فصل: مسألة: الأمر المجرد يدل على الوجوب

32 paragraphs · vol. 1, p. 552

  1. ...

    vol. 1, p. 552
  2. مسألة: [الأمر المجرد يدل على الوجوب]

  3. إذا ورد الأمر متجردا عن القرائن١: اقتضى الوجوب في قول الفقهاء وبعض المتكلمين.

    وقال بعضهم: يقتضى الإباحة لأنها أدنى الدرجات، فهي مستيقنة، فيجب حمله على اليقين٢.

    vol. 1, p. 553وقال بعض المعتزلة: يقتضي الندب؛ لأنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب وهو: طلب الفعل واقتضاؤه، وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم، أما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم، فيتوقف فيه١.

  4. ولأن الأمر طلب، والطلب يدل على حسن المطلوب لا غير، والمندوب حسن، فيصح طلبه، وما زاد على ذلك درجة لا يدل عليها مطلق الأمر، فيحمل على اليقين.

    وقالت الواقفية: هو على الوقف، حتى يرد الدليل ببيانه؛ لأن كونه موضوعا لأحد الأقسام: إما أن يعلم بنقل أو عقل، ولم يوجد أحدهما، فيجب التوقف فيه٢.

  5. ولنا: ظواهر الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول أهل اللسان:

    vol. 1, p. 554أما الكتاب:

    فقوله –تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ١. حذر الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر، فلولا أنه مقتض للوجوب ما لحقه ذلك.

  6. وأيضا قول الله –تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ٢.

  7. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} ٣ ذمهم على ترك امتثال الأمر، والواجب: ما يذم يتركه.

  8. ومن السنة:

    ما روى البراء بن عازب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فقالت: "من أغضبك أغضبه الله" ؟ فقال: "وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع" ٤.

  9. فإن قيل: هذا أمر اقترن به ما دل على الوجوب.

    vol. 1, p. 555
  10. قلنا: النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما علل غضبه بتركهم اتباع أمره، ولولا أن أمره للوجوب، لما غضب من تركه.

  11. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ١. والندب غير شاق، فدل على أن أمره اقتضى الوجوب.

  12. وقوله -عليه السلام- لبريرة٢: "لو راجعتيه؟ " قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ فقال: "إنما أنا شافع" ٣. فقالت: لا حاجة لي فيه.

  13. وإجابة شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- مندوب إليها، فدلنا ذلك على أن أمره للإيجاب.

    vol. 1, p. 556
  14. الثالث: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله -تعالى- وامتثال أوامره من غير سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عما عنى بأوامره، وأوجبوا أخذ الجزية من المجوس بقوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ١.

    وغسل الإناء من الولوغ بقوله " ... فليغسله سبعا" ٢.

  15. والصلاة عند ذكرها بقوله: ".... فليصلها إذا ذكرها" ٣.

  16. واستدل أبو بكر -رضي الله عنه- على إيجاب الزكاة بقوله

    vol. 1, p. 557- تعالى-: {.... وَآتُوا الزَّكَاةَ} ١.

  17. ونظائر ذلك مما لا يخفى، يدل على إجماعهم على اعتقاد الوجوب.

  18. الرابع: أن أهل اللغة عقلوا٢ من إطلاق الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده، فخالفه، حسن -عندهم- لومه وتوبيخه وحسن العذر في عقوبته لمخالفتة الأمر، والواجب: ما يعاقب بتركه، أو يذم بتركه.

  19. فإن قيل: إنما لزمت العقوبة؛ لأن الشريعة أوجبت ذلك.

  20. قلنا: إنما أوجبت طاعته إذا أتى السيد بما يقتضي الإيجاب، ولو أذن له في الفعل، أو حرمه عليه: لم يجب عليه.

  21. ولأن مخالفة الأمر معصية. قال الله -تعالى-: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} ٣، وقال: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} ٤، ويقال: {أمرتك فعصيتني} .

    وقال الشاعر٥:

    أمرتك أمرا جازما فعصيتني٦ ... .............................

  22. والمعصية موجبة للعقوبة؛ قال الله -تعالى-: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} ١.

    vol. 1, p. 558
  23. وأما قول من قال: "نحمله على الإباحة٢؛ لأنه اليقين" فهو باطل؛ فإن الأمر: استدعاء وطلب، والإباحة ليست طلبًا ولا استدعاء، بل إذن له وإطلاق.

  24. وقد أبعد من جعل قوله: "افعل" مشتركًا بين الإباحة والتهديد، الذي هو: المنع وبين الاقتضاء؛ فإنا ندرك في وضع اللغات -كلها- قولهم: "افعل" و "لا تفعل" و "إن شئت فافعل" و "إن شئت فلا تفعل" .

  25. حتى لو قدرنا انتفاء القرائن كلها يسبق إلى الأفهام اختلاف معاني هذه الصيغ، ونعلم -قطعًا- أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد، كما ندرك التفرقة بين قولهم: "قام" و "يقوم" في: أن هذا ماض، وذاك مستقبل، وهذا أمر يعلم ضرورة، ولا يشككنا فيه إطلاق مع قرينة التهديد.

  26. وبالطريق الذي نعرف فإنه لم يوضع للتهديد: فعلم أنه لم يوضع للتخيير.

  27. وقول من قال: "هو للندب؛ لأنه اليقين" ٣: لايصح لوجهين:

    vol. 1, p. 559أحدهما: أنا قد بينا أن مقتضى الصيغة الوجوب بما ذكرنا من الأدلة.

  28. الثاني: أن هذا إنما يصح أن لو كان الوجوب ندبًا وزيادة، وليس١ كذلك؛ لأنه يدخل في حد الندب: جواز الترك، وليس بموجود في الوجوب.

  29. وأما أهل الوقف٢: فغاية ما معهم: المطالبة بالأدلة، وقد ذكرناها.

  30. ثم قد سلموا أن الأمر اقتضى: ترجيح الفعل على الترك، فيلزمهم: أن يقولوا بالندب، ويتوقفوا فيما زاد، كقول أصحاب الندب.

  31. أما القول: بأن الصيغة لا تفيد شيئًا: فتسفيه لواضع اللغة، وإخلاء للوضع عن الفائدة بمجرده٣.

  32. وإن توقفوا لمطلق الاحتمال: لزمهم التوقف في الظواهر كلها، وترك العمل بما لا يفيد القطع، واطراح أكثر الشريعة فإن أكثرها إنما ثبت بالظنون.