مدخل

34 paragraphs · vol. 1, p. 542

  1. ...

    vol. 1, p. 542
  2. [باب: الأمر]

  3. الأمر: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء١.

  4. وقيل: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به٢.

  5. وهو فاسد؛ إذ تتوقف معرفة المأمور على معرفة الأمر، والحد ينبغي أن يعرف المحدود، فيفضي إلى الدور١.

    vol. 1, p. 543
  6. وللأمر صيغة مبينة فتدل بمجردها على كونها أمرًا إذا تعرت عن القرائن وهي: "افعل" للحاضر، "وليفعل" للغائب. هذا قول الجمهور٢.

  7. وزعمت فرقة من المبتدعة: أنه لا صيغة للأمر، بناء على خيالهم: أن الكلام معنى قائم بالنفس٣.

  8. فخالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والعرف:

    أما الكتاب:

    فإن الله -تعالى- قال لزكريا: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} ١. فلم يسم إشارته إليهم كلامًا.

    وقال لمريم: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} ٢. فالحجة فيه مثل الحجة في الأول.

    vol. 1, p. 544
  9. وأما السنة:

    فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "إن الله عفا لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به" ٣.

    وقال لمعاذ: "أمسك عليك لسانك" قال: وإنا لمؤاخذون بما نقول؟ قال: "ثكلتك أمك وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" ٤.

    vol. 1, p. 545وقال: "إذا قال الإمام {وَلا الضَّالِّين} فَقًُولُوا: آمين" ١ ولم يرد بذلك ما في النفس.

  10. وأما أهل اللسان٢:

    فإنهم اتفقوا -عن آخرهم- على أن الكلام: اسم، وفعل وحرف٢.

  11. واتفق الفقهاء -بأجمعهم- على أن من حلف لا يتكلم، فحّدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه: لم يحنث، ولو نطق: حنث.

  12. وأهل العرف -كلهم- يسمون الناطق: متكلمًا، ومن عداه: ساكتًا، أو أخرس٣.

  13. ومن خالف كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع الناس كلهم -على اختلاف طبقاتهم- فلا يعتد بخلافه.

    vol. 1, p. 546
  14. فأما الدليل على أن هذه صيغة الأمر: فاتفاق أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرًا.

  15. ولو قال رجل لعبده: "اسقني ماء" عُدَّ آمرًا، وعُدَّ العبد مطيعًا بالامتثال، عاصيا بالترك، مستحقا للأدب والعقوبة.

  16. [معاني صيغة الأمر]

  17. فإن قيل: هذه الصيغة مشتركة بين:

    الإيجاب كقوله-تعالى-: {أَقِمِ الصَّلاةَ} ١.

  18. والندب كقوله-تعالى-: {فَكَاتِبُوهُمْ....} ٢.

    والإباحة كقوله-تعالى-: {فَاصْطَادُوا ... } ٣.

  19. والإكرام كقوله-تعالى-: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ} ٤.

  20. والإهانة كقوله- تعالى-: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} ٥.

  21. والتهديد كقوله-تعالى-: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ.....} ٦.

  22. والتعجيز كقوله -تعالى-: {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} ١.

    vol. 1, p. 547
  23. والتسخير كقوله -تعالى-: {كُونُوا قِرَدَةً} ٢.

  24. والتسوية كقوله -تعالى-: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا} ٣.

  25. والدعاء -كقوله-: "اللهم اغفر لي" ٤.

  26. والخبر كقوله -تعالى-: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} ٦.

  27. والتمني كقول الشاعر:

    ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي٧.

  28. فالتعيين يكون تحكمًا.

  29. قلنا: هذا لا يصح لوجهين:
  30. أحدهما: مخالفة أهل اللسان؛ فإنهم جعلوا هذه الصيغة أمرًا، وفرقوا بين "الأمر" و "النهي" فقالوا: باب الأمر: "افعل" ، وباب النهي: "لا تفعل" ، كما ميزوا بين الماضي والمستقبل.

  31. وهذا أمر نعلمه بالضرورة من كل لسان: من العربية، والعجمية، والتركية، وسائر اللغات، لا يشككنا فيه إطلاق مع قرينة التهديد ونحوه في نوادر الأحوال.

  32. الثاني: أن هذا يفضي إلى سلب فائدة كبيرة من الكلام، وإخلاء الوضع عن كثير من الفائدة.

  33. وفي الجملة: كالاشتراك على خلاف الأصل؛ لأنه يخل بفائدة الوضع، وهو: الفهم.

  34. والصحيح: أن هذه صيغة الأمر، ثم تستعمل في غيره مجازًا مع

    vol. 1, p. 549القرينة، كاستعمال ألفاظ الحقيقة بأسرها في مجازها١.