فصل: في حكم الاستثناء بعد جمل متعددة
24 paragraphs · vol. 2, p. 94
- vol. 2, p. 94
إذا تعقب الاستثناء جملًا، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا....} ، وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ في سُلْطانِه، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتَه إلَّا بإِذْنِه" ٢: رجع الاستثناء إلى جميعها، وهو قول أصحاب الشافعي٣.
وقال الحنفية: يرجع إلى أقرب المذكورين٤ لأمور ثلاثة:
vol. 2, p. 95أحدهما: أن العموم يثبت في كل صورة بيقين، وعود الاستثناء على جميعها مشكوك فيه، فلا يزيل - أي: العموم- المتيقن بالشك١.
- vol. 2, p. 96
الثاني: أن الاستثناء إنما وجب رده إلى ما قبله، ضرورة أنه لا يستقل بنفسه، فإذا تعلق بما يليه: فقد استقل وأفاد، فلا حاجة إلى تعلقه بما قبل ذلك، فلا نعلقه به، وصار كالاستثناء من الاستثناء.
-
والثالث: أن الجملة مفصول بينها وبين الأولى، فأشبه ما لو حصل فصل بينهما بكلام آخر١.
- وأدلتنا ثلاثة:
-
أحدهما: أن الشرط إذا تعقب جملًا: عاد إلى جميعها، كقوله "نسائي طوالق، وعبيدي أحرار إن كلمتُ زيدًا" فكذلك الاستثناء، فإن الشرط والاستثناء سيّان٢ في تعلقهما بما قبلهما وبغيرهما له، ولهذا يسمى التعليق بشرط مشيئة الله: استثناء، فما ثبت لأحدهما ثبت في الآخر.
-
فإن قيل: الفرق بينهما: أن الشرط رتبته التقديم، بخلاف الاستثناء. قلنا: إذا تأخر الشرط فلا فرق بينهما.
-
ثم إن كان متقدمًا: فلم لا يتعلق بالجملة الأولى، دون ما بعدها؟
-
فإذا تعلق بجميع الجمل -تقدم أو تأخر- وكذلك الاستثناء، فإنه
vol. 2, p. 97مساو للشرط في حال تأخره١.
-
الثاني: اتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة٢ عيٌّ ولكنة، ولو لم يعد الاستثناء إلى الجميع، لم يقبح ذلك، بل كان متعينًا لازمًا فيما يريد فيه الاستثناء من جميع الجمل.
-
الثالث: أن العطف بالواو يوجب نوعًا من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه، فتصير الجمل كالجملة الواحدة، فيصير كأنه قال: "اضرب الجماعة الذين هم قتلة وسرّاق إلا من تاب" ولا فرق بين هذا وبين قوله: "اضرب من قتل وسرق إلا من تاب" ٣.
- vol. 2, p. 98
وقولهم: "إن التعميم مستيقن" : ممنوع، فإن العموم والإطلاق لا يثبت قبل تمام الكلام، وما تم حتى أردف باستثناء يرجع إليه١.
-
ثم يبطل بالشرط والصفة، وقد سلم أكثرهم عموم ذلك.
-
ولما ذكر الله -تعالى- خصال كفارة اليمين الثلاثة، ثم قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} ٢: رجع ذلك إلى جميعها.
-
وقولهم: "إن الاستثناء إنما تعلق بما قبله ضرورة" ممنوع، بل إنما رجع إلى ما قبله، لصلاحيته لذلك٣.
- vol. 2, p. 99
ثم يبطل -أيضًا- بالشرط والصفة١.
-
أما الاستثناء من الاستثناء٢: فلم يمكن عوده إلى الأول، لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي٣، فتعذر النفي من النفي.
وهكذا كل ما فيه قرينة تصرفه عن الرجوع، لا يرجع على الأول، كقوله تعالى: { ... فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} ٤ لا يعود إلى التحرير، لأن صدقتهم إنما تكون بمالهم، فالعتق ليس حقًّا لهم.
-
فصل: في الشرط
الشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده.
- vol. 2, p. 100
والعلة: يلزم من وجودها وجود المعلول، ولا يلزم من عدمها عدمه في الشرعيات.
-
والشرط: عقلي، وشرعي، ولغوي:
فالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة.
-
والشرعي: كالطهارة للصلاة، والإحصان للرجم.
-
واللغوي: كقوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" و "إن جئتني أكرمتك" مقتضاه في اللغة: اختصاص الإكرام بالمجيء، فينزل منزلة التخصيص والاستثناء.
-
والاستثناء والشرط يغير الكلام عما كان يقتضيه لولاه حتى يجعله متكلمًا بالباقي، لا أنه يخرج من الكلام ما دخل فيه؛ فإنه لو دخل لما خرج١. فإذا قال: "أنت طالق إن دخلت الدار" معناه: أنك عند الدخول طالق.
-
وقوله: "له عشرة إلا ثلاثة" معناه: له عليّ سبعة، فإنه لو ثبت له عليه عشرة: لما قدر على إسقاط ثلاثة، ولو قدر على ذلك بالكلام
vol. 2, p. 101المتصل: لقدر عليه بالمنفصل، فيصير موضوع الكلام ذلك.
-
فقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} ١ لا حكم له قبل إتمام الكلام، فإذا تم كان الكلام مقصورًا على من وجد منه السهو والرياء، لا أنه دخل فيه كل مصلٍّ، ثم خرج البعض، كذلك الاستثناء والشرط.