الساكت لا يخلو من ستة أقسام١:
أحدها: أن يكون لم ينظر في المسألة.
-
الثاني: أن ينظر فيها فلا يتبين له الحكم.
-
وكلاهما خلاف الظاهر؛ لأن الدواعي متوفرة، والأدلة ظاهرة، وترك النظر خلاف عادة العلماء عند النازلة، ثم يفضي ذلك إلى خلو الأرض عن قائم لله بحجته.
-
الثالث: أن يسكت تقيَّة، فلا يُظهِر سَبَبها، ثم يظهر قوله عند ثقاته وخاصته، فلا يلبث القول أن ينتشر.
-
الرابع: أن يكون سكوته لعارض لم يظهر.
-
وهو خلاف الظاهر، ثم يفضي إلى خلو العصر عن قائم لله بحجته.
-
الخامس: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب.
-
فليس ذلك قولًا لأحد من الصحابة.
-
ولهذا: عاب بعضهم على بعض، وأنكر بعضهم على بعض مسائل انتحلوها.
-
ثم العادة: أن من ينتحل مذهبًا يناظر عليه، ويدعو إليه، كما نشاهد في زمننا.
- vol. 1, p. 437
السادس: أن لا يرى الإنكار في المجتهدات.
-
وهو بعيد لما ذكرناه.
-
فثبت أن سكوته كان لموافقته.
-
ومن وجه آخر١: أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة، فنقل إليهم قول صحابي منتشر وسكوت الباقين: كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع
منهم على كونه حجة.
-
ومن وجه آخر: أنه لو لم يكن هذا إجماعًا: لتعذر وجود الإجماع؛ إذ لم ينقل إلينا في مسألة قول كل علماء العصر مصرحًا به.
-
وقول من قال: "هو حجة وليس بإجماع" غير صحيح؛ فإنا إن قدّرنا رضا الباقين كان إجماعًا، وإلا فيكون قول بعض أهل العصر، والله أعلم.