تمهيد

190 paragraphs · vol. 1, p. 23

Page 1 of 5

  1. الإمام ابن قدامة علم من أعلام الفكر الإسلامي، وله من الآثار العلمية ما يشهد بفضله ومكانته العلمية، الأمر الذي جعل العلماء يكتبون عن حياته من نواحيها المختلفة، حتى سجلت فيه بعض الرسائل العلمية١.

    vol. 1, p. 23
  2. فأرى أن الكتابة عن حياته هنا من فضول القول.

  3. وسوف أكتفي هنا بالإشارة السريعة إلى تاريخ حياته، تمهيدًا للحديث عن منهجه في كتابه: "روضة الناظر وجنة المناظر" .

  4. ١- اسمه ونسبه ونشأته:
  5. هو: أبو محمد، موفق الدين: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي.

  6. فأسرته -رحمه الله تعالى- أسرة عريقة، يتصل نسبها إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

  7. ولد -رحمه الله- في شهر شعبان من عام ٥٤١هـ الموافق ١١٤٦م في إحدى قرى نابلس، ثم رحل -بعد ذلك- إلى "دمشق" فحفظ القرآن، وتلقى العلوم على علمائها، وحفظ بعض المتون، ومنها: "مختصر الخرقي" للإمام: عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي المتوفى سنة "٣٣٤هـ" وهو مختصر في فقه الإمام أحمد بن حنبل، وهو الذي شرحه ابن قدامة -فيما بعد- وسماه "المغني" .

  8. وفي عام ٥٦١هـ رحل ابن قدامة إلى "بغداد" وأخذ العلم عن علمائها، وبعد فترة عاد إلى دمشق، ثم إلى "بغداد" مرة ثانية، ثم إلى "مكة المكرمة" فسمع من علمائها وأفاد منهم كثيرًا في جوار البيت الحرام.

  9. وهكذا كانت حياته الأولى، حل وارتحال، في سبيل طلب العلم، حتى وصل إلى المكانة المرموقة بين العلماء.

    قال عنه أبو شامة " ... كان إمام عصره في علم العربية والنحو واللغة، ولم أتمكن من الإكثار من مجالسته والتعلم منه؛ لكثرة الزحام عليه" ١.

  10. شيوخه:
  11. إن كثرة رحلاته وتنقله بين دمشق، وبغداد، ومكة، جعل شيوخه كثيرين، والحديث عنهم يطول، وليس هذا مجاله، وسوف نكتفي بذكر بعضهم.

  12. أولًا- شيوخه في دمشق:
  13. ١- والده -رحمه الله تعالى- أحمد بن محمد بن قدامة المتوفى سنة "٥٥٨هـ" .

  14. ٢- أبو المعالي: عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر السلمي الدمشقي المتوفى سنة "٥٧٦هـ" .

  15. ٣- أبو المكارم: عبد الواحد بن محمد بن المسلّم بن هلال الأزدي الدمشقي المتوفى سنة "٥٦٥هـ" .

  16. ثانيًا- شيوخه في بغداد:
  17. ١- أحمد بن صالح بن شافع الجيلي البغدادي المتوفى سنة "٥٦٥هـ" .

  18. ٢- أحمد بن المقرب بن الحسين البغدادي الكرخي المتوفى سنة "٥٦٣هـ" .

  19. ثالثًا- من شيوخه من مكة:
  20. المبارك بن علي البغدادي الحنبلي، المحدث الفقيه، إمام الحنابلة بالحرم الشريف، المتوفى سنة "٥٧٥هـ" ١.

  21. تلاميذه:
  22. وكما كان شيوخ "ابن قدامة" كثيرين، فإن تلاميذه كانوا -أيضًا- كثيرين.

  23. فإذا كانت التلمذة -بالمعني العام- تثبت لكل من تلقى عنه وأفاد منه مباشرة، أو عن طريق مؤلفاته، فإن كان الأجيال المتأخرة عنه تعتبر من تلاميذه، ونحن منهم.

  24. وسوف نقتصر على بعض المشهورين من تلاميذه الذين تلقوا عنه مباشرة. فمنهم:

    ١- تقي الدين أبو العباس: أحمد بن محمد بن عبد الغني المقدسي الصالحي، شيخ الحنابلة في عصره، المتوفى سنة "٦٤٣هـ" .

