مقدمة
90 paragraphs · vol. 1, p. 5
Page 2 of 3
- vol. 1, p. 14
فمن المسائل التي قضى فيها الصحابة -رضي الله عنهم- بالاجتهاد والرأي: ما إذا تزوجت المرأة وهي في العدة، ماذا حكمها؟
-
روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي، لما تزوجها في العدة، من زوج ثان وقال: "أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان قد دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدًا" ٣.
-
وذهب علي -رضي الله عنه- إلى أن للزوج الثاني نكاحها بعد انقضاء عدتها من الرجلين.
قال الشافعي: "أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرنا عطاء أن رجلا طلق امرأته فاعتدت منه، حتى إذا بقي شيء من عدتها نكحها
vol. 1, p. 16فلم يكن الصحابة ولا التابعون -رضي الله عنهم- في حاجة إلى معرفة القواعد والضوابط التي عرفت -فيما بعد- بأصول الفقه والاستنباط، لأنها كانت -كما قلت- مركوزة في أذهانهم وسجية لهم، فكانوا يعرفون الخاص والعام الذي أريد به العموم، والعام الذي يراد به الخصوص، والمطلق والمقيد، والمشترك والمفرد، والناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من القواعد التي تدرس في هذا العلم.
-
أما بعد أن طال الزمن، وفسد اللسان العربي، نتيجة لاتساع البلاد الإسلامية، واختلاط الأعاجم بالعرب، وجدّت حوادث ووقائع كثيرة، وكثر الاجتهاد والمجتهدون، واختلفت طرقهم في الاستنباط، وظهر في الأفق الاتجاهان المعروفان باتجاه أهل الحديث بالحجاز، واتجاه أهل الرأي بالعراق، وأسرف كل فريق في الطعن على الفريق الآخر، فعاب أهل الرأي على أهل الحديث الإكثار من الرواية التي هي مظنة لقلة الفهم والتدبر، كما عاب أهل الحديث على أهل الرأي بأنهم يأخدون في دينهم بالظن، ويحكمون العقل في الدين١، فلما اتسع النزاع بين المدرستين المذكورتين، أرسل الإمام عبد الر حمن بن مهدي -عالم الحديث بالمدينة المنورة المتوفى سنة "١٩٨هـ" - إلى الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يطلب منه وضع قواعد يحتكم إليها، وأسس يسير عليها العلماء في اجتهادهم، وكيف يتعاملون مع الأدلة الشرعية، فأجابه الإمام الشافعي، وبعث إليه بهذه القواعد، والتي عرفت فيما بعد باسم "الرسالة" .
- vol. 1, p. 17
وقد بين الإمام الشافعي -في هذه الرسالة- أهمية رسالة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وأهمية الكتاب العزيز "القرآن الكريم" وأنه لا تنزل بأحد نازلة إلا في كتاب الله -تعالى- حكم لها، إما نصًّا وإما إلحاقًا بالنص، وأن مهمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبيين ما نزّل إلى الناس، ثم أتبع ذلك بباب: "كيف يكون البيان" ثم تحدث عن علاقة السنة بالقرآن، وعن حجية السنة وأنها المصدر الثاني للتشريع، كما بين حجية خبر الآحاد بصفة خاصة، ثم أتبع ذلك الكلام على الإجماع، والقياس وحجيته وشروطه، وألحق به باب الاجتهاد، ثم الاستحسان، ثم ذكر الاختلاف بين العلماء، والمذموم منه والممدوح، وأنهى رسالته بموضوع "أقوال الصحابة" رضي الله عنهم، ومدى الاستدلال بها.
-
فكانت هذه الرسالة بمثابة اللبنة الأولى في هذا العلم، من حيث التأليف والتدوين، وأن الإمام الشافعي صاحب السبق في ذلك.
-
وإن كان هناك من ينازع في ذلك، ويدّعي أن هناك من سبق الإمام الشافعي في ذلك، كالإمامين: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، صاحبي الإمام أبي حنيفة -رحمهم الله جميعًا- كما ادعت الشيعة ذلك أيضًا.
-
وهي مجرد دعوى لا دليل عليها، فلم يصلنا من هذه المؤلفات شيء، كما وصلتنا رسالة الإمام الشافعي.
-
وفي تصوّري: أن ما يدعيه هؤلاء، إنما هو من قبيل القواعد التي ترد في بعض المسائل الفقهية بطريقة عارضة، وهو أمر مسلم به؛ فإن كل إمام من الأئمة المجتهدين كانت له قواعده وأصوله التي يسير عليها، ويحتكم إليها في اجتهاده، وسبق أن قلنا: إن هذا كان موجودًا ومطبقًا في عصر الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- وفرق كبير بين تطبيق القواعد
vol. 1, p. 18والاحتكام إليها، وبين تأليف كتاب مستقل متكامل مستوعب لأبواب العلم١.
-
ثم تتابع العلماء بعد ذلك في التأليف وإضافة بعض الموضوعات إلى رسالة الإمام الشافعي، شأنه في ذلك شأن سائر العلوم، تبدأ قليلة، ثم تنمو وتتسع.
-
وقد سلك العلماء -بعد الإمام الشافعي- مسالك مختلفة:
أ- فمنهم من اتجه نحو تحرير المسائل الأصولية وتقرير القواعد تقريرًا منطقيًّا يقوم على الدليل العقلي، دون نظر إلى ما يتفرع عنها من فروع فقهية، وسمي هذا الاتجاه: باتجاه المتكلمين؛ لأنهم أشبهوا علماء الكلام في إقامة الأدلة، ودفع شبه المخالفين.
-
ومن أمهات الكتب المؤلفة على هذه الطريقة:
١- كتاب "العمد" للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المعتزلي المتوفى سنة ٤١٥هـ.
