فصل: في ألفاظ العموم

61 paragraphs · vol. 2, p. 10

Page 1 of 2

  1. وألفاظ العموم خمسة أقسام:
  2. الأول: كل اسم عرّف بالألف واللام لغير المعهود١.

    vol. 2, p. 11
  3. وهو ثلاثة أنواع:

    الأول: ألفاظ الجموع، كالمسلمين والمشركين، والذين.

  4. والنوع الثاني: أسماء الأجناس، وهو ما لا واحد له من لفظه، كالناس، والحيوان، والماء، والتراب.

  5. والنوع الثالث: لفظ الواحد٢: كالسارق، والسارقة، والزاني، والزانية، و {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْر} ١٣.

  6. القسم الثاني: من ألفاظ العموم: ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة٤ إلى معرفة، كعبيد زيد، ومال عمرو٥.

  7. القسم الثالث: أدوات الشرط: كـ "مَن" فيمن يعقل، و "ما" فيما لا يعقل، و "أي" في الجميع١، و "أين" و "أيان" في المكان٢ و "متى" في الزمان، ونحوه.

    vol. 2, p. 12
  8. كقوله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه} ٣ و {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاق} ٤ و {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْت} ٥، وقوله عليه السلام: "أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا...." ٦.

  9. القسم الرابع: "كل" و "جميع" : كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت} ١، و {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} ٢، و {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء} ٣.

    vol. 2, p. 13
  10. القسم الخامس: النكرة في سياق النفي، كقوله تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة} ٤، {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} ٥.

    vol. 2, p. 14قال البستي١: الكامل في العموم: هو الجمع، لوجود صورته ومعناه، وما عداه قاصر في العموم؛ لأنه بصيغته إنما يتناول واحدًا، لكنه ينتظم جمعًا من المسميات معنى، فالعموم قائم بمعناها، لا بصيغتها.

  11. [هل للعموم صيغة تخصه حقيقة] ٢
  12. واختلف الناس في هذه الأقسام الخمسة:
  13. فقالت الواقفية: لا صيغة للعموم، بل أقل الجمع داخل فيه بحكم الوضع، وفيما زاد عليه، فيما بين الاستغراق وأقل الجمع: مشترك كاشتراط لفظ "النفر" بين الثلاثة والخمسة٣.

  14. وحكي مثل ذلك عن محمد بن شجاع الثلجي٤.

  15. قالوا١: لأن أقل الجمع مستيقن، وفيما زاد مشكوك، يحتمل أن يكون مرادًا، وأن لا يكون مرادًا، فيحمل على اليقين٢.

    vol. 2, p. 15
  16. ولأن٣ وضع هذه الصيغ للعموم: إما أن يعلم بعقل، أو بنقل.

  17. فالعقل لا مدخل له في اللغات.

  18. والنقل: إما تواتر، وإما آحاد:

    فالآحاد لا يحتج بها.

  19. والتواتر لا يمكن دعواه.

  20. ثم لو كان لأفاد علمًا ضروريًّا.

  21. ولأنا٤ لما رأينا العرب تستعمل الألفاظ المشتركة في جميع مسمياتها: قضينا بأنها مشتركة، وأن من ادعى أنها حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر: كان متحكمًا.

  22. وهذه الصيغ تستعمل في العموم والخصوص، بل استعمالها في الخصوص أكثر في الكتاب والسنة، وليس أحدهما أولى من الآخرن فهما قولان متقابلان، فيجب تدافعهما، والقول والاعتراف بالاشتراك.