  25. ٢- أبو شامة: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المتوفى سنة "٦٦٥هـ" .

  26. ٣- أبو بكر: محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، قاضي القضاة المعروف بابن العماد المتوفى سنة "٦٧٦هـ" .

  27. ٤- أبو الفرج: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة "٦٨٢هـ" .

  28. عقيدته:
  29. كان -رحمه الله تعالى- سلفي العقيدة، يسير على منهج أهل السنة والجماعة، ويكره الخوض في طرق المتكلمين؛ لأنها لا توصل إلى يقين، ويحمل صفات الباري -سبحانه وتعالى- على ظاهرها، كما جاءت في الكتاب والسنة، دون تكلف ولا تعسف، ولا تشبيه ولا تعطيل، فيثبت ما أثبته الله -تعالى- على وجه لا يعلمه إلا هو سبحانه، عملًا بقوله

    vol. 1, p. 27تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ١.

  30. يدل على ذلك ما ذكره -رحمه الله تعالى- في كتبه في مواضع مختلفة:

    فمن ذلك ما جاء في كلامه على قضية المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، يقول -رحمه الله- بعد أن أورد آراء العلماء في المراد من المتشابه: "والصحيح: أن المتشابه: ما ورد في صفات الله -سبحانه- مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ٢ {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ٣ {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ٤ {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ٥ {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ٦ ونحوه.

  31. فهذا اتفق السلف -رحمهم الله- على الإقرار به، وإمراره على وجهه، وترك تأويله؛ فإن الله -سبحانه- ذم المتبعين لتأويله وقرنهم -في الذم- بالذين يبتغون الفتنة وسماهم أهل زيغ٧.

  32. يضاف إلى ذلك مؤلفاته في العقيدة، والتي منها:
  33. ١- "ذم التأويل" وهي رسالة مطبوعة ضمن مجموعة رسائل بمطبعة كروستان بمصر عام ١٣٢٩هـ.

  34. ٢- "لمعة الاعتقاد" وهي رسالة في عقيدة أهل السنة، والجماعة، نسبها إليه "بروكلمان" في تاريخ الأدب العربي١.

    vol. 1, p. 28
  35. ٣- "رسالة في مسألة العلو" نسبها إليه ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة٢، وإسماعيل باشا في هدية العارفين٣.

  36. مذهبه الفقهي:
  37. أما مذهبه الفقهي: فمعروف أنه من أئمة فقهاء الحنابلة، ومؤلفاته المتعددة في فقه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- شاهدة على ذلك، ومنها: "المغني" و "المقنع" و "الكافي" .

  38. وإذا كان كتابه "المغني" في الأصل موضوعًا على مذهب الإمام أحمد، فإن العلماء -وبالأخص في الأزهر- يعتبرونه مصدرًا مهمًّا من مصادر الفقه المقارن، ويضعونه بجانب كتاب "المجموع" للإمام النووي، و "بداية المجتهد" لابن رشد.

  39. مكانته وثناء العلماء عليه:
  40. أما مكانة "ابن قدامة" فحدّث ولا حرج، فقد شهد له علماء عصره، ومن بعدهم بالفضل والعلم والأخلاق الكريمة، ولا غرو، فهو شريف النسب، حيث يتصل نسبه إلى الخليفة العادل "عمر بن الخطاب" -رضي الله عنه- كما تقدم.

    قال عنه تلميذه أبو شامة:

    "كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدين، في العلم

    vol. 1, p. 29والعمل، صنف كتبًا حسانًا في الفقه، وغيره، عارفًا بمعاني الآثار والأخبار "١.

    وقال عنه الصفدي:

    ".... كان أوحد زمانه، إمامًا في علم الفقه، والأصول، والخلاف، والفرائض، والنحو، والحساب، والنجوم السيارة والمنازل "٢.

    وقال عنه ابن الجوزي:

    "كان إمامًا في فنون، ولم يكن في زمانه بعد أخيه "أبي عمر" أزهد منه، وكان معرضًا عن الدنيا وأهلها، هينًا لينًا متواضعًا، حسن الأخلاق، جوادًا سخيًّا، ومن رآه كأنما رأى بعض الصحابة، وكأن النور يخرج من وجهه"٣.