فصل: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة
31 paragraphs · vol. 1, p. 534
- vol. 1, p. 534
ولا خلاف في: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة١.
-
واختلف في تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة:
قال ابن حامد والقاضي يجوز٢.
-
وبه قال أكثر الشافعية وبعض الحنفية٣.
وقال أبو بكر: عبد العزيز٤، وأبو الحسن التميمي: لا يجوز
vol. 1, p. 535ذلك، وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة١.
- ووجهه ثلاثة أمور:
-
أحدها: أن الخطاب يراد لفائدته، وما لا فائدة فيه وجوده كعدمه.
-
ولا يجوز أن يقال: "أبجد هوز" يراد به: وجوب الصلاة، ثم يبينه فيما بعد.
-
والثاني: أنه لا يجوز مخاطبة العربي بالعجمية؛ لأنه لا يفهم معناه، ولا يسمع إلا لفظه.
-
والثالث: أنه لا خلاف أنه لو قال: "في خمس من الإبل شاة" ٢: يريد به: خمس من البقر: لم يجز؛ لأنه تجهيل في الحال٣، وإيهام لخلاف المراد.
-
وكذا قوله -تعالى-: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ٤ يوهم قتل كل مشرك، فإذا لم يبين التخصيص: فهو تجهيل في الحال.
-
ولو أراد بالعشرة: سبعة: لم يجز إلا بقرينة الاستثناء.
-
كذلك العام، لا يجوز أن يراد به الخصوص إلا بقرينة متصلة مبينة، فإن لم يكن بقرينة فهو تغيير للوضع.
وقال آخرون: يجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير بيان
vol. 1, p. 536التخصيص في العموم؛ فإنه يوهم العموم، فمتى أريد به الخصوص، ولم يبين مراده: أوهم ثبوت الحكم في صورة غير مرادة.
-
والمجمل بخلاف هذا، فإنه لم يفهم منه شيء١.
- ولنا٢ الاستدلال بوقوعه في الكتاب والسنة:
-
قال الله -تعالى-: {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} ٤ وثم للتراخي٥، وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ٦ ولم يفصّل إلا بعد السؤال٧.
vol. 1, p. 537وقال -في خمس الغنيمة-: { ... وَلِذِي الْقُرْبَى ... } ١ وأراد: "بني هاشم" و "بني المطلب" ولم يبينهم، فلما منع "بني نوفل" و "بني عبد شمس" : سئل عن ذلك فقال: "إنا وبني عبد المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام" ٢.
وقال لنوح: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} ٣ فتوهم نوح -عليه السلام- أن ابنه من اهله، حتى بين الله -تعالى- له.
وقال: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} ٤. وبين المراد بصلاة جبريل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في اليومين٥.
- vol. 1, p. 538
وبان المراد بقوله -تعالى-: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ١ بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "في أربعين شاة شاة" ٢ و "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ٣.
-
وبان المراد بقوله {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} ٤ بفعله؛ لقوله: "خُذُوا عَنَي مَناَسِكَكَُمْ" ٥.
-
والنكاح، والإرث أصلهما في الكتاب وبينهما النبي -صلى الله عليه وسلم- متراخيا بالتدريج: من يرث، ومن لا يرث، ومن يحل نكاحه، ومن يحرم.
-
وقوله -تعالى-: {وَجَاهِدُوا} ٦ عام، ثم قال: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى} ٧.
- vol. 1, p. 539
وكل عام أتى في الشرع ورد خصوصه بعده. وهذا لا سبيل إلى إنكاره.
-
وإن تطرق الاحتمال إلى بعض هذه الاستشهادات، فلا يتطرق إلى الجميع.
- المسلك الثاني١:
-
أنه لا يجوز تأخير النسخ، بل يجب، والنسخ: بيان للوقت فيجوز أن يرد بلفظ يدل على تكرار الفعل على الدوام، ثم ينسخ بعد حصول اعتقاد اللزوم في الدوام.
-
أما قولهم٢: "لا فائدة في الخطاب بمجمل" : فغير صحيح؛ فإن قوله -تعالى-: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه} ٣ يعرف وجوب الإيتاء،
vol. 1, p. 540ووقته، وأنه حق المال، ويمكن العزم على الامتثال، والاستعداد له، ولو عزم على تركه: عصى.
-
وقوله -تعالى-: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} ١ يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي.
-
فهو كالأمر إذا لم يتبين أنه للإيجاب أو للندب، وأنه على الفور أم على التراخي، فقد أفاد اعتقاد الأصل، وإن خلا من كمال الفائدة، وليس ذلك مستنكرًا، بل واقع في الشريعة والعادة، بخلاف "أبجد هوز" فإنه لا فائدة فيه أصلًا.
-
والتسوية٢ بينه -أيضًا- وبين الخطاب بالفارسية لمن لا يفهمها، غير صحيحة لما ذكرنا٣.
-
ثم لا يمتنع أن يخاطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جميع أهل الآرض بالقرآن، وينذر به من بلغه من الزنج٤ وغيرهم، ويشعرهم اشتماله على
vol. 1, p. 541أوامر يعرفهم المترجم "إياها" ١.
-
وكيف يبعد هذا، ونحن نجوز كون المعدوم مأمورًا على تقدير الوجود، فأمر الأعجمي على تقدير البيان أقرب، وههنا يسمى خطابًا؛ لحصول أصل الفائدة.
-
وأما الثالث٢: فإنما يلزم لو كان العام نصًّا في الاستغراق، وليس٣ كذلك، بل هو ظاهر، وإرادة الخصوص به من كلام العرب٤.
-
فمن اعتقد العموم قطعًا: فذلك لجهله، بل يعتقد أنه محتمل للخصوص، وعليه الحكم بالعموم إن خلى والظاهر، وينتظر أن ينبه على الخصوص.
-
أما إرادة السبعة بالعشرة، والبقرة بالإبل، فليس من كلام العرب، بخلاف ما ذكرناه.