فصل: الأمر المطلق: هل يقتضي الفور
32 paragraphs · vol. 1, p. 571
- vol. 1, p. 571
...
-
فصل: مسألة: [الأمر المطلق: هل يقتضي الفور] ١
الأمر يقتضي فعل المأمور به على الفور، في ظاهر المذهب٢.
-
وهو قول الحنفية٣.
vol. 1, p. 572وقال أكثر الشافعية: هو على التراخي١؛ لأن الأمر يقتضي فعل المأمور لا غير، أما الزمان: فهو لازم الفعل، كالمكان والآلة والشخص، فيما إذا أمره بالقتل، فلا يدل على تعيين الزمان، كما لا يدل على تعيين المكان والآلة.
-
ولأن الزمان في الأمر إنما حصل ضرورة، والضرورة تندفع بأي زمان كان فالتعيين تحكم٢.
-
ويعتضد هذا بالوعد واليمين، لو قال: "سوف أفعل" فمتى فعل. كان صادقًا، وكذا اليمين.
وقالت الواقفية: هو على الوقف في الفور والتراخي، والتكرار وعدمه.
-
وهو بيّن البطلان؛ فإن المبادر ممتثل بإجماع الأمة، مبالغ في
vol. 1, p. 573الطاعة، مستوجب جميل الثناء.
-
ولو قيل لرجل: "قم" فقام في الحال: عُدَّ ممتثلًا، ولم يُعدَّ مخطئًا باتفاق أهل اللغة.
-
وقد أثنى الله -تعالى- على المسارعين فقال: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} ١.
- ولنا أدلة٢:
-
أحدها: قوله -تعالى- {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} ٤ أمر بالمسارعة، وأمره يقتضي الوجوب٥.
- vol. 1, p. 574
الثاني: أن مقتضاه عند أهل اللسان: الفور فإن السيد لو قال لعبده: "اسقني" فأخر: حسن لومه وتوبيخه وذمه.
-
ولو اعتذر عن تأديبه على ذلك: بأنه خالف أمري وعصاني: لكان عذره مقبول١.
-
الثالث: أنه لا بد [للأمر] من زمان، وأولى الأزمنة عقيب الأمر؛ ولأنه يكون ممتثلا يقينًا، وسالما من الخطر قطعًا.
-
ولأن الأمر سبب للزوم الفعل، فيجب أن يتعقبه حكمه، كالبيع، والطلاق، وسائر الإيقاعات؛ ولذلك يعقبه العزم على الفعل والوجوب.
-
الرابع: أن جواز التأخير غير مؤقت ينافي الوجوب؛ فإنه لا يخلو:
إما أن يؤخر إلى غاية.
-
أو إلى غير غاية.
-
فالأول: باطل؛ لأن الغاية لا يجوز أن تكون مجهولة؛ لأنه يكون تكليفًا لما لا يدخل تحت الوسع.
-
وإن جعلت الغاية: الوقت الذي يغلب على ظنه البقاء إليه: فباطل -أيضًا-؛ فإن الموت يأتي بغتة كثيرًا.
-
ثم لا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها إلا عند عجزه عن العبادات.
- vol. 1, p. 575
لا سيما العبادات الشاقة، كالحج، لا سيما والإنسان طويل الأمل، يهرم ويشب أمله١.
-
وإن قيل: يؤخر إلى غير غاية: فباطل -أيضًا-؛ لأنه لا يخلو من قسمين:
إما أن يؤخر إلى غير بدل، فيلتحق بالنوافل والمندوبات٢.
-
أو إلى بدل: فلا يخلو البدل: إما أن يكون بالوصية به، أو العزم عليه:
والوصية لا تصلح بدلًا؛ لأن كثيرا من العبادات لا تدخلها النيابة.
-
ولأنه لو جاز التأخير للموصي: جاز للوصي -أيضًا- فيفضي إلى سقوطه.
-
والعزم ليس ببدل؛ لأن العزم يجب قبل دخول الوقت، والبدل لا يجب قبل دخول وقت المبدل.
-
ولأن وجوب البدل يحذو وجوب المبدل، والمبدل لا يجب على الفور، فكذلك البدل.
-
ولأن البدل يقوم مقام المبدل، ويجزئ عنه، والعزم ليس بمسقط للفعل، وكيف يجب الجمع بين البدل والمبدل؟
- vol. 1, p. 576
ثم لا ينفعكم تسميته بدلًا، مع كون الفعل واجبًا، فما الذي يسقط وجوب الفعل ويقوم مقامه؟
-
فإن قيل: هذا يبطل بما إذا قال: "افعل أي وقت شئت، فقد أوجبته عليك" فإنه لا يتناقض.
-
قلنا: يتناقض؛ إذ حقيقة الواجب: ما لا يجوز تركه مطلقًا، وهذا جائز الترك مطلقًا.
-
وقولهم١: "إن الأمر لا يتعرض للزمان" فهي مطالبة بالدليل، وقد ذكرناه٢.
-
والفرق بين الزمان، والمكان، والآلة: أن عدم التعيين في الزمان يفضي إلى فواته، بخلاف المكان.
-
ولأن المكانين سواء بالنسبة إلى الفعل، والزمان الأول أولى، لسلامته فيه من الحظر، والخروج من العهدة يقينًا، فافترقا٢.