-
٢- كتاب "المعتمد" لأبي الحسين البصري: محمد بن علي الطيب البصري المعتزلي المتوفى سنة ٤٣٦هـ.
-
٣- كتاب "البرهان" لإمام الحرمين: عبد الملك بن يوسف الجويني المتوفى سنة ٤٧٨هـ.
-
٤ - كتاب "المستصفى" للإمام أبي حامد: محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ.
-
فكانت هذه الكتب الأربعة بمثابة المرجع في الأصول على هذه
vol. 1, p. 19الطريقة، إلى أن قام عالمان جليلان بتلخيص ما فيها، هما: فخر الدين الرازي المتوفى سنة "٦٠٦هـ" في كتاب سماه "المحصول" وسيف الدين الآمدي المتوفى سنة "٣٦١هـ" في كتاب سماه "الإحكام في أصول الأحكام" .
-
وقد عني العلماء بهذين الكتابين عناية فائقة، بالاختصار والشرح والتعليق.
-
وتوالت -بعد ذلك- المؤلفات على هذه الطريقة مما يطول بيانه في هذه المقدمة.
-
ب- وبجانب طريقة المتكلمين ظهرت طريقة أخرى تسمى طريقة الفقهاء أو الحنفية، تميزت بربط القواعد الأصولية بالفروع الفقهية، بمعنى: أنهم جعلوا الأصول تابعة للفروع، بحيث تتقرر القواعد على مقتضى الفروع الفقهية، باعتبار أن هذه القواعد إنما هي لخدمة الفروع.
-
ومن أهم الكتب التي وضعت على هذه الطريقة:
١- رسالة الكرخي في الأصول: تأليف أبي الحسن عبد الله بن الحسن الكرخي المتوفى سنة "٣٤٠هـ" .
-
٢- أصول الفقه: لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص المتوفى سنة "٣٧٠هـ" .
-
٣- كنز الوصول إلى معرفة الأصول: تأليف الإمام فخر الإسلام أبي الحسن علي بن محمد البزدوي المتوفى سنة "٤٨٢هـ" .
-
٤- أصول السرخسي: محمد بن أحمد بن سهل السرخسي المتوفى سنة "٤٨٣هـ" .
-
٥- منار الأنوار: لأبي البركات: عبد الله بن أحمد النسفي المتوفى
vol. 1, p. 20سنة "٧١٠هـ" . وعليه عدة شروح نفيسة، واختصره كثير من العلماء.
- ج- طريقة الجمع بين المتكلمين والفقهاء:
-
وفي القرن السابع الهجري بدأت تظهر طريقة ثالثة تجمع بين المنهجين المتقدمين: منهج المتكلمين، ومنهج الفقهاء، بحيث تذكر القاعدة الأصولية وتقيم الأدلة عليها، وتقارن بين ما قاله المتكلمون وما قاله الفقهاء، مع المناقشة والترجيح، ثم تذكر بعض الفروع المخرجة عليها.
-
ومن أشهر الكتب التي ألفت على هذا المنهج:
١- كتاب "بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام" لمظفر الدين: أحمد بن علي الساعاتي الحنفي المتوفى سنة "٦٩٤هـ" .
-
٢- كتاب "التنقيح" للقاضي صدر الشريعة: عبيد الله بن مسعود البخاري الحنفي المتوفى سنة "٧٤٧هـ" .
-
وقد وضع عليه شرحًا سماه "التوضيح شرح التنقيح" .
-
٣ - "جمع الجوامع" لتاج الدين: عبد الوهاب بن على السبكي المتوفى سنة "٧٧١هـ" . وعليه عدة شروح وحواش عظيمة.
-
٤- "التحرير" تأليف: كمال الدين: محمد بن عبد الواحد، المشهور بابن الهمام الفقيه الحنفي المتوفى سنة "٨٦١هـ" .
-
شرحه تلميذه: محمد بن محمد أمير حاج الحلبي المتوفى سنة "٨٧٩هـ" في كتاب سماه "التقرير والتحبير" وعليه شرح آخر يسمى "تيسير التحرير" للشيخ محمد أمين المعروف بأمير بادشاه.
-
٥- "مسلم الثبوت" لمحب الدين بن عبد الشكور البهاري الفقيه الحنفي المتوفى "١١١٩هـ" وعليه شرح نفيس للعلامة: عبد العلي
محمد بن نظام الدين الأنصاري يسمى: "فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت" .
-
وهكذا بدأ المتأخرون ينسجون على منوال ما سلكه المتقدمون١.
- د- اتجاه تخريج الفروع على الأصول:
-
وبجانب الاتجاهات المتقدمة، ظهر اتجاه رابع يسمى اتجاه "تخريج الفروع على الأصول" بحيث يذكر القاعدة الأصولية، وآراء العلماء فيها، دون الخوض في أدلة كل مذهب، ثم يفرع عليها بعض الفروع الفقهية، إما على مذهب معين، وإما مع المقارنة بين مذهبين مختلفين، كالحنفية والشافعية -مثلا- أو الشافعية والمالكية والحنابلة وهكذا.
-
ومن الكتب التي ألفت في هذا الاتجاه:
١- "تخريج الفروع على الأصول" للإمام شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني المتوفى سنة "٦٥٦هـ" .
-
يذكر القاعدة الأصولية، ثم يتبعها بتطبيقات فقهية على مذهب الحنفية والشافعية.
-
٢- "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول" للإمام الشريف أبي عبد الله محمد التلمساني المالكي المتوفى سنة "٧٧١هـ" .
-
سلك فيه مؤلفه نفس المسلك السابق، إلا أنه يقارن بين المذاهب الثلاثة: الحنفي والمالكي والشافعي.