  23. ولأنه٥ يحسن الاستفهام، فلو قال: "من دخل داري فأعطه درهمًا"

  24. حسن أن يقول: "وإن كان فاسقًا" ؟ ولو عم اللفظ: لما حسن الاستفسار. ولنا دليلان١:

    أحدهما: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فإنهم مع أهل اللغة بأجمعهم، أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم، إلا ما دل على تخصيصه دليل؛ فإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم: فعملوا بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم} ٢ واستدلوا به على إرث فاطمة٣ -رضي الله عنها- حتى نقل أبو بكر، رضي الله عنه: "نحنُ معاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنَاه صَدَقة" ٤.

    vol. 2, p. 16
  25. وأجروا {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة} ١، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ٢، و {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} ٣، و {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} ٤، {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم} ٥ و {لا تَقْتُلُوا الصَّيْد} ٦، و "لَا تُنْكَحُ المَرْأَة على عَمَّتِها" ٧، "ومَنْ أَغْلَقَ عليه بابَهُ فهو آمِنٌ" ٨، و " لا يَرِثُ القَاتِلُ" ٩، وغير ذلك مما لا يحصى على العموم

    vol. 2, p. 18ولما نزل قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ١ قال ابن أم مكتوم٢: "إني ضرير البصر" فنزل: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَر} فعَقَل الضرير وغيره من عموم اللفظ٣.

    vol. 2, p. 17
  26. ولما نزل {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} ٤ قال ابن الزبعري٥: لأخصمن محمدًا، فقال له: قد عُبدت الملائكة

    vol. 2, p. 19والمسيح، أفيدخلون النار؟ فنزل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون} ١.

  27. فعقَل العموم، ولم ينكر عليه، حتى بين الله -تعالى- المراد من اللفظ. ولما أراد أبو بكر -رضي الله عنه- قتال مانعي الزكاة، قال له عمر: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناس حَتَّى

    vol. 2, p. 20يقولوا: يقولوا لا إِلَه إِلّا اللهُ ... " ١ الحديث. فلم ينكر أبو بكر احتجاجه، بل قال: أليس قد قال: " إِلّا بِحَقِّهَا" والزكاة من حقها.

  28. واختلف عثمان وعلي في الجمع بين الأختين٢:
  29. فاحتج عثمان بقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم} ٣.

  30. واحتج علي بعموم قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن} ٤.

  31. ولما سمع عثمان بن مظعون١ قول لبيد٢:

    .................... ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحالَةَ زَائلُ

    قال له: كذبت، إن نعيم الجنة لا يزول٣.

    vol. 2, p. 21
  32. وهذا وأمثاله مما لا ينحصر كثرة، يدل على اتفاقهم على فهم العموم من صيغته، والإجماع حجة.

  33. ولو لم يكن إجماعهم حجة، لكان حجة من حيث إنهم أهل اللغة، وأعرف بصيغتها وموضوعاتها.

  34. المسلك الثاني١: أن صيغ العموم يحتاج إليها في كل لغة، ولا تختص بلغة العرب.

    vol. 2, p. 22
  35. فيبعد جدًّا أن يغفل عنها جميع الخلق، فلا يضعونها مع الحاجة إليها.

  36. ويدل على وضعه٢: توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام، وسقوطه عمن أطاع، ولزوم النقض والخلف على الخبر العام، وبناء الاستحلال٣ والأحكام على الألفاظ العامة.

  37. فهذه أربعة أمور تدل على الغرض.

  38. وبيانها: أن السيد إذا قال لعبده: "من دخل داري فأعطه رغيفًا" فأعطى كل داخل: لم يكن للسيد أن يعترض عليه.

  39. ولو قال: "لِمَ أعطيت هذا وهو قصير" وإنما أردت الطوال؟

    فقال: "ما أمرتني بهذا، وإنما أمرتني بإعطاء كل داخل" فعرض هذا على العقلاء: رأوا اعتراض السيد ساقطًا، وعذر العبد متوجهًا.

  40. ولو أن العبد حرَم واحدًا، فقال له السيد: "لِمَ لم تعطه" ؟ فقال: "لأن هذا أسود، ولفظك ما اقتضى العموم، فيحتمل أنك أردت الأبيض" استوجب التأديب عند العقلاء، وقيل له: "ما لك وللنظر إلى اللون، وقد أمرت بإعطاء كل داخل" ؟