فصل: هل تثبت الأسماء بالقياس

47 paragraphs · vol. 1, p. 489

Page 1 of 2

  1. قال القاضي يعقوب: يجوز أن تثبت الأسماء قياسًا، كتسمية النبيذ خمرًا، لعلمنا: أن مسكر العنب إنما سمي خمرًا؛ لأنه يخامر العقل - أي: يغطيه- وقد وجد هذا المعنى في النبيذ فيسمى به، حتى يدخل في عموم قوله -عليه السلام-: "حرمت الخمر لعينها" ١. وبه قال بعض الشافعية٢.

    vol. 1, p. 490وقال أبو الخطاب، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية: ليس هذا بمرض؛ فإنا عرفنا أن أهل اللغة خصوا مسكر عصير العنب باسم "الخمر" فوضعه لغيره اختراع من عندنا، فلا يكون من لغتهم.

    vol. 1, p. 489
  2. وإذا علمنا أنهم وضعوه لكل مسكر: فاسم "الخمر" ثابت للنبيذ توقيفًا من جهتهم، لا قياسًا.

  3. وإن احتمل الأمرين، فَلِمع نتحكّم عليهم ونقول: لغتكم هذه؟

  4. وقد رأيناهم يضعون الاسم لمعانٍ ويخصصونها بالمحل، كما يسمون الفرس: أدهم؛ لسواده، وكميتًا١؛ لحمرته، والقارورة من الزجاج، لأنه

    vol. 1, p. 491يقر فيها المائعات، ولا يتجاوزون بهذه الأسماء محلها، وإن كان المعنى عامًّا في غيره.

  5. فإذًا: ما ليس على قياس التصريف الذي عرف منهم لا سبيل إلى إثباته ووضعه١.

  6. قلنا: متى تحققنا أنهم وضعوا الاسم لمعنى استدللنا على أنهم وضعوه بإزاء كل ما فيه المعنى، كما أنه إذا نُص على حكم في صورة لمعنى، علمنا: أنه قُصد إثبات الحكم في كل ما وجد فيه المعنى.

  7. فالقياس: توسيع مجرى الحكم٢.

  8. وإذا جاز قياس التصريف، فسموا فاعل الضرب: ضاربًا، ومفعوله: مضروبًا: فَلَِم لا يجوز فيما نحن فيه؟

  9. وفيما استشهدوا به من الأسماء: وضع الاسم لشيئين: الجنس والصفة، ومتى كانت العلة ذات وصفين: لم يثبت الحكم بدونهما٣.

  10. فصل: في تقاسيم الأسماء

    وهي أربعة أقسام:

    وضعية.

    vol. 1, p. 492
  11. وعرفية.

  12. وشرعية.

  13. ومجاز مطلق١.

  14. أما الوضعية: فهي الحقيقة.

  15. وهو: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي٢.

  16. وأما العرفية:

    vol. 1, p. 493
  17. فإن الاسم يصير عرفيًّا باعتبارين:
  18. أحدهما: أن يخصص عرف الاستعمال من أهل اللغة الاسم ببعض مسمياته الوضعية١.

  19. كتخصيص الدابة بذوات الأربع، مع أن الوضع لكل ما يدب.

  20. الاعتبار الثاني: أن يصير الاسم شائعًا في غير ما وضع له أولًا، بل هو مجاز فيه، كالغائط، والعذرة، والراوية٢.

  21. وحقيقة الغائط: المطمئن من الأرض، والعذرة: فناء الدار، والراوية: الجمل الذي يستقى عليه.

  22. فصار أصل الوضع منسيًّا، والمجاز معروفًا، سابقًا إلى الفهم، إلا أنه ثبت بعرف الاستعمال، لا بالوضع الأول٣.

  23. وأما الشرعية:

    vol. 1, p. 494فهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع، كالصلاة، والصيام والزكاة والحج١.

    vol. 1, p. 495وقال قوم: لم ينقل شيء، بل الاسم باق على ما هو عليه في اللغة، لكن اشترط للصحة شروط، فالركوع أو السجود شرط للصلاة، لا من نفس الصلاة بدليل أمرين:

    أحدهما: أن القرآن عربي، والنبي -صلى الله عليه وسلم- مبعوث بلسان قومه١.

  24. ولو قال: "أكرموا العلماء" وأراد الفقراء: لم يكن هذا بلسانهم، وإن كان اللفظ المنقول إليه عربيًّا.

    vol. 1, p. 496
  25. والثاني: أنه لو فعل ذلك: للزمه تعريف الأمة ذلك بالتوقيف١.

  26. وهذا ليس بصحيح٢؛ فإن ما تصوره الشرع من العبادات ينبغي أن يكون لها أسام معروفة، لا يوجد ذلك في اللغة إلا بنوع تصرف، إما النقل، وإما التخصيص. وإنكار أن الركوع والسجود والقيام والقعود الذي هو ركن الصلاة منها: بعيد حدًّا٣.

  27. وتسليم أن الشرع يتصرف في ألفاظ اللغة بالنقل تارة، والتخصيص أخرى -على مثال تصرف أهل العرف- أسهل وأولى مما ذكروه؛ إذ للشرع عرف في الاستعمال كما للعرب.

  28. وقد سمى الله -تعالى- الصلاة إيمانًا بقوله -تعالى-: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ٤.

  29. وهذا لا يخرج هذه الأسامي عن أن تكون عربية -كما قلنا في

    vol. 1, p. 497تصرف أهل اللغة- ولا تسلب الاسم العربي عن القرآن، كما لو اشتمل على مثلها من الكلمات الأعجمية على ما مضى١.

  30. وقوله: "كان يجب التوقيف على تصرفه" فهذا إنما يجب إذا لم يعلم مقصوده بالقرائن، والتكرير مرة بعد أخرى، فإذا فهم حصل الغرض٢.

  31. [إذا أطلق اللفظ حمل على المعنى الشرعي]

  32. وعند إطلاق هذه الألفاظ في لسان الشرع، وكلام الفقهاء، يجب حمله على الحقيقة الشرعية، دون اللغوية، ولا يكون مجملًا، لأن غالب عادة الشارع استعمال هذه الأسامي على عرف الشرع لسائر الأحكام الشرعية.

  33. وحكي عن القاضي: أنه يكون مجملًا، وهو قول بعض الشافعية، والأولى: ما قلناه٣.

  34. ....................................

    vol. 1, p. 498
  35. [المجاز وعلاقاته]

    vol. 1, p. 499
  36. وأما المجاز: فهو اللفظ المستعمل في غير موضوعه على وجه يصح.

  37. ثم إنه إنما يصح بأمور:

    أحدها: اشتراكهما١ في المعنى المشهور في محل الحقيقة، كاستعارة لفظ "الأسد" في الرجل الشجاع؛ لاشتهار الشجاعة في الأسد الحقيقي.

  38. ولا تصح استعارة "الأسد" في الرجل الأبخر، وإن كان البخر موجودًا في محل الحقيقة؛ لكونه غير مشهور به.

  39. والثاني: بسبب المجاورة غالبًا، كتسمية المزادة٢: راوية، باسم الجمل الحامل لها؛ لتجاورهما في الأعم الأغلب.

  40. وتسمية المرأة "ظعينة" ١ باسم الجمل الذي تظعن عليه؛ للزومها إياه.

    vol. 1, p. 500