فصل: في شروط الاستثناء

31 paragraphs · vol. 2, p. 84

  1. ويشترط في الاستثناء ثلاثة شروط:
  2. أحدهما: أن يتصل بالكلام، بحيث لا يفصل بينهما كلام، ولا سكوت يمكن الكلام فيه؛ لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام، فإذا انفصل: لم يكن إتمامًا، كالشرط، وخبر المبتدأ، فإنه لو قال: "أكرم من دخل داري" ثم قال، بعد شهر: "إلا زيدًا" : لم يفهم، كما لو قال: "زيدًا" ثم قال، بعد شهر: "قائم" لم يعد خبرًا، وكذلك الشرط.

  3. وحكي عن ابن عباس: أنه يجوز أن يكون منفصلًا٣.

  4. وعن عطاء١ والحسن٢: جواز تأخيره ما دام في المجلس٣. وأومأ إليه أحمد -رحمه الله- في الاستثناء في اليمين٤.

    vol. 2, p. 85
  5. والأولى: ما ذكرناه٥.

  6. الشرط الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه٦

    vol. 2, p. 86فأما الاستثناء من غير الجنس: فمجاز لا يدخل في الإقرار، ولو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلًا١.

  7. وهذا قول بعض الشافعية.

    وقال بعضهم٢، ومالك وأبو حنيفة، وبعض المتكلمين: يصح؛ لأنه قد جاء في القرآن واللغة الفصيحة.

    قال الله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا} ٣، و {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ... } ٤، {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} ٥.

    وقال الشاعر٦:

    ...................وَما بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ

  8. إلَّا الأَوَاريّ.....١
  9. [وقال آخر] ٢:
  10. وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس٣

    ومثله كثير.

  11. ولنا: أن الاستثناء: إخراج بعض ما يتناوله المستثنى منه بدليل: أنه مشتق من قولهم: "ثنيت فلانًا عن رأيه" و "ثنيت العنان" فيشعر بصرف الكلام عن صوبه١ الذي كان يقتضيه سياقه٢.

    vol. 2, p. 88
  12. فإذا ذكر ما لا دخول له في الكلام الأول، لولا الاستثناء، فما صرف الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله.

  13. فتكون تسميته استثناء تجوزًا باللفظ عن موضوعه، وتكون "إلا" ههنا بمعنى "لكن" ٣.

    قال هذا ابن قتيبة٤. وقال: هو قول سيبويه٥، وقاله غيرهما من أهل العربية.

  14. وإذا كانت بمعنى "لكن" لم يكن لها في الإقرار معنى١، فلم يصح أن ترفع شيئًا منه، فتكون لاغية، فإن "لكن" إنما تدخل للاستدراك بعد الجحد، والإقرار ليس بجحد، فلا يصح فيه.

    vol. 2, p. 89
  15. ولذلك: لم يأت الاستثناء المنقطع في إثبات بحال.

  16. الشرط الثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف.

  17. وفي استثناء النصف وجهان.

    vol. 2, p. 90وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: يجوز استثناء الأكثر.

  18. ولا نعلم خلافًا في أنه: لا يجوز استثناء الكل١.

  19. واحتج من جوزه - أي: جوز الأكثر- بقوله تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} ٢.

    وقال في أخرى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} .

  20. فاستثنى كل واحد منهما من الآخرن وأيهما كان الأكثر: حصل المقصود٤.

    vol. 2, p. 91وقال الشاعر:

    أدُّوا التي نَقَصَتْ تسعين مِنْ مائةٍ ... ثم ابْعَثوا حكمًا بالحقّ قَوَّاما١

    ولأنه إذا جاز استثناء الأقل، جاز استثناء الأكثر.

  21. ولأنه رفع بعض ما تناوله اللفظ، فجاز في الأكثر كالتخصيص.

  22. ولنا: أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة نفوا ذلك وأنكروه٢.

    قال أبو إسحاق الزجاج٣: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير٤.

    وقال ابن جني٥: لو قال قائل: "مائة إلا تسعة وتسعين" ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامه عيًّا من الكلام ولكنة.

    vol. 2, p. 92وقال القتيبي١: يقال: "صمت الشهر كله إلا يومًا واحدًا، ولا يقال: صمت الشهر إلا تسعة وعشرين يومًا" ويقول: "لقيت القوم جميعهم إلا واحدًا أو اثنين" ، ولا يجوز أن يقول: "لقيت القوم إلا أكثرهم" .

  23. إذا ثبت أنه ليس من اللغة: فلا يقبل.

  24. ولو جاز هذا: لجاز في كل ما كرهوه وقبحوه.

  25. وأما الآية التي احتجوا بها: فقد أجيب عن احتجاجهم بها بأجوبة.

  26. منها: أنه استثناء في إحدى الآيتين المخلصين من بني آدم وهم الأقل.

  27. وفي الأخرى: استثناء الغاوين من جميع العباد وهم الأقل، فإن الملائكة من عباد الله، قال الله تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} ٢ وهم غير غاوين٣.

    ومنها: أنه استثناء منقطع في قوله تعالى: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} ٤ بمعنى "لكن" بدليل أنه قال في آية أخرى: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ ... } ٥

    vol. 2, p. 93وأما البيت فليس فيه استثناء.

  28. مع أنه قال ابن فصال النحوي١: هذا بيت مصنوع ولم يثبت عن العرب.

  29. وأما القياس في اللغة٢: فغير جائز. ولو كان جائزًا: فهو جمع بغير علة٣ ومثل هذا لو جاز استثناء البعض، جاز استثناء الكل.

  30. ويعارضه: بأنه إذا لم يجز استثناء الكل، فلا يجوز استثناء الأكثر.

  31. والفرق بين القليل والكثير: أن العرب استعملته في القليل دون الكثير، فلا يقاس في لغتهم ما أنكروه على ما حسّنوه وجوّزوه.